هل ذهبت الطبقة الوسطى المصرية مع الريح؟

هل ذهبت الطبقة الوسطى المصرية مع الريح؟

أكـرم ألـفي
09:00 م السبت 08 يوليه 2017

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

دخلت الطبقة الوسطى نفقاً مظلماً خلال السنوات الست الماضية. ودفع ارتفاع أسعار السلع والخدمات بنسب تزيد عن 100٪ إلى تراجع قدرة الأسر المصرية على توفير نفس درجة ونوع التعليم والصحة وخدمات الرفاهية لأولادها، والتي كانت توفرها لهم في السابق.

بلغة الأرقام، يتحدث عدد من خبراء الاقتصاد عن أن أبناء الطبقة الوسطى في 2017 يجب أن تزيد دخولهم عن 5 آلاف جنيه شهرياً. وهو ما يعني تراجع نسبة أبناء الطبقة الوسطى إلى أقل من 35٪ من السكان، وهو ما يمثل خطراً شديداً على تماسك المجتمع ومناعته السياسية والأمنية.

كل ما سبق كان متن حوار ممتد بين النخب المصرية وبين قادة التأثير على مواقع التواصل الاجتماعي. الجميع يتفق على أن ثمن الإجراءات الاقتصادية الأخيرة ستدفعه بالأساس الطبقة الوسطى وإن رفع الأسعار سيقود هذه الطبقة الضخمة في المدينة إلى السقوط في هاوية الطبقات المعدومة.

وانحصر الخلاف بين مؤيدي النظام الذين يرون هذه الإجراءات ضرورية وبمثابة عملية جراحية لعلاج المريض وبين المعارضين الذين اعتبروا الإجراءات الأخيرة بمثابة طعنة من النظام للطبقة الوسطى التي دعمته منذ 2013، وأن رفع الأسعار بمثابة طعنة جديدة للشرائح الوسطى والفقراء تدلل على توجهات النظام الطبقية والاجتماعية.

وبمنطق التقية ووفقاً لشعار "لا تجادل يا أخ علي" سأتفق مع كل ما سبق فنحن أمام طبقة وسطى تواجه أزمة عنيفة وتدفع ثمن باهظ لسياسات النظام. ولكن هل من الممكن أن نطرح سؤالا: ما هي الطبقة الوسطى التي نتحدث عنها؟

في العقل الجمعي للنخب المصرية فإن الطبقة الوسطى تنحصر في أسرة عماد حمدي في فيلم "أم العروسة"، أي الموظف بأجر ثابت في أحد المصالح الحكومية والذي يتحمل أعباء أسرته كاملة.. تلك الأسرة التي تعيش في المدينة وتحافظ على أنماط سلوكية واجتماعية شبه ثابتة، فالوظيفة الثابتة هي معامل الأمان لديها لتوفير الدخل وتقوم بتوفير التعليم الجامعي لأبنائها وتوفر لهم خدمة صحية معقولة.

أسرة عماد حمدي الشهيرة دخلت أزمة منذ نهاية الستينيات، فقد قاد بدء التضخم وتراجع الدخل الوظيفي إلى تغير سلوكها، فلم تعد ترتاد المسرح مرة شهريا أو تذهب للمصيف لمدة شهر في الإسكندرية وجمصة وبلطيم وفقاً للنمط الثابت للسلوك التي حافظ عليه سنوات طويلة.

دخلت طبقة الموظفين أتون الأزمة منذ أكثر من 50 عاماً، وكان الحديث اليومي للإعلام في السبعينيات والثمانينيات ملخصه "وداعاً للطبقة الوسطى". ولكن ما حدث هو العكس فقد انضمت أعداد غفيرة من المصريين لصفوف الطبقة الوسطى التي بحثت عن فرص عمل في المدن الكبرى، وتدفق قسم منها إلى دول الخليج للعمل هناك.

هنا برزت طبقة وسطى جديدة بأنماط سلوكية مغايرة، مجموعات ضخمة من المهنيين والحرفيين والموظفين في الشركات الأجنبية والبنوك وكبار الموظفين التي قامت بتعليم أبنائها وحصلت على مكان ثابت في المدينة، فتشكلت أحياء مدينة نصر ثم امتدت في التسعينيات لتشكل حي أكتوبر وغيرها من الأحياء العمرانية الجديدة.

اتساع الطبقة الوسطى في العقود الأخيرة ترافق مع فشل غير مسبوق للدولة في تحسين نوعية التعليم وخدمات الصحة والترفيه، فأصبح الطلب على التعليم الحكومي ينحصر على الطبقات الأفقر وينطبق نفس الحديث على خدمات الصحة والإسكان الحكومية.

إفرازات الطبقة الوسطى الجديدة الأقل ارتباطا بمؤسسات الدولة ظهرت بوضوح في ثورة يناير 2011، فكان شباب هذه الطبقة اكتشف أن افاق صعوده الاجتماعي تواجه جموداً سياسياً وقمعاً، ووجد نفسه في مواجهة مع نظام شاخ، فسقط النظام واحتفلت الطبقة الوسطى بانتصارها التاريخي.

حديث انتصار وهزيمة الطبقة الوسطى في يناير 2011 ليس هذا مكانه. ولكن انتصارها "الأخير" في يونيو 2013 دفعها للحلم بدولة جديدة تنحاز لها على حساب الكبار بالأساس. ولكن ما حدث خلال الأعوام الأربعة الماضية كان قاسياً جداً.

فإن سعي النظام الحالي نحو إعادة هيكلة الاقتصاد ورفع الدعم وتحرير سعر الصرف، جعل هذه المجموعة السكانية الضخمة تواجه وضعاً غير مسبوق بانخفاض دخلها الثابت الحقيقي بنسبة تزيد عن 50%وارتفاع الأسعار بنسب تزيد عن 100%في بعض الأحيان.

إن أصحاب الدخول الثابتة في مصر ذهبوا بالفعل مع الريح، فهم غير قادرين على دفع تكلفة الخدمات القديمة من تعليم خاص وصحة في مستشفيات استثمارية والترفيه الجديد في السواحل التي أصبحت ممتدة على البحرين الأحمر والمتوسط.

هكذا أصبح جيل الأبناء من هذه الطبقة في مواجهة أزمات لم يعتادها، فقد أصبحت الوظيفة بدخل 5 آلاف جنيه لا توفر له سوى حياة الفقراء، فنحن في نهاية فيلم "الموظفون في الأرض".

ماذا سيحدث؟ هل ستنتهي الطبقة الوسطى وتذهب مع الريح؟ الإجابة هي لا نافية جازمة فالطبقة الوسطى لا تموت ولكنها تتغير. ما سيحدث اليوم هو تحول اجتماعي دراماتيكي على غرار تحول الخمسينيات والتحول الممتد من منتصف السبعينيات إلى ٢٠١١، فسيدخل الطبقة الوسطى مجموعات جديدة تعتمد في دخلها بالأساس على دخل غير ثابت ولا تعتبر نفسها من الأغنياء وقادرة على الحفاظ على مكاسبها مع التغيرات الجديدة، إلى جانب مجموعات من الريفيين الذين استقروا في المدينة عبر عقود ونجحوا في التحول للعمل الخاص المتوسط وسيبقى معهم جزء كبير من المهنيين في قطاع الخدمات وغيرهم.

نحن أمام انحدار مجموعة من السكان إلى شرائح اجتماعية أدنى وصعود مجموعة سكانية لتأخذ مكانها، -فعماد حمدي أصبح اليوم من الفقراء رسمياً-، ولكن سيحل محله شخص أخر في الطبقة الوسطى، فما يحدث هو عملية صعبة ومعقدة لتبادل للمواقع الاجتماعية قد تسفر عن وجه جديد للمدينة في مصر.

ووسط هـذه المفرمة الاجتماعية فإن الوجع سيكون قاسياً لأبناء الطبقة الوسطى الحالية للتمسك بمكانتهم وأنماط سلوكهم، وهنا يبقى السؤال أين المنظومة السياسية في تقليل هذه الأوجاع؟ فالتحولات الموجعة تحتاج عقب العمليات الجراحية أدوية لتخفيف الألم، وهنا السؤال هل فكرت المنظومة السياسية في توفير المسكنات أم أنها فقدت بوصلة الطبقة الوسطى لصالح شرائح أخرى من الأكثر ثراءً والأكثر فقراً؟

إعلان

إعلان