إعلان

بحور الثقافة والمعرفة.. حسن راتب يروي سيرة الانتماء والتنوير

مديحة عاشور

كتب - مديحة عاشور

07:00 م الثلاثاء 12 مايو 2026

في زمنٍ تتسع فيه المسافات بين عالم المال وعالم الفكر، يطل كتاب «في بحور الثقافة والمعرفة» للدكتور حسن راتب بوصفه شهادة فكرية وإنسانية على تجربة استثنائية لرجلٍ لم ينظر يومًا إلى النجاح باعتباره معادلة اقتصادية خالصة، بل رآه مشروعًا وطنيًا تتكامل فيه الثقافة مع التنمية، ويتجاور فيه بناء الإنسان مع بناء المؤسسات.

فالكتاب، الذي يضاف إلى رصيد فكري يتجاوز خمسة وعشرين مؤلفًا، لا يمكن قراءته باعتباره إصدارًا جديدًا فحسب، وإنما باعتباره خلاصة مسيرة ممتدة لرجلٍ جمع بين صرامة الإدارة ورهافة المثقف، وبين قدرة رجل الأعمال ووعي المفكر المؤمن بأن الأمم لا تُصنع بالأموال وحدها، وإنما تُبنى بالعقل والوعي والمعرفة.

ومنذ الصفحات الأولى، يدرك القارئ أنه لا يبحر في كتاب تقليدي، بل أمام رحلة تأمل عميقة في معنى الثقافة بوصفها قوة تشكيل للوجدان الجمعي، وأداة لصناعة المستقبل، وسلاحًا ناعمًا في مواجهة التراجع والانغلاق. فحسن راتب لا يتعامل مع المعرفة باعتبارها ترفًا ذهنيًا أو رفاهية ثقافية، وإنما بوصفها ضرورة حضارية لا غنى عنها لبناء مجتمع قادر على حماية هويته ومواجهة تحديات عصره.

ولعل خصوصية هذا الكتاب تنبع، في جانب كبير منها، من خصوصية صاحبه نفسه. فالدكتور حسن راتب لم يكن يومًا مجرد رجل أعمال بالمعنى التقليدي للكلمة، بل ظل حاضرًا على امتداد سنوات طويلة في قلب المشهد الثقافي والإعلامي والفكري، منحازًا لقيم الحوار والتنوير، ومدافعًا عن أهمية الوعي في معركة بناء الدولة الحديثة. وقد بدا هذا الإيمان واضحًا في دعمه المستمر للمثقفين والمبدعين، وفي صالونه الثقافي الذي تحول عبر السنوات إلى مساحة رحبة للنقاش الفكري وتبادل الرؤى، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الثقافة ليست هامشًا للحياة، بل أحد أعمدتها الكبرى.

ويكشف «في بحور الثقافة والمعرفة» كذلك عن البعد الوطني العميق في شخصية حسن راتب، لا سيما علاقته الاستثنائية بسيناء، تلك الأرض التي ارتبط بها وجدانيًا وفكريًا وإنسانيًا، فلم يتعامل معها باعتبارها مجرد مجال للاستثمار، بل باعتبارها قضية وطن وأمن قومي وانتماء راسخ. ومن هنا جاءت مشروعاته في سيناء انعكاسًا لإيمان حقيقي بأن تعمير الأرض جزء من حماية الهوية، وأن التنمية تبقى السلاح الأكثر قدرة على تثبيت الإنسان في أرضه وصون الوطن من الأخطار.

ومن قلب هذه الرؤية الوطنية وُلد مشروع جامعة سيناء، الذي تجاوز فكرة المؤسسة التعليمية التقليدية إلى مشروع تنويري يستهدف إعداد أجيال تمتلك العلم والانتماء معًا. فالرجل الذي آمن طويلًا بأن بناء العقول هو الاستثمار الأبقى، حرص على أن تكون الجامعة مساحة لإنتاج المعرفة وصناعة الإنسان، لا مجرد صرح أكاديمي يمنح الشهادات.

إن أهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط فيما يطرحه من أفكار ورؤى، وإنما فيما يمثله من نموذج نادر لرجل استطاع أن يحقق معادلة شديدة الصعوبة، فجمع بين النجاح الاقتصادي والاشتباك الفكري، وبين عالم الاستثمار ورسالة الثقافة. ومن ثم يبدو «في بحور الثقافة والمعرفة» أقرب إلى سيرة وطنية وفكرية لرجل اختار أن يخوض معركته في الحياة بعقل المثقف، وروح الوطني، وطموح الحالم الذي أدرك مبكرًا أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بحجم ما يملك، وإنما بقدر ما يتركه من أثر في وطنه ووعي مجتمعه.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان