علاء الغطريفي يكتب: "كورونا".. نريد فقط رائحة الحياة!

علاء الغطريفي

علاء الغطريفي يكتب: "كورونا".. نريد فقط رائحة الحياة!

علاء الغطريفي
08:19 م الإثنين 30 مارس 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

دارت العجلة كأننا في حلم، إلى لحظة البداية، آدم يقضم تفاحته، فتنزاح أبديته في الجنة، يدرك خطيئته، ويبحث عمَّا يداري سوءته، اجتاحه الهلع والفزع، يبتغي الملاذ عند ربه، وجاء القرار السماوي، بالنزول إلى الأرض.

بدا تائهًا ضائعًا، يكتشف هذا العالم بعيدًا عن نعيم السماء، عليه التفكير مجددًا في رحلة عنوانها: "البقاء، الاستمرار، الاستقرار".

كيف سيقتات؟ كيف يعيش؟ أسئلة عن الوجود وبيئة الحياة، وهذا الفراغ الموحش الذي يحيط به.

إنها لحظة "آدم" بامتياز، الأسئلة نفسها، التحديات نفسها، الظروف نفسها مع فارق العصور، لقد عادت اللحظة الأولى ومعها فزع بدائي، يذكرنا بسيرتنا الأولى. "آدم وحواء"، يبحثان عن ملجأ ويسترحمان رب العزة، ويدعوانه برفع البلاء، ولا يدركان ما يخبئ لهما الغد، وماذا سيفعل بهما القدر؟

لو طلبنا العون من "أبينا آدم" سيلتفت إلينا قائلا: لقد عدتم إلينا كما خلقناكم أول مرة، بلا حول ولا قوة، ضعفاء، لا تملكون من أمركم شيئًا.

تفرون إلى الله، شوارعكم غريبة، وأحوالكم أغرب، الدهشة لا تفارقكم، هزة نفسية ضربتكم، زلزال غلب نفوسكم، بركان فاضت حممه على ذواتكم المتغطرسة.

تساوى الملوك والبسطاء، حكامًا ومحكومين، فقراءً وأغنياءَ، الجميع على أعناقهم سيف السماء، لا فارق ولا عاصم، يستنجدون بالقدر، ويتعلقون بالعلماء، والهدف، المهرب من "كورونا".

هذه الحياة الطبيعية، التي لم نرضَ عنها قط، ونشكوها ونشكو منها طوال الوقت، ونستعديها ونلعنها ونسبها، ونلقي عليها كل خطايانا وأخطائنا، ونرتدي ثوب البراءة، نلعب أدوار الضحايا؛ لتستمر الرحلة الخادعة!

صرنا مجرد أفواه، تسليتها الوحيدة، الطعام، بطون كبيرة، لا تتحرك، تعيش في سجون كبيرة، نسميها البيوت، نراوغ تلك اللحظات القاسية، تهزمنا ونهزمها، وكل يوم هو في حال!

صعدنا مثل "جان باتيست غرنوي" بطل رواية العطر، ذلك الشخص الغرائبي، إلى قمة جبل، أرغمنا أن نذهب إليه، نقطة بعيدة عن هذا الكون، رغم أننا ما زلنا في هذا الكون، عزلتنا صنعت ذلك، ابتعدنا وتباعدنا، في لحظة بدائية، يخشى كل منا الآخر، ويعتبره مصدر خطر محتمل.

نتحرك بالمخاطرة، فكل أشيائنا تحملها، بيعًا، شراءً، مصافحةً وغيرها، جميعها، قد تكون سببًا في الموت، رغم كونها سببَ حياةٍ، في الوقت ذاته.

العلة من الوجود تطاردنا، نرى الأمور من منظور الفلاسفة، رغم أننا لسنا كذلك، ومعظمنا لا يسأل نفسه هذه الأسئلة الكبيرة، عن وجوده وبقائه وعلاقته بالآخرين أو جدوى الحياة نفسها.

نحمل في أنفسنا جبالَ همومٍ، وننقب في النفس، عن الصبر، الذي ينفد في لحظات، ونستعيده في أخرى.

نجلب من الهواء "أكسجين"، بات سلعة ثمينة، بعد أن جرى تأميمه لصالح "كورونا"!!

تضاءلت الأحلام، وتناهت الأمنيات، وصارت ضئيلة ملخصها، أن نعود إلى حياتنا الطبيعية بكل ما تحملها من تفاهات وتعقيدات. حياة بكل ما فيها من سذاجة وحكمة، وصراع وسلام، بأحزانها وأفراحها، كما قسمت علينا، بوجهيها، كما تعودنا عليه، ألسنا أبناء آدم، فقد غلبتنا الحيرة وقهرتنا اللحظة، وسلمنا أمرنا لرب العزة ودعونا للنجاة وآمنَّا بالعلم، وتيقنَّا كم نحن ضعفاء!

نريد فقط رائحة الحياة.. عطرها بكل شوائبه وعادمه وصخبه!!

إعلان

إعلان