• حديقة اسطنبول التي تختفي رويدا رويدا

    12:16 م الخميس 27 يونيو 2019
     حديقة اسطنبول التي تختفي رويدا رويدا

    أول حديقة نباتية في تركيا

    اسطنبول - (د ب أ):

    جذور شجرة الجنكة القديمة مكشوفة بالفعل، بسبب الخنادق التي يتم حفرها في الحديقة. الحجارة والرمال ملقاة على الرصيف. يبدو المكان وكأنه موقع البناء.

    في قلب اسطنبول، تختفي رويدا رويدا قطعة من الطبيعة الضاربة في التاريخ عن الظهور العام: إنها أول حديقة نباتية في جمهورية تركيا، أسسها قبل 84 عاما أستاذ يهودي من ألمانيا.

    وفي عام 2014، نقلت الحكومة إدارة الموقع بعيدًا عن المعهد النباتي بجامعة اسطنبول إلى مديرية الشؤون الدينية، أي مفتي المدينة.

    ويشكو علماء النبات من أن المفتي يرغب في البناء في الحديقة. وحتى وقت قريب، كان لا يزال يسمح لهم برعاية حديقتهم. لكنهم يقولون أنه لم يعد بإمكانهم الآن الدخول رسميا - ناهيك عن السائحين أو الطلاب. ويُسمح بدخول بستاني واحد فقط.

    ويقول أحد خبراء النبات من موظفي المعهد: "لقد تجاوز عمر الرجل (المفتي) الستين" ... يتسلل الذعر الهادئ في صوته وهو يفكر في 178 شجرة ونباتات موضوعة في أوعية وشجيرات على موقع مساحته أكثر من عشرة آلاف متر مربع ، وكلها تحتاج إلى من يرويها ويعتني بها.

    ولا تزال الحديقة موطنا لنحو 3500 نوعا من النباتات. ويقول خبير النبات، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، إنه أكثر ما يشعر بالقلق عليه هو النباتات القديمة. فعلى سبيل المثال، يقول إن هناك شجرة "Dracaena umbraculifera "، التي تشبه شجرة النخيل، وهي أيضا مدرجة في قائمة الأنواع المهددة بالانقراض. ويقول الخبير: "ربما قام الأستاذ الكبير (ألفريد) هايلبرون بزراعتها بنفسه".

    وكان "الأستاذ الكبير" مؤسس الحديقة وأيضا من مؤسسي معهد النباتات بأكمله. وفي عام 1933، فر العالم ألفريد هايلبرون، أستاذ علم النبات من مدينة مونستر، من ألمانيا النازية.

    وظل اسم الحديقة هو "Alfred Heilbronn Botanik Bahcesi" حتى وقت قريب. ولكن الآن، تمت إزالة العلامة الموجودة أعلى البوابة، تاركة فقط قطعة من المعدن صدئة وبها ثقوب، حيث كانت المسامير تعلق العلامة ذات يوم . لقد ضاع جزء من التاريخ الألماني التركي.

    وفي الثلاثينيات من القرن العشرين، إبان حكم مؤسس تركيا الحديثة العلماني ذي التوجه الغربي مصطفى كمال أتاتورك، استقبلت البلاد العديد من الأكاديميين اليهود الفارين من ألمانيا وجندتهم للبرنامج الإصلاح الكبير للجامعة في تركيا .

    وقال كورت هايلبرون 67 عاما أثناء زيارة إلى إسطنبول في أبريل الماضي: "لقد أوقف النازيون والدي في مونستر عام 1933". وكان ألفريد هايلبرون قد ذهب أولا إلى سويسرا. وهناك ساعدته جمعية الطوارئ للعلوم الألمانية في العثور على وظيفة في تركيا. ويقول نجله كورت: "لقد حصل على أربعة أضعاف راتبه وعلى شقه - في وقت كان اليهود يتعرضون فيه للاضطهاد في أوروبا" .

    وتقع حديقة هايلبرون في وسط اسطنبول: إنه موقع متميز خلف مسجد السليمانية الشهير الذي يعود للقرن السادس عشر وأعلى مضيق البوسفور. إنها مكونة من مصاطب، ومن ثم توجد مناظر متعددة للمياه الزرقاء والقرن الذهبي وبرج جالات أسفلها.

    ولعل هذه المناظر هي السبب الحقيقي وراء ما يصفه خبراء النبات بأنه "مصادرة" للحديقة. ويقول أحد هؤلاء الخبراء: "من لا يريد هذا هنا؟"، مشيرا إلى مضيق البوسفور.

    ووفقا لخبير النبات، فإن ما يحدث للحديقة هو كناية عن التطورات الأوسع في البلاد. ويقول: "أصف ذلك بأنه نوع من الثورة المضادة". ويوضح قائلا إن مؤسس الدولة ذو التفكير الإصلاحي قد أتاح الأرض للتعليم في ذلك الوقت. والآن يتم أخذ الحديقة بعيدا عن مؤسسة تعليمية وتقديمها للسلطات الدينية ... "كل شيء فعله أتاتورك سوف يتم قلبه".

    إنها وجهة نظر واسعة الانتشار في المعارضة ، بالنظر إلى السياسات المحافظة الإسلامية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

    وليس من الواضح ما الذي سوف يبقى بالتحديد من عمل الأستاذ الألماني .ولم تستجب مديرية الشؤون الدينية لطلبات التعليق.

    ويقول خبراء النبات إنهم اطلعوا على خطط للحدائق. ومن المؤكد أن الحديقة الأمامية، التي تم تفتيتها بالفعل، سوف تضيع، إلى جانب مبنى المعهد المجاور، الذي تم إخلائه في عام 2018.

    وتحتوي الحديقة على أشجار سيكويا بدائية وشجرة سيكويا دائمة الخضرة "Sequoia Sempervirens "، والتي يمكن أن تعيش مئات من السنين. فقط هذه الشجرة من هذا النوع ربما لن تستمر طويلا هنا في اسطنبول.

    ويقول كورت هايلبرون مع ذلك إنه من المفترض الحفاظ على الحديقة الخلفية الأكبر حتى بعد أعمال البناء الجديدة - على الأقل هذا ما أخبره به أحد أعضاء مديرية الشؤون الدينية. ولكن هذا لا يقدم الكثير لطمأنة علماء النبات. إنهم يخشون أن أعمال البناء وحدها، مع كل الأتربة والمركَّبات، ستقتل العديد من النباتات .

    وتدخل السفير الألماني في تركيا، مارتن إيردمان، في هذه المسألة، وكتب شخصيا خطابا إلى وزير الثقافة التركي. وكتب في الخطاب أن الحديقة هي علامة خاصة على التضامن الألماني التركي. وقال إنه لم يتلق ردا. وقال: "في نهاية المطاف، هذا هو شأن تركي داخلي ... لسوء الحظ ، لا يمكننا أن نفعل أكثر من ذلك."

    وقال نجل هايلبرون: "ما يحزنني هو أن تركيا تهمل كثيرا تراثها العلمي".

    إعلان

    إعلان

    إعلان