حرب إيران.. كيف وضعت أمريكا بين مقصلة الاستنزاف وسيناريو العراق؟
كتب : محمود الطوخي
حرب إيران.. كيف وضعت أمريكا بين مقصلة الاستنزاف وس
تتصاعد التحذيرات من انزلاق الولايات المتحدة في مستنقع عسكري جديد مع اقتراب حرب إيران من أسبوعها الخامس، وسط مخاوف خبراء عسكريين من تكرار ذات الإخفاقات التي رافقت غزو العراق.
ويرى بيتر منصور أستاذ التاريخ العسكري في جامعة ولاية أوهايو والعقيد السابق في الجيش الأمريكي، أن المشهد الراهن يحمل شعورا مألوفا ومقلقا؛ حيث تنجرف واشنطن نحو معركة طويلة ومكلفة في الشرق الأوسط رغم الآمال الأولية بحملة سريعة وحاسمة.
أهداف ضبابية لحرب إيران وصدى "كوابيس" العراق
تتلاشى التوقعات بحسم عسكري خاطف مع ظهور مؤشرات تحذيرية تربط بين حرب إيران والمزالق التي ابتليت بها العمليات الخارجية السابقة، بما في ذلك غياب الأهداف الواضحة وضعف التخطيط للطوارئ.
وفي تصريحات لصحيفة "وول ستريت جورنال"، يؤكد آلان آير الدبلوماسي الأمريكي المتخصص في الشؤون الإيرانية، أن العواقب طويلة المدى لحرب إيران ستكون غير متوقعة وسلبية إلى حد كبير، مشبها مآلات الصراع الحالي بنتائج غزو العراق التي لا تزال المنطقة تعاني من تبعاتها.
ورغم تأكيدات بيت هيجسيث وزير الدفاع الأمريكي، بأن الصراع الحالي مركّز وحاسم ويختلف عن الحروب السابقة، يرى جيسون جرينبلات المبعوث السابق لترامب إلى الشرق الأوسط، أن الحكم على استمرارية هذه المواجهة كـ"حرب أبدية" يتطلب الانتظار لعدة أشهر إضافية.
ووفقا للصحيفة، يشير الخبراء إلى أن حرب إيران بدأت تماما مثل العراق، بناء على تحذيرات من تهديدات وشيكة بأسلحة دمار شامل، مع تركيز مفرط على القوة العسكرية مقابل تجاهل عواقب ما قد يحدث لاحقا.
حرب إيران.. تهميش الخبراء وسيناريوهات الانهيار
يشير بيتر منصور، إلى أن الإدارة الحالية وقعت في فخ التركيز على نجاح العمليات القتالية دون التفكير في النتيجة النهائية للصراع أو ما سيحدث في حال انهيار النظام. وهو ما يتوافق مع رؤية آلان آير في أن تهميش آراء الخبراء المعارضين أدى إلى عدم الاستعداد بشكل صحيح لسيناريوهات التصعيد، مثل إغلاق إيران لمضيق هرمز الذي يمر عبره خُمس نفط العالم.
ويصف روبرت باب الخبير العسكري في جامعة شيكاغو، رد الفعل الإيراني الحالي بأنه حالة كلاسيكية من "التصعيد الأفقي"؛ حيث يسعى الخصم الأقل قوة "إيران" إلى توسيع رقعة الصراع لتغيير حسابات الطرف الأقوى.
هذا الواقع، يضع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام مأزق "قاعدة بوتري بارن"؛ فبمجرد تحطيم الاستقرار الإقليمي، تصبح واشنطن مسؤولة عن تبعاته الاقتصادية والسياسية، مما يجعل الانسحاب دون تحقيق "نصر واضح" أمرا بالغ الصعوبة.
حرب إيران.. أوهام القوة الجوية الأمريكية ودروس "فيتنام"
ربما راهنت الإدارة الأمريكية، مدفوعة بنجاحها الخاطف في اعتقال نيكولاس مادورو رئيس فنزويلا، على قدرتها في تغيير سلوك طهران عبر القوة الجوية وحدها، إلا أن روبرت كابلان، الأكاديمي بجامعة تكساس، يرى أن هذا التصور يصطدم بدروس قاسية من تاريخ النزاعات السابقة.
يؤكد كابلان، أن الاعتماد الكلي على القصف الجوي لم يحقق نتائج سياسية حاسمة في فيتنام أو كوسوفو، مشيرا إلى أن سوء التقدير غالبا ما يعيق العمليات العسكرية الأمريكية في المناطق التي تفتقر فيها واشنطن لمعرفة محلية دقيقة.
القومية الإيرانية وفخ "المحرر"
يشير المؤرخون إلى أن واشنطن أخطأت في فيتنام حين ظنت أنها تحارب الأيديولوجيا الشيوعية بينما كانت تواجه القومية الفيتنامية، وهو ذات الخطأ الذي قد يتكرر في حرب إيران.
ويوضح منصور، أن القوات الأمريكية في العراق توهمت أنها ستُستقبل كـ"محررة" بناء على كره الغالبية لنظام صدام حسين، لكن الأقلية المؤيدة أشعلت فتيل تمرد طويل.
يحذر منصور، من أن نسبة مؤيدي النظام في طهران قد تتجاوز 20%، مما يجعل الرهان على انهيار داخلي سريع أمرا محفوفا بالمخاطر.
وفي سياق متصل، تؤكد جين جافيتو المسؤولة السابقة في وزارة الخارجية الأمريكية، أن صمود طهران لم يكن مفاجئاً؛ إذ أظهرت كافة التدريبات النظرية السابقة أن محاولة إزاحة القيادة الإيرانية ستؤدي على الأرجح إلى بروز نظام أكثر تشددا، وهو ما يضع أهداف حرب إيران أمام طريق مسدود.
حرب إيران.. روسيا المستفيد الأكبر من استنزاف الدفاعات
وتنوّه "وول ستريت جورنال"، إلى أن من النتائج غير المتوقعة للنزاعات الأمريكية السابقة والنزاع الحالي أيضا، تعزيز قوة الخصوم؛ فكما منح غزو العراق نفوذا إقليميا أكبر لطهران، يرى الخبراء أن حرب إيران تصب حاليا في مصلحة روسيا.
وتوضح جافيتو، أن حرب إيران ساهمت في رفع أسعار النفط عالميا، واستنزاف مخزونات الدفاع الجوي التي كان من المفترض توجيهها لدعم أوكرانيا، مما يمنح موسكو تفوقا استراتيجيا غير مقصود.
غياب نقطة التوقف والبحث عن مخرج في حرب إيران
وفيما يتعلق بمبررات إدارة ترامب لحرب إيران، يرى كولين كاهل وكيل وزارة الدفاع السابق، أن الحروب التي تبدأ بدون أهداف سياسية واضحة نادرا ما تنتهي بشكل جيد، حيث تتوسع المهمة ويمتد الجدول الزمني مع اكتساب الحرب زخما خاصا بها.
ورغم تأكيدات المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي، أن أهداف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واضحة وتتمثل في تدمير الأسطول الإيراني والقدرات الصاروخية وضمان عدم امتلاك سلاح نووي، يفرض الواقع الميداني تحديات معقدة.
وفي جملة تحذيراته، يشير آير إلى أن الاستمرار في حرب إيران قد يدفع طهران فعليا للسعي نحو امتلاك سلاح نووي كضمانة لوجودها، موضحا: "طالما بقي النظام قائما ويشعر بتهديد وجودي من أمريكا وإسرائيل، فإنه سيعيد بناء دفاعاته برغبة أكبر في امتلاك الردع النووي".