ردود الأفعال على وفاة محمد مرسي

محمد جمعة

ردود الأفعال على وفاة محمد مرسي

محمد جمعة
09:57 م الأربعاء 19 يونيو 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

كم تبدو مثيرة ودالة ردود أفعال التنظيمات الإرهابية، بمختلف مسمياتها، إزاء وفاة محمد مرسي! حركة حسم، المدرجة على القوائم الأمريكية والبريطانية للإرهاب، قدمت دليلا قاطعا على ارتباطها العضوي بجماعة الإخوان، من خلال بيانها الذي بثته أمس على صفحة "إعلام المقاومة" حيث ذكرت فيه: "أن مرسي كما كانت له بالأعناق بيعة فقد صار له اليوم ثأرٌ لا ينطفئ... وإن غدا لناظره قريب".

أما قطبا معسكر السلفية الجهادية (أي تنظيمات القاعدة وداعش) فقد اختلفت المواقف بينهما... داعش ذكر في بيانه: "نهنئ المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بهلاك الطاغوت مرسي، عليه لعنة الله وملائكته والناس أجمعين...".

لكن على النقيض من ذلك وصف أبوقتادة الفلسطيني مفتي تنظيم القاعدة، مرسي بأنه "صاحب القلب الطاهر". كذلك نعت حركة "طالبان أفغانستان" مرسي في بيانها واصفة إياه بأنه "منارة مشرقة".

هذه المواقف المتباينة إزاء وفاة مرسي أعادت طرح الأسئلة من جديد حول طبيعة وأبعاد العلاقة بين الإخوان وتلك التنظيمات، خاصة وأن معطيات ما سمي بالربيع العربي منذ عام 2011 وحتى الآن لا تزال تكشف عن جوانب وأبعادا جديدة لتلك العلاقة المركبة بين المعسكرين، وتقدم معطيات مثيرة عن تلك التجليات الحركية والفكرية بينهما. والشاهد هنا أن لحظات التغيير الكبرى التي شهدتها مصر منذ يناير2011 وحتى وقت قريب، أفضت إلى تقارب بين استراتيجيات العمل التي تتبناها التيارات السلفية الجهادية بشكل خاص، وقطاعات من جماعة الإخوان المسلمين، من أجل الوصول إلى أهدافهم. هذا التقارب – والتداخل أحيانا – فرض تحديا كبيرا لدراسة، ودارسي الإسلام السياسي، من خلال لفت الانتباه إلى ضرورة إعادة النظر في التصنيفات والمفاهيم التحليلية الشائع استخدامها في هذا الحقل، حيث ما زال هناك تيار في أدبيات الحركات الإسلامية يشدد على التمييز بين "الإخوان المسلمين" بوصفهم نمطا مغايرا ضمن التيار الإسلامي، والحركة السلفية من حيث الأيديولوجية واستراتيجية العمل.

في مصر ما قبل عام 2011، بدا التمايز بين الإخوان والحركة السلفية واضحا. وبالتالي أمكن من الناحية التحليلية تصنيف هذه الحركات والتمييز فيما بينها. لكن معطيات ما بعد يناير2011 أفضت إلى تلاشي الحدود التحليلية الفاصلة بين هذين التيارين الكبيرين، نتيجة تشظي مهم حدث في المواقف داخل معسكريهما. ومن ثم، تشكلت هويات جديدة على حدود وتخوم وهوامش هذه الحركات، بشكل سهل كثيرا من التعاون والتنسيق بين قطاعات داخل الإخوان المسلمين، وقطاعات أخرى داخل مختلف التيارات السلفية.

أولى محطات التعاون بين الإخوان وتنظيمات السلفية الجهادية تتجسد في تنظيم "أجناد مصر" الذي كان يُعد طوال الفترة من يناير 2014 حتى أبريل 2015 أنشط جماعة إرهابية عاملة في مصر، خارج شبه جزيرة سيناء.

هنا تتبدى أهمية الإشارة إلى أن التقارب الفكري بين حزب الفضيلة السلفي، وجماعة الإخوان كان مقدمة للتقارب على الصعيد العملي على الأرض بين الجانبين. وقد أفرز هذا التقارب في النهاية (بالتزامن مع زيادة انخراط بعض ممن سبق لهم القتال في الخارج، وتحديدا هنا المدعو همام محمد عطية) تنظيم " أجناد مصر" الإرهابي الذي ضم في بنيته التنظيمية السلفي إلى جانب الإخواني. ومن ثم عمل هذا التنظيم – في الحاصل الأخير – كمفصل أو رابطة أيديولوجية بين الإخوان والسلفية الجهادية.

بعد ذلك شهدنا ذلك التحول الواضح الذي طرأ على أداء "اللجان النوعية" للإخوان المسلمين منذ شهر مايو2015، سواء لجهة استهداف المدنيين، أو لجهة محاولة استلهام أسلوب ودعاية داعش في سيناء. على سبيل المثال؛ نشرت "حركة العقاب الثوري" في 25 يونيو 2015، فيديو بعنوان "غضبة العقاب"، تضمن استجواب أحد المدنيين ويدعي وليد أحمد علي، وقد حاكي الفيديو أسلوب شرائط "ولاية سيناء"، التي تبدأ بآيات قرآنية وبنشيد، وصور تدريبات عسكرية، وتحذير المدنيين من مساعدة قوات الأمن، وينتهي بتنفيذ إعدام شخص أو أكثر. وفوق ذلك فإن عددًا كبيرًا من عناصر مجموعتي "العقاب الثوري" و"حركة المقاومة الشعبية" الإخوانيتين انتقل (نتيجة تأثرهم بنموذج داعش) من التنسيق مع خلايا داعش إلى الاندماج معها بالمطلق. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن عناصر الإخوان الذين سبق لهم القتال في سوريا، وعادوا من هناك، عملوا -على الأرجح- كجسور للتواصل بين الفريقين، إلى أن تحقق الاندماج بالفعل، أو بالأحرى ذابت العناصر الإخوانية داخل الهياكل التنظيمية والعملياتية لخلايا داعش.

وفي عام 2018، ومثلما حدث تعاون، ثم اندماج بين بعض عناصر اللجان النوعية للإخوان، وبين تنظيم داعش في مصر (على النحو الذي سبقت الإشارة إليه) ظهرت أيضا مؤشرات على تعاون بين أفراد من حركة حسم الإخوانية، وبعض عناصر القاعدة. البداية كانت في أواخر أكتوبر 2018 عندما بثت العناصر التابعة لجهاز الإعلام داخل حركة "حسم" فيديو جديد على صفحة " إعلام المقاومة" بعنوان "الكمين القاتل" يحكي عن عملية الواحات البحرية الإرهابية في أكتوبر2017، التي نفذتها عناصر تنظيم "أنصار الإسلام" المرتبط بالمدعو هشام عشماوي ومساعده عماد عبدالحميد، والتي راح ضحيتها 14 من عناصر الشرطة المصرية. ثم تطور الأمر من تعاون إلى ائتلاف بين عناصر من حركة حسم وبعض خلايا القاعدة، تجلى ذلك في تنظيم جديد يسمي بــ"فجر الكنانة" أعلن عن نفسه في بيانه الأول بتاريخ 23 فبراير 2019، متوعدا بالثأر لإعدام المتورطين في قضية النائب العام هشام بركات. والأرجح أن هذا التنظيم قد تعمد تأخير الإعلان عن نفسه عدة شهور، لأسباب أمنية. وإليه يعود استهداف حافلتين سياحيتين في 29 ديسمبر 2018، و19 مايو2019 بمنطقة المريوطية، وأمام المتحف المصري الكبير. وكذلك محاولة استهداف قوات أمنية بميدان الجيزة في 18 فبراير 2019. ومثلما أبدت بعض رموز "القاعدة" تعاطفها مع وفاة مرسي، ربما سيحاول هذا التنظيم القيام ببعض العمليات الإرهابية في سياق "الانتقام" لوفاته أيضا.

إعلان

إعلان