• تكنولوجيا القرن 21 وعقول القرون الوسطى

    د. جمال عبد الجواد

    تكنولوجيا القرن 21 وعقول القرون الوسطى

    د. جمال عبد الجواد
    09:00 م الجمعة 22 مارس 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    التكنولوجيا تجعل حياة الناس أسهل، لكنها تعرض حياتهم لمخاطر أكثر أيضا. العبارة التي غرقت في نهر دجلة يوم عيد الربيع / النوزرز قتلت أكثر من مائة نفس. قبل ساعات قليلة تسبب انفجار في مصنع للمبيدات في مقاطعة جيانجسو الصينية في قتل 44 عاملا. قبل يومين فقد عشرة عمال مصريين حياتهم في حادث مماثل في العينة السخنة، عندما انفجر خزان في مصنع للأسمدة. طبعا مازلنا نذكر الضحايا الخمسة وعشرين الذين فقدوا حياتهم في حادث القطار المشؤوم في محطة مصر.
    تمنحنا التكنولوجيا الحديثة القدرة على تحميل الآلاف من الناس في عربات قطار ينطلق بسرعة هائلة؛ أو على سطح مركب لم يكن يمكنه قبل المحركات الحديثة والسفن المصنوعة من الحديد أن يحمل سوى عدد صغير من البشر. إنها نفس التكنولوجيا التي تتيح تجميع كميات وأحجام هائلة من غازات مضغوطة وكيماويات شديدة الخطورة في خزانات. لماذا نذهب بعيدا وما علينا سوى التفكير في السيارات التي تنطلق في الشوارع بسرعة ليل نهار، والتي هي معجزة تكنولوجية حقيقية، فالانتقال بسرعة تزيد على المائة كيلومترا في الساعة كان ضربا من الخيال قبل أجيال قليلة.
    لقد سهلت هذه المعجزات التكنولوجية حياتنا، وأصبحنا شديدي الاعتماد عليها، ولا نتصور الحياة بدونها. لكن هذه المخترعات الرائعة هي أيضا أدوات قتل وقنابل موقوتة يمكنها أن تنفجر في أي لحظة؛ وإذا حدث هذا، لا قدر الله، فإن الضحايا يسقطون بالعشرات بسبب السرعات الفائقة، والأوزان الثقيلة، والحرارة العالية، والطاقة الهائلة المختزنة.
    طريقتنا في استخدام المخترعات الحديثة هي التي تصنع الفارق بين أن تكون التكنولوجيا نعمة تسهل حياتنا وتجعلها أكثر رفاهية، أو أن تتحول إلى حادثة تنتظر الحدوث، حاصدة معها أرواح الأبرياء. المشكلة هي أننا شديدو النشاط في استيراد التكنولوجيا الحديثة من البلاد التي تنتجها، لكننا شديدو البطء في تعلم فنون إدارة هذه التكنولوجيا والسيطرة عليها، فتتحول في أيدينا من نعمة إلى نقمة.
    أسلاك وكابلات الكهرباء المكشوفة في الشوارع؛ قيادة السيارات بسرعة جنونية في شوارع المدينة المزدحمة؛ الطرق العريضة التي تقطعها السيارات بسرعة دون وجود أماكن آمنة لعبور المشاة؛ وضع مسئولية قيادة جرار سكة حديد باهظ الثمن وفائق السرعة والقوة في يد سائق جاهل مدمن منعدم الإحساس بالمسئولية، وغير مدرب؛ استيراد تكنولوجيات فائقة التقدم والخطورة، وإدارتها بنفس الطريقة التي كنا ندير بها عربات الكارو والحناطير وبواجير الجاز؛ الاستهانة بالتدريب واعتباره تضييع وقت وفلوس؛ تجاهل قواعد الأمان في الصناعة والنقل والطاقة اعتمادا على أن ربنا بيستر. اجتماع تكنولوجيا القرن الواحد والعشرين مع عقليات القرون الوسطى هو خليط مدمر شديد الخطورة. وحتى نتخلى عن العقليات العتيقة هذه، فستواصل التكنولوجيات الحديثة حصد أرواحنا عقابا لنا على فشلنا في الارتقاء إلى مستوى ما تحتويه هذه المخترعات من فكر راق.

    إعلان

    إعلان

    إعلان