غزة ومنتدى شباب العالم في شرم الشيخ

محمد جمعة

غزة ومنتدى شباب العالم في شرم الشيخ

محمد جمعة
09:04 م الخميس 05 سبتمبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

مصادفة غريبة مررت بها مساء الثلاثاء الماضي 27 أغسطس!

ففي الوقت الذي كنت أتابع فيه أنباء العمليتين الانتحاريتين اللتين نفذتهما العناصر المنتمية إلى داعش داخل قطاع غزة، ضد حاجزين للشرطة التابعة لحركة حماس في جنوب وجنوب غرب مدينة غزة، ما أسفر عن عدد من القتلى والجرحى... وصلتني أيضا بعض أخبار منتدى شباب العالم الذي تنظمه مصر سنويا، والذي تجري الآن عمليات الإعداد له على قدم وساق، حيث ستستمر فعالياته في مدينة شرم الشيخ خلال الفترة من 14: 17 ديسمبر القادم.

وقد دفعتني تلك المصادفة إلى التساؤل: ترى، ونحن نوجه الدعوة إلى الشباب من مختلف القارات والجنسيات، كم دعوة سنوجهها إلى شباب غزة؟ وما عدد الشباب من هناك الذين ستتاح لهم فرصة التواصل مع شباب العالم كي يروا شيئا مختلفا، بعدما أطبق الحصار الإسرائيلي الخانق على رقبتهم منذ سيطرة حماس على القطاع قبل أكثر من 12 عامًا؟ كم شابًا من هناك ستتاح له فرصة التعرف على صورة أخرى لمصر والعالم، غير تلك الصورة التي رسمتها لهم حركة حماس في ظل سيطرتها على كل شيء في غزة، وخاصة العملية التعليمية؟!

إن منتدى الشباب في شرم الشيخ أصبح تجمعا مهما يجتمع فيه شباب العالم لمناقشة وتبادل الأفكار حول التنمية والإبداع والتعايش بين شعوب الأرض جميعا... وبقدر ما يحسب للقائمين عليه (فكرة وتنفيذا) هذا النجاح في إبراز الرصيد الحضاري لمصر ودورها عبر التاريخ في الانتصار دائما لثقافة التسامح والبناء والتعايش بين بني الإنسان دون تفرقة أو عنصرية على أساس الدين أو العرق أو اللون... إلا أن هذا النجاح سيظل منقوصا ما لم يؤثر في مناطق الجوار المصري بشكل عام، وقطاع غزة بشكل خاص، وذلك بالنظر إلى أن غزة مشتبكة معنا بكثافة في أكثر القضايا والتحديات التي تواجهنا منذ سنوات، وهي قضية الإرهاب في سيناء، مع ما يفرضه ذلك من ضرورة أن يؤثر رصيد مصر من القوة الناعمة في شباب القطاع وأجياله المختلفة.

إن غزة بكثافتها السكانية التي تتجاوز ثلاثة أضعاف الكتلة السكنية في سيناء كلها، تؤثر بقوة على الأوضاع في شبه الجزيرة.. ولهذا لا استقرار في سيناء ما لم نضمن الحد الأدنى من الاستقرار في غزة.

قبل سنوات من حملة الجيش المصري على الإرهاب في شبه الجزيرة، كانت سيناء (التي تعدل مساحتها ثلاثة أضعاف الدلتا المصرية المكتظة بالملايين من المصريين) قد أصبحت بالنسبة لغزة متغيرا تابعا، في حين كانت غزة قد أصبحت بالنسبة لسيناء متغيرا أصيلا، هذا على الرغم من أن مساحتها أقل من 1 160 :من مساحة سيناء. والشاهد هنا أنه وعندما تم تفكيك الاقتصاد التقليدي في غزة وتضخمت على مدى سنوات (2008 : 2013) ما يسمي بـ"اقتصاديات الأنفاق" تزايد الاعتماد الاقتصادي لسكان سيناء على التجارة مع غزة، واستخدمت حماس قوة غزة الشرائية لتعزيز نفوذها علي سكان سيناء. وفي السياق نفسه، توسع نفوذ الفكر السلفي الجهادي من الشطر الشرقي لمدينة رفح إلى الغرب متمددا في شمال سيناء... فبين رفح الفلسطينية التي أصبحت فيها السلفية الجهادية والتكفيرية منافسة لحركة حماس، ورفح المصرية، حُفرت الأنفاق التي صّدرت السلع والسلاح، واستقبلت الشيكل والدولار، وكذلك الأفكار... فكان الأمر كدحرجة كرة النار إلى سيناء!!

ولهذا ليس بلا مغزى أن تتركز الأزمة الأمنية في سيناء على خط " العريش – رفح" في أقصى الشمال الشرقي لشبه الجزيرة بامتداد جنوبي لا يصل إلى عمق ووسط سيناء.

الآن وبعد أن دفعنا ضريبة الدم، نجحت مصر بشكل كبير في محاصرة الإرهاب في سيناء والنزول بسقف التحديات الأمنية هناك إلى الحد الأدنى الذي يمكن التعايش معه، والذي لا يحول بين مصر وبين تحقيق أهدافها الاستراتيجية على تلك البقعة الغالية من وطننا.

لكن وبالمقابل من هذا النجاح، تؤكد تطورات الأحداث ومعطيات الواقع الميداني في قطاع غزة، أن التوازن المعقد بين حماس وتنظيمات السلفية الجهادية في غزة، يزداد هشاشةً ويصبح أقل استقراراً يوماً بعد يوم. ولهذا تظل مصادر الخطر على سيناء كامنة، وإمكانيات تأثيرها عليها تظل كبيرة جدا.

إن الشباب تحت سن الثلاثين عاما يمثلون نحو 70% من سكان غزة، وهذا الجيل معظمه نشأ وترعرع في ظل الحصار، وسيطرة حماس على القطاع، ومن ثم هناك قطاع كبير بين هذا الجيل لا يعرف سوى الرواية الحمساوية لكل شيء.. وهنا مكمن الخطر!!

مصر لا يجب أن تترك المجال العام في غزة تحت سيطرة حماس لتشكله كما تشاء. ولا يجب أن يظل القطاع بيئة مواتية لانتعاش المزيد من تنظيمات السلفية الجهادية. بيد أن ذلك لا يمكن أن يتحقق من غير مقاربة مصرية مختلفة، بحيث تتواصل فيها القاهرة مع الكثير من المكونات السياسية والاجتماعية في قطاع غزة. وأن تسهم قوة مصر الناعمة في أن يرى شباب غزة رواية أخرى لمصر والعالم، غير رواية حماس.

وهنا يتعين توضيح الأمر... انفتاح مصر على سكان غزة (في ظل ترتيبات معينة) لا يعني بالضرورة الانفتاح على حماس أو الاعتراف بسلطتها في غزة... بالتأكيد طبيعة مصالحنا هناك تتطلب الوعي جيدًا بالاختلاف بين الأمرين.

لا أنكر أن هناك العديد من الفعاليات بيننا وبين غزة تعكس هذه المقاربة المصرية التي أتحدث عنها، لكنها ربما تحتاج إلى قوة دفعٍ أو زخمٍ أكبر يضمن لها الاستمرار والفاعلية.. ولهذا أتساءل كم شابًا من قطاع غزة سوف يشارك في منتدى شباب العالم هذا العام؟

إعلان

إعلان

إعلان