شبح حرب السويس
مع استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران للأسبوع الرابع دون تحقيق نصر واضح أو تأثير عميق على أي من قدرات النظام الإيراني العسكرية أو سيطرته التامة على الشعب الإيراني بالداخل، الأمر الذي يفقد تلك الحرب زخمها الشعبي والسياسي بكل من الولايات المتحدة وحليفتها الدولة العبرية، خاصة مع تراجع الرئيس الأمريكي عن إمكانية تحقيق أهدافه المعلنة التي كان يرغب في تحقيقها من وراء تلك الحرب العبثية.
فالنظام الإيراني مستمر على الأرض ومستمر في إيجاد خلفاء بشكل سريع للقادة الذين تم اغتيالهم، كما أن قدراته العسكرية أصبحت أكثر تأثيرا في ميادين القتال بتلك الحرب، والثقة الشعبية الإيرانية في القدرة على تحقيق انتصار على التحالف الإسرائيلي الأمريكي أصبحت أكبر، خاصة مع الضربات المؤلمة والدقيقة الموجهة للداخل الإسرائيلي، والوصول إلى المكان الأكثر حماية بإسرائيل بسهولة، وهو مفاعل ديمونة النووي، ووصول عدد الإصابات "المعلنة" من سكان إسرائيل لأكثر من 5000 مواطن ومستوطِن، بالإضافة لعدد غير معلن من القتلى، خاصة مع انهيار نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي، تزامنا مع انسحاب حاملات الطائرات الأمريكية من المنطقة لأسباب مختلفة قد يراها البعض غير منطقية، الأمر الذي يؤشر إلى هزيمة وسقوط لسياسة الردع الأمريكية المعتادة منذ انفرادها كقطب أوحد للعالم منذ حقبة التسعينيات.
يتزامن ذلك مع تصاعد الأصوات المطالبة بإيقاف الحرب من داخل الولايات المتحدة وإنهاء الارتباط والسيطرة السياسية الإسرائيلية على صنع القرار بالولايات المتحدة، حيث كان أبرز تلك الأصوات "جوزيف كينت" مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب بالولايات المتحدة، والذي تقدم باستقالته اعتراضا على الحرب الإيرانية، حيث أشار بشكل واضح إلى أن قرار الحرب لم يكن قرارا أمريكيا، بل كان قرارا إسرائيليا بحتا، حيث أن إيران لم تكن قريبة بأي شكل من الأشكال من الوصول للقنبلة النووية، ولم تكن تشكل تهديدا وشيكا للولايات المتحدة كما ادعى الرئيس الأمريكي لتبرير تلك الحرب.
كما ذكر بأن حرب العراق كان الدافع الأساسي لها في الأوساط السياسية الأمريكية هو الحكومة الإسرائيلية بقيادة "شارون" آنذاك، تماما كما كانت الحكومة الإسرائيلية بقيادة "نتنياهو" هي المحرك الرئيسي لإقناع صناع القرار الأمريكيين لإسقاط الدولة السورية من خلال الدعم الأمريكي للمعارضة السورية والضغوط الأمريكية الاقتصادية والسياسية على النظام السوري.
ومع غياب الحسم العسكري الأمريكي أو ظهور بوادر واضحة لانتصار أمريكي، خاصة مع ارتفاع أسعار المحروقات بالولايات المتحدة الأمريكية والعالم، والأضرار الاقتصادية للنظام العالمي ولدول الخليج العربي نتيجة لتلك الحرب، وتوقف الحياة الاقتصادية بالدولة العبرية التي أصبحت تدار من داخل الملاجئ المحصنة خوفا من الصواريخ الإيرانية، ونأي الدول الأوروبية وحلف الناتو بأنفسهم عن تلك الحرب ورفضهم بشكل واضح للاشتراك فيها، يبدو واضحا أن ما حدث أثناء حرب السويس عام 1956 أصبح قريبا للتكرار من إقناع إسرائيل للقوى العظمى آنذاك "الإمبراطورية البريطانية" و"فرنسا" بمشروعها المتهور للعدوان على مصر، وما تلاه من صمود مصري لم يكن في الحسبان أدى في النهاية لإنهاء فعلي للإمبراطورية البريطانية وتغيير شامل للنظام السياسي الفرنسي، حيث أن مجرد استمرار النظام الإيراني في الحكم مهما كانت خسائره يعني بشكل واضح سقوط الهيبة العسكرية الأمريكية وإنهاء سياسة الردع العدوانية الإسرائيلية بشكل نهائي.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع