إعلان

حرب إيران.. هل دخل العالم مرحلة إعادة تشكيل كبرى؟

كتب : محمد طه

09:50 ص 27/03/2026

حرب إيران وتغيير النظام العالمي (AI)

تابعنا على

لم تكن سوى أسابيع معدودة حتى تبخر وهم "الحسم الخاطف" في حرب إيران، وتحولت الترسانة الضخمة المجيشة من استهداف نظام سياسي إلى التصويب المباشر نحو قلب النظام العالمي بأسره.

فما بدأ كعملية عسكرية جراحية أمريكية-إسرائيلية لتقليم الأظافر النووية لطهران، تطور اليوم ليصبح فخًا استراتيجيًا معقدًا يبتلع المنطقة ويمتد شراره إلى مياه الخليج الهادئة، مختبرًا متانة الأحادية القطبية، وواضعًا العالم بأسره أمام السؤال الأكثر رعبًا في أروقة صنع القرار: هل نضجت ظروف الانهيار الكبير لولادة خريطة نفوذ جديدة كليًا؟

حرب إيران واستهداف "الترتيبات الأمنية"

على الصعيد الميداني، تمددت رقعة الاشتباكات بصورة دراماتيكية متجاوزة حدود الجغرافيا الإيرانية لتشمل، وبشكل واسع، القواعد والمصالح الأمريكية في دول الجوار.

وقد وسعت طهران نطاق بنك أهدافها الاستراتيجية بجرأة غير مسبوقة، متجهةً نحو استهداف البنية التحتية الحيوية والمطارات في دول مجلس التعاون الخليجي، لتضع هذه الدول في قلب العاصفة العسكرية مباشرة وتحت ضغط جيوسياسي هائل.

بينما في إسرائيل، أعلنت القيادة العسكرية مؤخرًا سعيها الحثيث لإقامة منطقة أمنية عازلة بعمق 30 كيلومترًا في الجنوب اللبناني، مع ما تعانيه تحت وطأة توسيع "حزب الله" اللبناني لعملياته العسكرية الانتقامية، والتي أسفرت عن إلحاق أضرار واسعة وموثقة في الأرواح والبنية التحتية الإسرائيلية، التي باتت أقرب للانهيار وفقًا لتصريحات كبار القادة الإسرائيليين.

دمار في نهاريا بشمال إسرائيل

اقرأ أيضًا: قدراتها تتآكل.. كيف أسقطت إيران إسرائيل في "مستنقع استنزاف"؟

وبحسب التحليلات المتداولة في وكالة "تسنيم" الإيرانية، تعتمد استراتيجية الحرس الثوري على تشتيت القوة النيرانية للتحالف الأمريكي من خلال خلق بؤر اشتعال متعددة ومتزامنة في المياه الإقليمية والعمق الخليجي.

بينما وبتفعيل التكتيك نفسه في إسرائيل بمساعدة حزب الله، الذي كثف عملياته معلنًا تنفيذ 73 هجومًا استهدف القوات والبلدات الإسرائيلية خلال 24 ساعة فقط، لتُدخل إيران المنطقة في مرحلة إرباك لخطوط الإمداد، في استراتيجية واضحة لتحطيم "الوهم الأمني" الذي اعتمدت عليه دول المنطقة لعقود طويلة تحت المظلة الأمريكية، دفعًا نحو إعادة تشكيل المنظومة الأمنية الإقليمية.

اقرأ أيضًا: مصدق بور لـ"مصراوي": إيران ترفض وقف الحرب.. استنزفنا واشنطن إقليميًا ومصر "استثناء"

من إسقاط النظام إلى التدمير المنهجي

بقراءة تحليلية معمقة تستند إلى التقرير الخاص الأحدث الصادر عن "معهد دراسة الحرب" (ISW) الأمريكي أمس، يظهر بوضوح انتقال استراتيجية التحالف الأمريكي الإسرائيلي إلى "حرب الاستنزاف الشاملة".

فقد تجاوز التحالف الرهان على السقوط السريع للنظام الإيراني، ليركز جهوده بشكل قاطع على التدمير المنهجي للقاعدة الصناعية والدفاعية الإيرانية.

يُبرز التقرير هذا التحول الاستراتيجي من خلال إحصاءات غير مسبوقة؛ حيث طالت ضربات القوات المشتركة أكثر من 10 آلاف موقع منذ اندلاع النزاع، مركزة على شلّ البنية التحتية لإنتاج الأسلحة عبر استهداف مجمع "بارشين" العسكري ومنشآت استراتيجية في أصفهان.

وعلى الجانب الآخر، أظهرت طهران قدرة ملحوظة على الحفاظ على زخمها النيراني؛ حيث أطلقت موجات صاروخية متتالية استهدفت العمق الإسرائيلي. وتعمّدت القوات الإيرانية استخدام الذخائر والقنابل العنقودية في تكتيك هجومي يهدف بشكل مباشر إلى إيقاع أقصى ضرر ممكن، وإدامة حالة الرعب، وتشتيت وإرهاق الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

الغارات الجوية على مشهد الإيرانية

حرب إيران وحملة العقاب الجماعي

مع انقضاء الشهر الأول من القتال، تجاوزت القراءات البحثية الحديثة فكرة "الضربة الخاطفة" لتشرح تعقيدات حرب الاستنزاف الحالية وربطها بإعادة تشكيل النظام الدولي.

يقول بنيامين جنسن مدير مختبر المستقبل وزميل أول في وزارة الدفاع والأمن بـ"مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" (CSIS) في واشنطن، إن طهران تتبنى استراتيجية تُعرف بـ "حملة العقاب متعددة المجالات" للرد على التفوق الجوي الأمريكي-الإسرائيلي؛ إذ أدركت إيران استحالة حسم المعركة عسكريًا، فاتجهت إلى سياسة "الإيذاء الاقتصادي الشامل"، عبر تهديد محطات تسييل الغاز وخطوط الملاحة لخلق صدمة مرعبة في أسواق الطاقة العالمية ورفع تكاليف التأمين البحري.

وتُجمع التحليلات الحديثة على أن هذه الاستراتيجية تهدف بشكل رئيسي إلى توليد ألم اقتصادي عالمي ضاغط، يجبر الدول الكبرى المستوردة للطاقة على التدخل الفوري وتجاوز الإرادة الأمريكية المنفردة. بينما يؤكد تقرير (CSIS) أن الأسابيع القادمة قد تشهد هجمات سيبرانية معقدة تستهدف تعطيل الأنظمة المصرفية والخدمية في المنطقة، لشراء المزيد من الوقت في ساحة المعركة، وهو ما ينقل الصراع من حيزه الجغرافي إلى تهديد استقرار الاقتصاد العالمي بأسره.

المعاهدة الثلاثية.. رهان طهران على مظلة الشرق

لفهم كيفية صمود المنظومة الإيرانية حتى الآن، يتوقف المحللون أمام الرهان الإيراني الكبير على القوى الأوراسية.

تشير ورقة بحثية حديثة صادرة عن "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" (WINEP) إلى أن طهران تدير معركتها الحالية وعينها على موسكو وبكين، حيث تستميت القيادة الإيرانية في إطالة أمد الحرب لكسب الوقت الكافي لتفعيل بنود الدعم اللوجستي ضمن التحالفات الشرقية.

ويشير المعهد إلى أن الصين تمثل طوق النجاة الأهم لإيران في مرحلة ما بعد تدمير بنيتها العسكرية، حيث يتوقع الخبراء أن تتدخل بكين بقوة لإعادة بناء القدرات الصناعية الدفاعية الإيرانية بشكل سريع مقابل امتيازات نفطية طويلة الأجل.

بينما تنفيان تؤكد المؤشرات والتصريحات الإيرانية الدعم الروسي الصيني لطهران في الحرب

يتوافق هذا التوجه مع قراءات (CSIS) التي تؤكد أن القيادة في طهران تكتفي بتحقيق "الصمود الميداني" لإثبات فشل استراتيجية إسقاط النظام، في انتظار تدخل روسي-صيني علني يحفظ ما تبقى من هيكل الدولة ويحول دون انفراد واشنطن بترتيبات ما بعد الحرب، مما يؤسس فعليًا لملامح نظام متعدد الأقطاب تنكسر فيه الأحادية الأمريكية على أسوار الشرق الأوسط.

اقرأ أيضًا: بعد تصريح عراقجي.. كيف تدير الصين وروسيا "حرب الإحداثيات" لإنقاذ إيران؟

سيناريوهات متعارضة ومفاوضات تحت النيران

بناءً على هذه المعطيات، بادرت واشنطن بتقديم مقترح تسوية مكون من 15 نقطة عبر الوسيط الباكستاني في محاولة لإنهاء الصراع، مع تصريحات للرئاسة الأمريكية أكدت وجود توافقات مبدئية.

غير أن الجانب الإيراني سارع بإظهار تصلب استراتيجي حاسم، وهو ما أكدته مصادر "مصراوي" في الداخل الإيراني سابقًا، حيث شدد المسؤولون الإيرانيون على رفضهم الخوض في أي مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، مشترطين أن تشمل أي تسوية وقفًا شاملًا للعمليات الإسرائيلية في لبنان كضمانة لحلفائهم.

وأمام هذا التعثر، يعتمد السيناريو الأمريكي الحالي، وفقًا لمعهد واشنطن (WINEP)، على الاستمرار في قصف منشآت تخزين الأسلحة وتدمير قدرات الدولة الإيرانية أملًا في إضعافها القاتل.

بينما يبرز السيناريو الكابوسي المتمثل في انزلاق استراتيجية "الضغط الأقصى" نحو فوضى إقليمية شاملة تغلق المضايق المائية وتوقف تصدير نفط الخليج، ليدخل العالم في نفق ركود مدمر يكتب فعليًا نهاية النظام العالمي القديم ويبشر بولادة نظام جديد من رحم رماد المعركة.

تآكل المظلة الغربية.. نهاية عصر الهيمنة من الداخل

لا يمكن قراءة حالة التعثر الاستراتيجي في حسم الحرب دون النظر إلى التصدعات العميقة التي تضرب بنية النظام الغربي من الداخل، وهو مسار طالما حذرت منه النخب الأوروبية.

تتوافق هذه التخبطات الميدانية مع رؤية تحليلية مبكرة طرحها ديرك كوربجويت، رئيس تحرير مجلة "دير شبيجل" الألمانية، في نوفمبر من العام 2024، اعتبر فيها عودة دونالد ترامب للسلطة إعلانًا رسميًا لنهاية حقبة الهيمنة الغربية وفشل الديمقراطيات الليبرالية في الحفاظ على تماسكها.

يرى كوربجويت أن "الغرب" ككتلة متراصة وموحدة فقد وجوده الفعلي، مشيرًا إلى أن السياسات الفوضوية، وتجاهل الأزمات الاجتماعية، والعودة إلى الانغلاق القومي، أدت جميعها إلى تمزيق التحالفات التاريخية عبر الأطلسي.

وقد تجسدت هذه المخاوف الألمانية واقعًا ملموسًا خلال العام الماضي مع الانهيارات المتتالية للائتلافات الحاكمة وصعود قيادات يمينية محافظة ومقاربات قومية جديدة في عواصم أوروبية رئيسية، ما أفقد التحالف الغربي بوصلته الموحدة. وهذا التفكك الداخلي في بنية الغرب، وتخلي واشنطن في عهد ترامب عن دور "حامي التحالف" لصالح مصالحها الأحادية، منح طهران ومحورها فرصة ذهبية للصمود والمناورة في فراغ استراتيجي غير مسبوق.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان