إعلان

لماذا تنضم أوزبكستان إلى "مجلس السلام" الذي أطلقه دونالد ترامب؟

كتب : مصراوي

11:56 ص 29/01/2026

أوزبكستان

تابعنا على

واشنطن- (د ب أ)

يمثل انضمام أوزبكستان إلى "مجلس السلام" الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطوة استراتيجية ضمن سياستها الخارجية متعددة الاتجاهات. والهدف ليس فقط معالجة الأزمات في الشرق الأوسط، مثل غزة، بل تعزيز مكانتها الدولية، وتنويع شراكاتها، وضمان مصالحها الأمنية والاقتصادية على المدى الطويل.

هذا ما أكده الباحث إلدر ماميدوف، خبير السياسة الخارجية المقيم في بروكسل ومستشار سياسي في لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الأوروبي، ومتخصص في العلاقات مع إيران والعراق وشبه الجزيرة العربية، في تقرير نشرته مجلة "ناشونال إنتريست".

ويقول ماميدوف إنه جرى الإعلان عن الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022 بينما كان وفد من البرلمان الأوروبي يزور طشقند. وقد بدا المسؤولون الأوزبك الذين جرى لقاؤهم في ذلك اليوم المفصلي في حالة صدمة واضحة، غير أن تصريحاتهم اتسمت بحذر بالغ ودقة محسوبة، في صورة معبرة عن المشي على حبل جيوسياسي مشدود يطبع واقع آسيا الوسطى اليوم.

ومهد هذا المزيج بين القلق وضبط النفس للاستجابة الاستراتيجية التي انتهجتها المنطقة إزاء ذلك الزلزال الجيوسياسي الكبير، وهو التوجه نحو تنويع حاسم لشراكاتها الخارجية.

ويعد قرار أوزبكستان الأخير بالانضمام إلى "مجلس السلام"، وهي مبادرة أطلقها الرئيس دونالد ترامب على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وتهدف أساسا إلى معالجة الوضع في غزة، أحدث خطوة في هذه اللعبة عالية المخاطر. وبالنسبة لطشقند، لم يكن هذا القرار وليد اللحظة. فالتبرير الرسمي الذي عرضه المستشار الرئاسي البارز ووزير الخارجية السابق عبد العزيز كاميلوف يعكس سياسة خارجية براجماتية، إذ ينسجم مع متطلبات الأمن القومي، ويحترم مبادئ السياسة الخارجية المعلنة لطشقند، ويعالج "المصالح الحيوية" لأوزبكستان في استقرار الشرق الأوسط.

ويرى ماميدوف أن هذه المصالح ترتبط في المقام الأول بمواجهة التطرف والتشدد العنيف. فقد كان الخصم التاريخي لأوزبكستان هو "الحركة الإسلامية في أوزبكستان" المصنفة منظمة إرهابية من قبل الأمم المتحدة، والتي عملت لسنوات طويلة انطلاقا من ملاذات في أفغانستان المجاورة.

ويضيف ماميدوف أن هذا التأثير الديني الخارجي يصيب لب توازن داخلي دقيق. ففي عهد الرئيس شوكت ميرضيائيف، خففت الدولة بعض القيود الصارمة على التعبير الديني التي فرضها سلفه الراحل إسلام كريموف. غير أن هذا الانفتاح يدار بحذر شديد. فالحكومة تروج بنشاط لما تعتبره صيغة "وطنية" أوزبكية مميزة من الإسلام، قائمة على تعاليم المذهب الحنفي السني التقليدي (على غرار النموذج التركي) ومضبوطة بإحكام داخل إطار دولة علمانية. وفي هذا السياق، تعد ممارسات تصنف على أنها "دخيلة"، مثل ارتداء النقاب والمرتبطة بالسلفية، ليس مجرد اختلافات دينية، بل تهديدات مباشرة للتلاحم الاجتماعي ولسيادة الدولة.

لكن النظر إلى انضمام أوزبكستان إلى "مجلس السلام" من زاوية الشرق الأوسط وحده، أو من منظور غزة على وجه الخصوص، يعني إغفال دلالاته الاستراتيجية الأوسع. فخطوة طشقند تمثل إشارة مقصودة ضمن دبلوماسية "متعددة الاتجاهات" المعقدة التي تنتهجها آسيا الوسطى، وتأتي استكمالا لقمة عام 2025 مع الولايات المتحدة في واشنطن. وهي رهان على مزيد من التنويع في الشراكات، ومسعى لرفع المكانة الدولية، ومناورة داخل إقليم يتزايد استقطابه من قبل القوى الكبرى.

وتنص عقيدة السياسة الخارجية لأوزبكستان، كما أعلنتها وزارة خارجيتها، على أنها "منفتحة ومتبادلة المنفعة وبناءة"، وتهدف إلى إنشاء "حزام من الأمن والاستقرار وحسن الجوار". والأهم أنها تقر بسياسة عدم الانحياز إلى التكتلات العسكرية-السياسية. وعمليا، تطور ذلك إلى استراتيجية تقوم على موازنة دقيقة في العلاقات مع موسكو وبكين وواشنطن.

وتاريخيا، شاركت أوزبكستان في أطر تقودها روسيا مثل رابطة الدول المستقلة، وفي منظمة شنغهاي للتعاون التي تقودها الصين، حيث تستضيف مقر "الهيئة الإقليمية لمكافحة الإرهاب". غير أنها لم تنضم إلى منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا.

وفي الوقت نفسه، عملت على بناء "شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد" مع الصين. أما علاقاتها مع الولايات المتحدة، والتي تأطرت بإعلان الشراكة الاستراتيجية الموقع عام 2002 بين وزير الخارجية الأمريكي آنذاك كولن باول وعبد العزيز كاميلوف، وزير خارجية أوزبكستان في ذلك الحين، فقد ركزت على دعم تحديث أوزبكستان وأمنها، في سياق الحرب ضد طالبان والقاعدة في أفغانستان.

ويهدف الانضمام إلى "مجلس السلام" إلى ضخ زخم جديد في هذا المسار الأمريكي. وكما أشارت المحللة كاثرين بوتز، فإن أكبر دول آسيا الوسطى (فإلى جانب أوزبكستان انضمت جارتها كازاخستان أيضا) سعت بنشاط إلى "استمالة الرئيس الأمريكي المعروف بتقلبه ونزعته البراجماتية"، أملا في اجتذاب زيارة رئاسية تشكل محطة دبلوماسية بارزة تُبرز الأهمية الجيوسياسية المتنامية للمنطقة.
وفي انسجام مع هذا الطموح المرتبط بالمكانة الدولية، وصف كاميلوف الدعوة نفسها بأنها "إشارة سياسية مهمة" وباعتراف بأوزبكستان باعتبارها "فاعلا جادا ومسؤولا". فالحصول على مقعد على طاولة جديدة ترأسها الولايات المتحدة يعد مكسبا دبلوماسيا، يؤكد دور البلاد كطرف معترف به في قضية ذات صدى عالمي، مثل السلام في غزة.

ومع ذلك، وعلى الرغم من منطقها الاستراتيجي، يبقى رهان طشقند على "مجلس السلام" في الوقت الراهن مجرد رهان محسوب على آلية جديدة لم تختبر بعد. والسؤال الجوهري الآن هو ما إذا كان هذا المنتدى الذي تقوده الولايات المتحدة قادرا على تحقيق فوائد ملموسة تتوافق مع المصالح الأساسية لأوزبكستان، والمتمثلة في تعزيز المكانة الدبلوماسية والأمن والاستثمار وتوسيع هامش السيادة.

ويرى ماميدوف أن مشاركة أوزبكستان خطوة براجماتية ضمن استراتيجيتها متعددة الاتجاهات، وتعبير عن فاعليتها على الساحة الدولية. غير أن المعيار الحقيقي للنجاح سيكمن في ما إذا كان هذا "المقعد الجديد على الطاولة" سيتحول إلى مكاسب دبلوماسية وأمنية فعلية، وفرص اقتصادية، وتعزيز أكبر لاستقلالية القرار في طشقند.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان