لقمة في بطن جائع خير من بناء جامع

لقمة في بطن جائع خير من بناء جامع

عادل نعمان
07:00 م الإثنين 24 سبتمبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

أستعير هذا العنوان مختصَرًا من مذيع بقناة فضائية عربية، كان يتجول وسط أكوام القمامة، باحثا عن الذين يفتشون فيها عن بقايا الأغنياء: لقمة عيش مهانة ومعيبة، بعد أن عزت واستعصت عليهم في ديارهم وأوطانهم، وحين عثر على طفل يبحث عن بقايا طعام لإخوته الصغار، بعد موت والديه، بكى الطفل من شدة الجوع، وبكى معه المذيع، وأبكياني من هول وفظاعة الموقف.

لا يهمني اسم القناة، ولا موطن الطفل المسكين؛ فكلهم في الغلب والجوع واحد، سواء كان في اليمن ويعاني من ضربات أهل الشيعة وأهل السنة معا، ولا يعرف من منهما السبب في جوعه وموت والديه، ومرض الأطفال وقتلهم، وضياع بلاده، أو في سوريا، ومن كان سبب ضياع أمة، وتشريد أسرته وجيرانه على شواطئ العالم، رصاصات النظام أو رصاصات المتطرفين المرتزقة الأوغاد المتاجرين بالدين، و كل ما همني نظرات الجوع والحرمان في عيون هذا الطفل، ووحشة الأيام وقسوتها على وجنتيه وشفتيه وعلى جسده النحيل العليل، وسؤال على لسانه يتمتم به، ولا يفصح عنه.

أهذا العذاب وهذا القتل وهذا الجوع وهذه الأمراض بأيدي مسلمين يقرأون القرآن، ويصلون ويحجون ويعتمرون، ويبنون المساجد الفارهة لله؟

ألله حاجة في أن يكون له في كل شارع وفي كل زقاق وفي كل حارة بيت ومسجد، ويكون له في كل شارع مائة مريض، وفي كل حارة ألف جائع، وفي كل بلد ملايين الجهلاء؟

أهكذا يا قوم نصنع مستقبل أطفالنا وأولادنا: جوع ومرض وجهل وغل وحقد، وهذا هو محصلة فتاوى مشايخنا؟!

كان عنوان اللقاء "لقمة في بطن جائع خير من بناء ألف جامع"، فصدقت على كلامه ووافقته عليه واستعرته؛ فالله لا يرضى أن تنتشر مساجده وبيوته في أرضه، يكسوها الحرير، وتتزين منابرها بالخشب المزركش، وتغطيها أجهزة التكييف، وترتفع مآذنها إلى عنان السماء، وأصوات مكبرات الصوت النقية الغالية التي تصل كل البيوت، وتخترق آذان كل المستمعين، وتحيط بها الإضاءة من كل زاوية وكل ركن، وينتشر المرض والجوع والجهل في ربوع كل البلاد الإسلامية إلا القليل منها.

فإن الله لا يرضى بجوع الأطفال على حساب بناء المساجد العامرة، ولا يرضى أن يتقاتل المسلمون، ويقتل بعضهم بعضا حتى تعلو كلمته، ولا يقبل أن يربط الفقراء على بطونهم، ويحرمون أولادهم متعة الحياة لتوفير نفقات الحج والعمرة، حتى يضعها في أيدي أغنياء الخليج، وهي في الأصل لمن استطاع إليه سبيلا، وليس على حساب الفقر والجوع والمرض والجهل.

وأتأمل حال مستشفياتنا ومساجدنا، وعمارهما، فهذه عامرة بطوابير المرضى يطول انتظارهم دون علاج ودواء، وبلا أجهزة أو معدات، وحال المباني ودورات المياه يُرثى لها، ونشكو ونتألم، ونصرخ على ما وصلنا إليه، وندعو على القائمين عليها بعذاب الله وسوء المنقلب والمصير، وإذا عبر صاحبنا الشارع ليلحق بالصلاة كان المسجد العامر صفًا أو صفين، خالية بقية صفوفه، والصلاة فيه على سجاد رقيق ناعم رهيف، وهواء من أجهزة التكييف بارد رطيب، ومياه عذبة مفلترة رقراقة، فأكمل صلاته على راحته، ثم دعا للقائمين عليه بطول العمر وحسن المنقلب والمصير، ونسي صاحبنا أن المستشفيات المنهكة والمستهلكة أولى وأجدى وأقرب إلى رضا الله وبركاته، وأن الله لن يضيع أجر من أعطاها، كما أعطى المساجد، وربما كان للمستشفى الخير الأكبر، والفائدة الأعم لله ولخلقه، وكان رضا الله مقبولا.

ونتأمل حال مدارسنا؛ لا فرق بينها وبين حال مستشفياتنا، وحال فقرائنا وشوارعنا، فهم جميعا والهم سواء، دورات مياه متهالكة ومتهاوية، وفصول مكدسة بتلاميذ محشورين حشرا على تخت ودكك قديمة مستهلكة، لا يسمعون، ولا يفهمون من هول هذا الزحام، وهذه الفوضى، ومنهم الغالبية التي عجزت عن سداد مصروفات المدارس، فيجوز أن يكون الأب الفقير قد تبرع بقيمتها لبناء المسجد القريب، فربما يصلي عليه الناس صلاة الجنازة، وينال البركة والدعاء في مسجده هذا الأنيق، يوم موته في طوابير المستشفيات البائسة.

والله لو كان الأمر بيدي لأوقفت بناء المساجد والزوايا ودور العبادة، واكتفيت بما هو قائم، إلا في المدن الجديدة غير القائمة على حالها، وخفضت أعداد المعتمرين فعمرة واحدة في العمر تكفي، وقلصت أعداد الحجيج، واحدة لمن كان قادرا عليها تكفي، دون مجاملات أو بعثات أو مكافآت أو سياحة، حتى نقضي على الفقر، ونعالج المرضى، ونعلم أولادنا تعليما مناسبا عصريا، ينهض بالأمة، ويرتقي بالشعب، ويرفعه لمصاف الدول العامرة الزاخرة بلقمة العيش لأبنائها، والدواء لعلاج مرضاها، والمدارس والجامعات المؤهلة لتعليم مواطنيها، والمكتبات لثقافة شعبها، هذا هو الفلاح، وهذا هو إعمار الأرض: المهمة الرئيسية للخلق.

إعلان

إعلان