هذا فرضُ عين عليك.. لا فرضُ كفاية!

سليمان جودة

هذا فرضُ عين عليك.. لا فرضُ كفاية!

سليمان جودة
09:00 م الأحد 09 يونيو 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

في حوارها مع صحيفة هندية مؤخرًا، تحدثت الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة السياحة، عما أطلقت عليه: السياحة الخضراء!

وكانت هذه هي المرة الأولى التي تتحدث فيها الوزيرة عن شيء بهذا الاسم، وكان معنى السياحة الخضراء في كلامها أن التقييمات العالمية للفنادق هذه الأيام قد أصبحت تضع في اعتبارها عند تقييم مستوى أداء أي فندق مدى صداقته أو عدم صداقته للبيئة!

وهو توجه عالمي جديد فيما يبدو، كما أنه اتجاه محمود يجب أن يحظى بتشجيع الجميع، حتى نصل إلى يوم تكون فيه كل فنادقنا نحن هنا، على الأقل، فنادق من النوع الصديق للبيئة، بل من النوع الحريص على أن يظل صديقاً لها، مهما تكن الإغراءات التي يمكن أن تجعلها تنحرف عن طريق هذه الصداقة!

وفي نفس التوقيت الذي جرى فيه الحوار بين الوزيرة المشاط، وبين الصحيفة الهندية، نشرت صحيفة الأهرام رأيًا علميًا على لسان الدكتور أحمد كامل حجازي، أستاذ البيئة بجامعة القاهرة، يقول فيه إن كل سيارة تجري في شوارعنا تبقى في حاجة منا إلى غرس ثماني شجرات للتخلص من العوادم المنبعثة عنها، وإن كل شجرة تنتج ١٤٠ لترًا من الأكسجين يومياً، وإن الأفضل للقاهرة أن نملأها بالأشجار متساقطة الأوراق، لا الدائمة الخضرة، مثل شجرة الفيكس المنتشرة في شوارعها؛ أما السب فهو أن أوراقها تلتصق بها الجراثيم الميكروبية، وتنقل الكثير من الأمراض عند اللمس المباشر، وعند هبوب الرياح!

وعندما نحصي عدد السيارات التي تنهب شوارع القاهرة على مدار اليوم، ثم نقسمها على عدد الأشجار في شوارع العاصمة، سوف يتبين لنا إلى أي حد يبلغ حجم التلوث في قاهرة المعز، ثم إلى أي حد يتنفس القاهريون سمًا على امتداد ساعات الليل والنهار.. فما أكثر السيارات فيها، وما أقل الأشجار!

إنني أتحدث بالطبع عن القضية محليًا، أما عالميًا، فهي قضية أكبر، وأخطر، وأعقد، ولست أدعو القارئ الكريم إلى شيء في هذا السياق إلا إلى العودة لقراءة تقرير نشرت صحيفة الشرق الأوسط اللندنية بعض تفاصيله، في عددها الصادر صباح السبت الثامن من يوليو.

ففي التقرير الصادر عن مؤسسة فكرية أسترالية مستقلة، اسمها "بريكثرو ناشيونال سنتر فور كلايمت ريستوريشن" أن عدم خفض انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون على وجه الأرض، يمكن أن يؤدي يومًا بعد يوم إلى نهاية العالم، الذي لن يكون في مقدوره تحمل عواقب الزيادات المتلاحقة في معدلات انبعاث هذا الغاز!

ومن سوء حظ هذا العالم أن يكون حاكمُ الولايات المتحدة الأمريكية في مثل هذه الأجواء، رجلًا اسمه دونالد ترامب، فالرجل ما كاد يدخل مكتبه البيضاوي في البيت الأبيض في العشرين من يناير ٢٠١٧، حتى سارع إلى الانسحاب من اتفاقية المناخ، التي كان سلفه باراك أوباما قد وقّعها قبل رحيله عن السلطة بأسابيع!

فالرئيس ترامب لا يعبأ كثيرًا ولا قليلًا بقضية المناخ، ولا بالتغيرات المناخية في العالم، رغم أن بلاده هي الأعلى دوليًا في إنتاج ثاني أكسيد الكربون الذي يتضاعف إفرازه في الهواء كلما كان حجم الصناعات في المكان أوسع وأكبر وأضخم!

وهذا ما ينطبق على الولايات المتحدة وصناعاتها، قبل أن ينطبق على غيرها من بلاد الدنيا، ورغم ذلك، فإن ترامب لا يبالي!

وعلى المستوى المحلي لا نزال في أشد الحاجة إلى زرع ثقافة الخضرة في وجدان الناس، ولن يكون ذلك إلا من خلال التعليم في المدارس، وإلا من خلال دور العبادة، وإلا من خلال كل وسيلة إعلامية، لعل كل مواطن يتحرك في حياته وهو على يقين بأن وجود الشجرة في الشارع، وفي الميدان، وأمام البيت، وفي كل مكان- ليس نوعاً من الترف، بل ضرورة من ضرورات الحياه نفسها!

إن زراعة شجرة في أي ركن من أركان حياتنا هي فرصة مضافة من فرص توفير الحياة الجيدة للمواطن، كما أن الحفاظ على كل شجرة موجودة بالفعل هو فرض عين على كل واحد فينا، لا فرض كفاية.. فرض عين بمعنى أنه لا يسقط عمن لم ينهض به، إلا إذا نهض به فعلًا، وبنفسه، ولم يتركه للآخرين.

إعلان

إعلان