إعلان

الشفاء بالإيمان والمعنى

د. أحمد عمر

الشفاء بالإيمان والمعنى

د. أحمد عبدالعال عمر
07:00 م الأحد 19 يونيو 2022

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع


مشكلة وجود الشر في العالم، مشكلة دينية وفلسفية عميقة الجذور في تاريخ الإنسانية، البحث فيها محفوف بالمخاطر؛ حيث كانت سببًا في تصدع وضعف إيمان الكثيرين، وفي إلحاد آخرين.

وجوهر هذه المشكلة هو التساؤل عن علة وحكمة وجود الشر في العالم، وكل مظاهر الأمراض والقبح؟ ولماذا يُعاني الأخيار الصالحون، وينعم بمتع الحياة وخيراتها العصاة الفاسدون؟ ولماذا يهُزم الحق أمام الباطل؟ ولماذا يتألم المرضى عامة والأطفال منهم خاصة لغير ذنب جنوه أو سبب معقول، ولماذا أراد الله الخالق من البداية كل ذلك؟

وعبر تاريخ الأديان المختلفة والفكر الإنساني، قُدمت إجابات متعدة عن هذه التساؤلات، يضيق هنا المجال عن ذكرها، وإن كان جوهرها جميعًا يكمن في القول بأن هناك حكمة خافية لله خلف وجود كل تلك الشرور. وهذه الحكمة قد يعجز عقل الإنسان عن إدراك خفاياها.

كما قال آخرون إن الشر غير حقيقي، بل هو خير يُراد بالبشر، وابتلاء يثابون أحسن الثواب عليه، ومن هذا القبيل قول فرقة "المعتزلة" في التراث الإسلامي بنفي صدور الشر والقبح عن الله.

كما عالج الأديب البرازيلي "باولو كويلو" هذه المشكلة على نحو رائع في رواية "الجبل الخامس" التي تدور حول معاناة نبي الله " إيليا"، وما طرحه على الله والعالم من أسئلة وجودية جريئة تتعلق بفقدان المعنى والإحساس بالعبث، وتبحث في علة معاناة الأخيار في هذه الحياة.

لتنتهي الرواية إلى التأكيد على أهمية الإيمان بحكمة الله وعدالته المطلقين، وأن كل شرور الحياة الدنيوية تؤدي في النهاية إلى خير الإنسان؛ فالشر والمحنة ليسا عقابًا إلهيًا، بل تحد مطروح أمام الإنسان، لكي يعرف ويكتشف حقيقة نفسه، وغاية وجوده، ولكي يجعل لحياته معنى، ولوجوده قيمة.

وفصل المقال إن الإيمان بوجود الله، وبالأصل الإلهي للوجود الإنساني، يمثل جوهر إنسانية الإنسان وأثمن ممتلكاته الروحية، وهو إرث الشرق العظيم الذي قال حكماؤه وأنبياؤه على مر العصور بأن الإنسان ظاهرة متجاوزة لعالم المادة، وأنه لا يكون إنساناً بتمامه، إلا بتجاوز ذاته وعالمه ووجوده المادي، والانفتاح على الإله والكون والبشر، ومعرفة مآلات الحياة بعد الموت.

وهذا الإيمان هو طوق نجاة الإنسان وملجؤه الأخير في عمق المحنة والألم، وفي مواجهة مصاعب وابتلاءات الحياة وكل شرور العالم.

وهو الذي يمنحه قوة وصلابة القلب، والقدرة على تحمل القضاء والمكتوب عندما تعجز الإرادة الإنسانية عن إصلاح وتغيير الأمر الواقع.

وهو في النهاية الذي يفتح أمامه - في الوقت ذاته - أبواب الأمل والحلم بالتغيير، لأن دوام الحال من المحال.

وبدون تلك القوة الروحية التي يمنحها الإيمان، تتماس عند الإنسان البدايات بالنهايات، ويفقد الأمل والدافع على مواصلة رحلة الحياة، ليغرق بعد ذلك في طوفان العدمية والعبثية وفقدان المعنى والجدوى، ويقع فريسة للأمراض النفسية وللأمراض الجسدية الناتجة عنها.

إعلان

إعلان

إعلان