إعلان

العريش الآمنة تحتضن مؤتمر أدباء مصر الـ٣٧

د. أمــل الجمل

العريش الآمنة تحتضن مؤتمر أدباء مصر الـ٣٧

د. أمل الجمل
01:40 م الثلاثاء 06 يناير 2026

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تابعنا على

عام ٢٠١٣ زرت المغرب للمرة الأولى، أحببتها وتعلقت بأرضها، هناك التقيت عددا من الفنانين والأدباء والإعلاميين صاروا من أعز الأصدقاء. عدد منهم يعمل في مجال الحفاظ على المهن والصناعات التقليدية، من بين ذلك حماية البيئة والحفاظ على التراث. ينظمون المؤتمرات لنشر الوعي بأهمية ذلك، وتشجيع الأجيال الحديثة على تلك الممارسات. وأثناء ذلك يعيشون أحيانا في الخيام.

هذا السلوك لا يمكن فصله بأي حال من الأحوال عن تنشيط السياحة التي تدر دخلا قويا، مؤكدا للعالم أن هذا البلد آمن، ويفسر الإقبال المتزايد من هوليوود للتصوير في المغرب. البيئة، الطبيعة، إضافة إلى قوانين تيسر دخول معدات التصوير ولا تفرض رسوم جباية مبالغا فيها، كلها عوامل تسهم في خلق مناخ جاذب للاستثمار والسياح، مما ينعكس على مستوى المعيشة، ومستوى التعليم، واكتساب الأهالي للخبرات التي تأتيهم مع فرق التصوير خصوصا، وهو بدوره يقضي على العنف ويحاصر الإرهاب.

الجندي المتدفي بسلاحه

استعدت تلك الذكريات عندما علمت بأن عنوان المؤتمر العام لأدباء مصر بهذه الدورة يحمل عنوان: «الأدب والدراما.. الخصوصية الثقافية والمستقبل». سعدت أكثر لأنه يقام في العريش. إنه تضامن مع أهلنا وأشقائنا الذين صمدوا تحت وطأة الإرهاب لمدة أحد عشر عاما، يجعلهم يشعرون أنهم جزء لا يتجزأ منا، هذا ينجم عنه حراك ويسعد الناس هناك ويمنحهم أملا ومؤانسة. ويسهم في الترويج للصناعات التراثية التي يتميزون بها، خصوصا التي تقوم بها النساء. إنها مسؤوليتنا الثقافية والوطنية نحو كل مصري في مدينة العريش.

ابتهجت جدا حين وصلتني دعوة المشاركة وتقديم ورشة للسيناريو هناك، لم أشعر بأي قلق أو خوف، لأني - من متابعتي الدؤوبة - على ثقة بأن القيادة السياسية قادرة على حماية أراضينا، وحين كان الأتوبيس يمر على التكتلات والنقاط الأمنية كنت أتذكر القصيدة التي غنتها الطفلة السيناوية فرح رضوان عن الجندي المصري «المتدفي بسلاحه، وتحيتها للشهداء اللي راحوا.» فكنت أدعو لهم: «ربنا يحميكم يا أولادنا».

منذ الجلسات الأولى لمناقشة البحوث والدراسات تضاعف اهتمامي لعدة أسباب: أولا جدية البحوث وتفرد موضوعاتها، ومنح فرص للشباب بتقديم مساهمات بحثية، وتقديم مسابقة مالية للمرة الأولى. كذلك لمست مستوى النقاش وثقله الثقافي والحضاري، خصوصا أنه ألقى الضوء على شخصيات رغم أنها رحلت، لكن الحديث عنها بكلمات مشحونة بالعاطفة والثناء الحسن جعلني أدرك كم كانوا شخصيات مخلصة وقدموا مساهمات خلدت ذكراهم.

في الطريق إلى بئر العبد

وأيضا، ترحيب أهالي العريش بنا من الأدباء والمثقفين وشيوخ العشائر والقبائل ورموز محافظة شمال سيناء، من دون أن أغفل كثافة الحضور، فبعض الندوات والموائد المستديرة كانت تعقد بالتوازي، مع ذلك تدخل إلى مقر الندوة فتجد القاعة مكتظة والناس يقفون لأجل الاستماع وربما المشاركة بالنقاش، تترك الغرفة وتذهب إلى قاعة المائدة المستديرة فتجد الحضور يلتفون في صفوف متراصة. مشهد جميل. مدهش.

في الباص المتجه إلى بئر العبد الذي يبعد عن العريش نحو أكثر من ساعة في اتجاه القاهرة لحضور ندوة شعرية، حدث مشهد خفيف الظل كاشف عن تيارات خفية. الركاب من الأدباء والشعراء قرروا ألا يضيعوا وقتهم في أحاديث جانبية، وأن يبدأوا جلستهم الشعرية من الباص، وتباروا في إلقاء القصائد. البعض الآخر في نهاية الباص ذاته قرر ألا ينتظر فرصة متأخرة فأخذ يقرأ قصائده على رفيق جلسته. الناس في الطرقات وفي ردهات الفندق بعضهم يتسامر، لكن البعض الآخر ظل وفيا للهدف الذي تكبد من أجله مشقة هذه الرحلة.

من أقصى صعيد مصر، أو من الغرب، جاء عدد من هؤلاء الأدباء والشعراء. من جميع محافظات وأقاليم وأندية الأدب في مصر. بعضهم تحمل مشقة السفر بالقطار عشر ساعات حتى يصل إلى القاهرة في الثامنة صباحا لكي يبدأ رحلة السفر الثانية مباشرة إلى العريش لمدة سبع ساعات أخرى. بعض أفراد الأسر جاءت لتوديع الأب وتتمنى له رحلة آمنة، كأنه في طريقه إلى الحج، وهو فعلا حج ثقافي.

من هنا تنطلق إحدى الجوانب ذات الأهمية الخاصة لهذا المؤتمر، أنه ترسيخ لأحقية أدباء الأقاليم وشعراء الهامش في أن يسمع صوتهم، إنه تأكيد على الشعار الذي من أجله ولد هذا المؤتمر في نهاية ستينيات القرن الماضي، المناهض لمركزية الثقافة.

بين الماضي والمستقبل

عدد غير قليل من البحوث أثار إعجابي لعمق الدراسة وأهميتها ولكونها تنطوي على تجديد الموضوع، وبعضها يقدم خدمة مجتمعية، لو تم الاهتمام بها لكان لها آثار إيجابية على النساء المعيلات، ولأنه يخلق فرص عمل مما يقلل من هامش الجريمة والعنف، ويدفع لتطور المجتمع لو تم مساندته من جهات حكومية ورجال أعمال، منها مثلا: بحث د. ابتهال العسلي المعنون بـ«الهيئات الرسمية والجمعيات الأهلية ودورها في دعم الصناعات ذات الخصوصية الثقافية».

كذلك، دراسة الباحث المجتهد عربي كمال عن دور القطار في صناعة ثقافة وطنية، وهو بحث شيق جدا ومتفرد، وقد تعرض للسطو على الفكرة من قبل أحد أبرز المهرجانات السينمائية الخاصة، لأنه على ما يبدو أن بعض أهل السينما يستبيحون لأنفسهم ما يمتلكه أو ما يكتشفه أو ما يكتبه الآخرون، وهو أمر مخز. فقد كان واجبا عليهم أن يستضيفوا صاحب البحث - الذي نهبوه - ويدعوه للمشاركة لأن هذا جهده وحقه.

مسؤولية ثقافية ووطنية

يكشف بحث عربي كمال بالوثائق كيف كانت هيئة السكك الحديدية المصرية لا تعتبر مجرد مؤسسة نقل، بل نموذجا فريدا لتكامل البنية التحتية الصناعية مع الصناعة الثقافية على مدار نصف قرن، وأسهمت عبر مبادرات فردية ومؤسسية في صناعة القوة الناعمة.

قيمة هذا البحث أنه عن الماضي والمستقبل في آن واحد. إنه عن مرحلة جميلة من تاريخنا، لكنها في ذات الوقت ينبهنا - من طرف خفي - إلى ما يجب أن نفعله بمستقبلنا. الفنون يا سادة لها دور خطير في نشر الثقافة وتنمية الوعي، وهما بدورهما يحميان الوطن، لماذا لا تتم محاكاة التجربة مجددا، أعني نشر ثقافة الاهتمام بالفنون في مختلف القطاعات والمؤسسات.

لقد زرت جنوب سيناء الحبيبة عدة مرات، وصنعت أفلاما وثائقية عن بعض جوانبها، ولقد لاحظت مؤخرا دور القيادة السياسية في تأمين الطرق والاهتمام بالبنية التحتية على مستوى عالمي، والأمر ذاته أتمنى وأتوقع أن يحدث في شمال سيناء، خصوصا أن يتم دعم أهالينا في العريش بكل الفرص التي تستثمر تراث مدينتهم، وترفع من مستوى معيشتهم، لأنهم خط الدفاع الأول لنا من الشرق منذ الأزل.

صدقا، المؤتمر به الكثير من الأحداث والبحوث التي تستحق المناقشة، لكني أدعو من يريد أن يطالع الكتب التي صدرت عن هذه الدورة، ومنها الدراسات والبحوث في جزئين، ودراسة ثرية عن «الخصوصية الثقافية والإبداعية.. قراءات ودراسات في الأدب السيناوي». هناك أيضا كتاب «محمد جبريل مشروع حياة»، وهو الكاتب الراحل الذي أهديت هذه الدورة إلى روحه الطاهرة، وتم تكريمه في حضور زوجته المبدعة زينب العسال، والتي فتحت بوابة البوح الجميل عن تفاصيل شديدة الشاعرية وكاشفة لإنسانية هذا المبدع.

إن تنظيم مؤتمر بهذا الحجم يقبع وراءه في الكواليس جيش من المثقفين والمبدعين والشعراء الذين تعاملوا معنا بمنتهى الرقي، منهم الشاعر وليد فؤاد، والكاتب الكبير محمد عبد الحافظ ناصف الذي شرفت بمشاركته تقديم ورشة للسيناريو على مدار يومين. من دون أن أنسى المحاضرة القيمة التي قدمها السيد اللواء الدكتور أركان حرب/ خالد مجاور، محافظ شمال سيناء، عن تأمين حدود مصر والمخاطر التي كانت تحيط بنا، وكيف تتعامل القيادة السياسية بحكمة واتزان مع تطورات الوضع عالميا دون أن تستجيب للمناوشات التي تبغي جرنا لحرب ضروس.

هنا أختتم بكلمة للأمين العام للمؤتمر الشاعر عزت إبراهيم: «إن وقوفنا اليوم هنا في شمال سيناء لهو إعلان وتأكيد لسيادة الإبداع، نؤكد من خلاله أن مصر آمنة بفكرها، قوية بمثقفيها، وعصية على الانكسار. لقد اخترنا أن نكون في قلب أرض الفيروز لنرسل للعالم رسالة مفادها أن غصن الزيتون في سيناء اليوم ترفرف فوقه رايات التنوير، وأن صوت الأدب والفن والثقافة هو الذي يعلو فوق كل صوت».

إعلان

إعلان