• إحياء علم الاقتصاد السياسي

    د. غادة موسى

    إحياء علم الاقتصاد السياسي

    د. غادة موسى
    09:00 م السبت 03 أغسطس 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    لا ينفصل الحديث حول إصلاح الفكر والارتقاء بجودة منظومة التعليم العالي عن البحث في العلوم التي تقودنا نحو تحقيق ذلك.
    ويعد علم الاقتصاد السياسي أحد أهم تلك العلوم؛ اذ يرتبط فهمه والوعي بمفاصله وموضوعاته بالإلمام بعدد من العلوم، منها الفلسفة والقانون والتاريخ والجغرافيا، والكيمياء أيضًا.

    وإذا كان هذا العلم من خلال آبائه الكلاسيك (آدم سميث وديفيد ريكاردو، وكارل ماركس)، وتحديداً الأخير قد حاول الفكاك من صبغه بصبغة أيديولوجية على موضوعاته، فإن ذلك قد تم بصعوبة شديدة للغاية؛ إذ كان هذا العلم موضوعًا للصراع بين أصحاب المعتقدات السياسية المختلفة، وأيضًا بين أصحاب المعتقد السياسي الواحد، وبين أنصار ما يعرف باسم المدارس الاقتصادية.

    ولنبدأ بالموضوع الذي يعالجه هذا العلم. إن الذي يتردد بين معظم الأكاديميين والمثقفين والسياسيين أن علم الاقتصاد السياسي هو تلك الحلقة التي تربط علم الاقتصاد بعلم السياسة! وانتشر هذا التعريف لسنوات طويلة وتداولته الكتابات المتخصصة والأكاديمية فحرّفت العلم وحوّلته عن غاياته ومقصده، إما عن قصد حتى تستأثر بتدريس ونشر أفكار بعض المدارس الفكرية أو بدون وعي بما تفعله!
    ---

    وفي الواقع، فإن إلقاء نظرة على أحدث الكتب التي ظهرت وأثْرت المكتبة المصرية والعربية في هذا العلم، وهو كتاب "نقد الاقتصاد السياسي" للدكتور محمد عادل زكي، أحد الرواد الباحثين المصريين والعرب المنشغلين بهذا العلم وبموضوعاته وبتطوره- يشير إلى أن علم الاقتصاد السياسي هو علم اجتماعي. وهو "العلم المنشغل بالكشف عن القانون الموضوعي الحاكم للمقولة الآتية: إن الربح لا يتحقق ببيع السلعة بأعلى من قيمتها، وإنما ببيعها بقيمتها".

    وعند الحديث عن الربح فلا بد من العودة للوراء للبحث عن كيف تشكل الربح؟
    أي كيف تكونت القيمة؟ وبعبارة أدق، "كيف يمكن إثبات القيمة في الشيء؟
    يكون ذلك- وفقا لعلم الاقتصاد السياسي- بمجرد أن داخل هذا الشيء هذا القدر أو ذاك من العمل الإنساني.
    ويجيب الكتاب الذي صدر في طبعته السادسة عن هذه التساؤلات وأكثر من خلال خط منهجي اتبعه الكاتب لينتقل بالقارئ للظروف التاريخية والواقعية التي أنتجت هذا العلم، وهي مكونات الحضارة الأوروبية التي أنتجت علم الاقتصاد السياسي، وهي مكونات مترابطة ومتلاحمة: المجد الروماني، المسيحية الرومانية (النصرانية بعد رومنتها)، ثم العلم اليوناني الوريث التاريخي لعلوم الحضارات الشرقية القديمة.

    ثم ينتقل الكاتب إلى مستوى أدق في التناول؛ حيث ينشغل بنشأة العلم الاجتماعي، ويطرح تساؤلا مهما حول أسباب نشأة العلم الاجتماعي؟ فما الذي يجعل العلوم تنشأ في مجتمعات وأماكن دون غيرها؟
    وفي هذا الشأن يناقش الكاتب شروط نشأة العلم الاجتماعي المتمثلة في هيمنة ظاهرة ما (وهنا يعرف الكاتب ما المقصود بالظاهرة على أعلى مستوى من التجريد)، ثم انشغال الذهن الجمعي بالبحث في القانون الموضوعي الحاكم للظاهرة تلك.
    وعلى مستوى أعمق، يتناول الباحث نشأة وتطور ظاهرتي الإنتاج والتبادل تاريخيا، ثم يستعرض قوانين حركة رأس المال التي ما زالت قائمة وبمعزل عن العلاقات الحقوقية وتأثيرات التنظيمات الاجتماعية.

    وفي البابين الثاني والثالث، يقوم الكاتب بالنقد الداخلي والخارجي للعلم ذاته. وفي النقد الداخلي تبرز إشكاليات الطرح الهيكلي للقيمة الزائدة التي تتشكل في حقل الإنتاج، وأيضا الطرح الأدائي لمعدل القيمة الزائدة، وهنا يميز الباحث بين مفهومي الطرح الأدائي والطرح الهيكلي منطلقا بأن طرحنا للمشكلات الاقتصادية التي يعاني منها العالم بصفة عامة والعالم العربي بصفة خاصة يكمن في وجود طرح أدائي دون طرح هيكلي.
    وفيما يتعلق أيضا بالنقد الداخلي يركز الباحث على خطورة تسرب القيمة الزائدة على الاقتصادات القومية.
    أما في إطار النقد الخارجي، فينتقد الكاتب المركزية الأوروبية ودورها في تشكيل الاقتصاد السياسي، ثم نظرية نمط الإنتاج ونمط الإنتاج الآسيوي.
    ---

    بعد قراءة هذا الكتاب، رأيته يحمل منطلقات فكرية علمية راسخة لفهم واعٍ لأزماتنا الاقتصادية بشكل هيكلي ودقيق.
    كما أنه مهم لطلاب العلوم الإنسانية والطبيعية، على حد سواء لفهم أزمة العلم في مجتمعاتنا.

    فكل طالب وكل قارئ مهتم أو متخصص أو معنيّ سيجد في هذا الكتاب ما يهمه وما يشكل وعيه وما يمكن ألا يتفق معه، ولكن على أساس علمي.

    كما يعتبر هذا الكتاب مهمًا لمؤسساتنا التعليمية التي تلقن العلم من جهة، ومراكز الأبحاث التي تبحث في حلول لأزماتنا الاقتصادية الهيكلية بإعادة إحياء علم الاقتصاد السياسي وتدريسه.
    فهذا الكتاب بما يحويه من مصادر علمية ومعرفية غزيرة غطت العالم القديم والوسيط والحديث في الشرق والغرب- يُعد منطلقًا جيدًا ورصينا لإحياء علم الاقتصاد السياسي المغبون عن قصد أو دون قصد.

    إعلان

    إعلان

    إعلان