بين "ديمونا" و"حقول النفط".. تصدع "الدرع المنيع" في ليلة هجمات إيرانية مكثفة
كتب : محمد أبو بكر
ضربات إيرانية على اسرائيل
لم تعد مجرد مواجهة تقليدية أو ضربات جراحية محدودة، لقد تحولت حرب إيران في غضون أسابيع قليلة إلى استنزاف إقليمي وقاري يعيد صياغة قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط، فمنذ انطلاق الشرارة الأولى أواخر فبراير الماضي، انهارت التوقعات التي راهنت على نصر خاطف يحيد القدرات الإيرانية؛ لتجد واشنطن وتل أبيب نفسيهما أمام معادلة عسكرية غير مسبوقة: تكنولوجيا دفاعية بمئات الملايين من الدولارات تقف منهكة ومستنزفة أمام أسراب من المسيّرات الرخيصة والذخائر المتناثرة التي أربكت السماء من البحر المتوسط وحتى عمق المحيط الهندي.
نحن الآن أمام انهيار كامل لأسطورة القبة التي لا تُخترق، وحرب اقتصادية وتكتيكية تدفع بالمنطقة بأسرها نحو حافة الهاوية.
بدأت إيران، بعد الضربة الأمريكية الإسرائيلية، بإطلاق مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي لم تستهدف إسرائيل فحسب، بل شملت دولاً خليجية "الإمارات، السعودية، قطر، الكويت، والبحرين"، في تصعيد هو الأضخم في تاريخ الصراع الإقليمي.
أولاً: الاستراتيجية القتالية وتحديات منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية
تواصل الصواريخ الإيرانية ممارسة ضغوط يومية هائلة على الدفاعات الإسرائيلية، التي تُعد من الأكثر تطورًا في العالم، ورغم امتلاك إسرائيل لدرع متعدد الطبقات، تزايدت التكهنات حول ظهور ثغرات في منظومة "القبة الحديدية" نتيجة سنوات الصراع الطويلة.

هيكلية الدفاع الجوي الإسرائيلي:
أوضح الخبراء العسكريون، ومنهم آرون تيلتون، أن المنظومة تتكون من طبقات أساسية: القبة الحديدية: مخصصة للتهديدات قصيرة المدى، وبمعدل نجاح تاريخي يصل لـ 90، ديفيد سلينغ (مقلاع داوود): للتعامل مع الصواريخ الباليستية متوسطة المدى (40-300 كم)، وآرو (حيتس): لتغطية الصواريخ الباليستية بعيدة المدى خارج الغلاف الجوي، بحسب دوتشه فيله.
تكتيك "الذخائر العنقودية" وإرهاق المنظومات:
وفقاً لتقارير "دوتشه فيله"، تشكل الذخائر العنقودية الإيرانية التحدي الأحدث والأخطر؛ حيث تتفكك إلى (80-100) شحنة صغيرة، مما يجعل اعتراضها بالأنظمة التقليدية صعباً للغاية، وتقدر إسرائيل أن نصف صواريخ إيران الحديثة باتت تعتمد هذا النوع من الذخائر لتجاوز "الدفاعات المتعبة".
ثانياً: التحليل الاقتصادي واللوجستي لحرب الاستنزاف
أكد الخبير الأمني جلين إغنازيو، أن الدفاعات الإسرائيلية تظهر عليها علامات الإجهاد، وتبرز هنا "معادلة الكلفة" لصالح إيران، حيث كلفة الهجوم: الصاروخ الباليستي الإيراني يكلف (1-2 مليون دولار)، ومسيّرة "شهد" تكلف (50 ألف دولار)، وكلفة الاعتراض: صاروخ (PAC-3) يكلف 4 ملايين دولار، وصاروخ (THAAD) يصل لـ 8 ملايين دولار.
وتشير المحللة مارينا ميرون، إلى أن استمرار الهجمات يقلص وقت الاستجابة ويزيد الضغط على المخزون الدفاعي، خاصة مع محدودية الإنتاج السنوي لصواريخ الاعتراض الأمريكية، حيث يحتاج زيادة الإنتاج لثلاثة أضعاف سنوات طويلة نظراً لتعقيد سلاسل الإمداد.
ثالثاً: جبهة لبنان.. حزب الله وتصعيد "الموجة 83"
بالتزامن مع عملية "الوعد الصادق 4" التي نفذها الحرس الثوري الإيراني، فجر اليوم الجمعة، صعد حزب الله من عملياته بشكل حاد، حيث نفذ 93 هجوماً في يوم واحد، مستخدماً الصواريخ المضادة للدروع والمسيّرات الانقضاضية.
وأبرز أهداف حزب الله شملت، استهداف مقر وزارة الدفاع الإسرائيلية وقيادة الجبهة الشمالية، وضرب 16 مستوطنة و17 موقعاً عسكرياً و27 تجمعاً للجنود، وتدمير 28 دبابة "ميركافا" والاشتباك المباشر في مدن جنوب لبنان (الخيام، دير سريان، الناقورة).
وأكدت قناة "إسرائيل 24" أن الحزب أطلق نحو 600 صاروخ ومسيّرة خلال 24 ساعة فقط.
رابعاً: استهداف دول الخليج والقواعد الأمريكية في المنطقة
لم تقتصر الضربات الإيرانية على إسرائيل، بل كانت الضربات الموجهة للخليج على نطاق أوسع بكثير، حيث أطلقت طهران 357 صاروخاً باليستياً، و1815 هجوماً بالمسيّرات، و15 صاروخ كروز تجاه دول المنطقة.
وشهدت دول الخليج العربي تصعيداً عسكرياً عنيفاً منذ بداية النزاع، حيث تعرضت دولة الإمارات العربية المتحدة لهجمات مكثفة أدت لاعتراض 15 صاروخاً باليستياً و11 مسيرة مؤخراً، وسجلت السلطات وقوع ضحايا بين قتلى وجرحى في العاصمة أبوظبي نتيجة سقوط شظايا صاروخية، بالإضافة إلى رصد أضرار مادية في مطار دبي الدولي.

وفي المملكة العربية السعودية، نجحت الدفاعات الجوية في تدمير 11 طائرة مسيرة في المنطقة الشمالية، وسط محاولات إيرانية لاستهداف قاعدة الأمير سلطان الجوية وحقول النفط والمنشآت الصناعية.
أما في الكويت، فقد تصدت القوات المسلحة لـ 6 صواريخ باليستية وطائرة مسيرة خلال يوم واحد، فيما اندلعت حرائق في خزانات وقود بمطار الكويت الدولي جراء الهجمات، وفي مملكة البحرين، أعلنت قوة الدفاع اعتراض وتدمير 154 صاروخاً و350 مسيرة منذ بدء النزاع في فبراير الماضي، مع السيطرة على حريق ضخم اندلع في منشأة بمحافظة المحرق.
وشهدت قطر والأردن، بالتوازي مع ذلك، الإعلان عن تصدي أنظمة الدفاع لهجمات صاروخية سقطت أجزاء منها في مواقع صناعية وحيوية.
خامساً: الفاتورة البشرية والأضرار الميدانية.. إحصائيات شاملة للصراع
أسفرت الحرب المستمرة منذ 28 فبراير عن حصيلة دامية وخسائر بشرية فادحة على كافة الجبهات؛ ففي الجانب الإيراني، لقي ما لا يقل عن 1500 شخص حتفهم، بينهم مئات النساء والأطفال، وأصيب أكثر من 15 ألفاً آخرين جراء إسقاط إسرائيل لأكثر من 15 ألف قنبلة على الأراضي الإيرانية، وعلى الجبهة اللبنانية، بلغت أعداد الضحايا منذ مطلع مارس 1094 قتيلاً و3119 مصاباً، بالإضافة إلى نزوح أكثر من مليون شخص نتيجة الغارات والعمليات العسكرية.

وفي المقابل، أدت ردود فعل إيران وحزب الله إلى مقتل 18 شخصاً وإصابة 5045 آخرين داخل إسرائيل، وسط حالة من التكتم الرسمي على حجم الخسائر العسكرية الحقيقي، رغم الإعلان عن مقتل عسكريين وإصابة ضباط في معارك جنوب لبنان، كما لم تقتصر الخسائر على الأطراف المباشرة، بل امتدت لتشمل سقوط ضحايا في صفوف العسكريين الأمريكيين نتيجة الهجمات على القواعد، فضلاً عن سقوط قتلى مدنيين جراء الشظايا والصواريخ التي طالت مدناً خليجية مثل أبوظبي ودبي.
سادساً: خارطة الأهداف.. المناطق الأكثر استهدافاً داخل العمق الإسرائيلي
تركزت الضربات الصاروخية القادمة من إيران ولبنان على مناطق استراتيجية وحيوية تمتد من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب؛ ففي خليج حيفا المعروف بـ "الكريّوت"، جرى استهداف المصانع العسكرية عالية الدقة والميناء وقاعدة "مشمار الكرمل" للدفاع الصاروخي، وفي منطقة تل أبيب الكبرى، تعرض مطار بن غوريون والمؤسسات السيادية لسلسلة من الهجمات التي تسببت بشظاياها في اندلاع حرائق واسعة بالمركبات والمنازل.
كما شهدت مستوطنة "بيت شيمش" واحدة من أقوى الضربات باستخدام صاروخ من نوع جديد أطلقه حزب الله على محطة للأقمار الصناعية، مما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا، وفي الجنوب، طالت الصواريخ الإيرانية منطقة النقب والبحر الميت، مستهدفة قاعدة "نيفاتيم" الجوية ومنطقة "عين بوكيك" السياحية ومجمع مصانع الكيميائيات والفوسفات، وصولاً إلى مدينة إيلات على البحر الأحمر، وسقط صاروخ في منطقة "حيفر" قرب "أورت رابن"، التي تعد أكبر محطة لتوليد الكهرباء في إسرائيل.

وشهد الصراع تطوراً نوعياً غير مسبوق مع إطلاق إيران لصواريخ باليستية طويلة المدى لأول مرة، مثل صواريخ "خرمشهر" التي يصل مداها إلى 4000 كم، حيث استهدفت هذه الصواريخ مواقع في جنوب إسرائيل وقاعدة أمريكية-بريطانية في المحيط الهندي، مما يمثل أول توسع مباشر للعمليات العسكرية خارج نطاق الشرق الأوسط منذ بدء الحرب.
وعلى الصعيد الدبلوماسي والسياسي، طالب وزير الخارجية الإسرائيلي غيدعون ساعر مجلس الأمن الدولي بضرورة تصنيف حزب الله منظمة إرهابية بشكل رسمي، وممارسة ضغوط دولية على الحكومة اللبنانية لتفكيك قدرات الحزب العسكرية، محملاً إيران المسؤولية الكاملة عن دعم هذه التحركات.
أزمة داخلية تضرب الجيش الإسرائيلي في الحرب الإيرانية
وحذر إيال زامير، رئيس أركان الجيش، من أن الجيش يعاني من ضغوط شديدة نتيجة نقص القوات العاملة وتزايد متطلبات العمليات.
"عشرة تحذيرات" قبل الانهيار
أضاف زامير، وفق تصريحات نقلتها القناة 13 الإسرائيلية وأكدها المصدر لسي إن إن، أنه أطلق عشرة تحذيرات قبل أن ينهار الجيش من تلقاء نفسه.
تعدد الجبهات يزيد العبء العسكري
يخوض الجيش الإسرائيلي حاليًا، بحسب سي إن إن، عمليات عسكرية على عدة جبهات نشطة، تشمل إيران ولبنان وقطاع غزة وسوريا والضفة الغربية، ما أدى إلى تضاعف الضغوط على القوات العاملة في ظل اتساع رقعة العمليات.
وأقر المتحدث باسم الجيش، بوجود عجز في عدد الجنود يُقدّر بنحو 15 ألف جندي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تعزيز القوات لمواكبة العمليات العسكرية الجارية.
ويأتي هذا النقص في ظل أزمة مستمرة تتعلق بالتجنيد الإجباري، حيث لم تُصدر حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تشريعًا ينظم تجنيد اليهود المتشددين "الحريديم"، كما لم تُتخذ خطوات لتمديد مدة الخدمة الإلزامية أو إصلاح نظام الاحتياط.
وجاءت تصريحات "زامير"، خلال اجتماع للمجلس الوزاري الأمني، الذي ناقش أيضًا تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، حيث أشار سابقاً إلى أن الأسابيع الأخيرة شهدت زيادة في الجرائم ذات الدوافع القومية، داعيًا إلى اتخاذ إجراءات للحد منها.
وكانت مصادر قد أفادت لسي إن إن، بأن الجيش الإسرائيلي أعاد نشر كتيبة قتالية من الحدود الشمالية مع لبنان إلى الضفة الغربية، في ظل تصاعد أعمال العنف ضد الفلسطينيين بالتزامن مع الحرب الجارية مع إيران.