وزراء بلا رواتب.. كيف تقشفت الدول للتكيف مع تبعات حرب أمريكا وإيران؟
كتب : أحمد الخطيب
الصراع الأمريكي الإيراني
أدخلت الحرب في الشرق الأوسط، خاصة مع استهداف البنية التحتية للطاقة وإغلاق مضيق هرمز، الاقتصاد العالمي في واحدة من أعنف أزمات الطاقة خلال العقود الأخيرة.
فقد قفزت أسعار النفط إلى نحو 119 دولارًا للبرميل قبل أن تتراجع نسبيًا لتتراوح بين 90 و100 دولار، بينما تعطل نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال خلال النصف الأول من عام 2026.
هذه التطورات انعكست بشكل مباشر على موازنات الدول، ودفعت الحكومات إلى اتخاذ إجراءات استثنائية، تنوعت بين التقشف الصارم، وتقديم الدعم المباشر، والسحب من الاحتياطيات، في محاولة لاحتواء التداعيات الاقتصادية والاجتماعية.
وتكشف استجابات الدول عن تحول عميق في إدارة الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت الطاقة عاملًا حاسمًا في رسم السياسات المالية والنقدية.
وبين التقشف، والدعم، والسحب من الاحتياطيات، يبدو أن العالم مقبل على مرحلة طويلة من إعادة التوازن، ستظل فيها أسواق الطاقة في قلب المشهد الاقتصادي العالمي.
اقرأ أيضًا:
كيف واجهت مصر أزمة حرب طهران؟ قرارات عاجلة لاحتواء تداعيات الطاقة
السنغال: تقشف إجباري تحت ضغط فاتورة الطاقة
وجدت السنغال نفسها في مواجهة فجوة تمويلية متزايدة مع ارتفاع أسعار النفط، خاصة أن موازنتها مبنية على سعر أقل بكثير يبلغ نحو 62 دولارًا للبرميل.
وفي هذا السياق، أعلن رئيس الوزراء عثمان سونكو حزمة إجراءات تقشفية حادة، شملت حظر سفر الوزراء إلى الخارج إلا في المهام العاجلة، وإلغاء البعثات الرسمية غير الضرورية، في محاولة لخفض الإنفاق الحكومي.
ولم يقتصر الأمر على القرارات الإدارية، بل يعكس توجهًا أوسع لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، في ظل صعوبات متزايدة في تمويل الدعم والحفاظ على مستوى معيشة المواطنين، مع استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الوقود عالميًا.
باكستان: مزيج من التضامن والدعم المالي
اتبعت باكستان نهجًا مزدوجًا يجمع بين الإجراءات الرمزية والدعم الاقتصادي المباشر، في محاولة لامتصاص آثار أزمة الطاقة.
فقد أعلن رئيس الوزراء محمد شهباز شريف تنازل أعضاء الحكومة عن رواتبهم لمدة 6 أشهر، في خطوة تهدف إلى إظهار التضامن مع المواطنين في ظل الأزمة.
وعلى الجانب العملي، أطلقت الحكومة حزمة دعم واسعة، تضمنت خفض سعر البنزين بنحو 80 روبية للتر ليصل إلى 378 روبية بدلًا من 458، إلى جانب تقديم دعم مباشر لقطاع النقل.
وشملت الحزمة منحًا مالية لسائقي الدراجات النارية ومركبات الشحن والنقل العام، فضلًا عن دعم شهري يتراوح بين 70 ألف و100 ألف روبية لوسائل النقل المختلفة، في محاولة للحد من تأثير ارتفاع الوقود على أسعار السلع والخدمات.
تركيا: تسييل الذهب لتوفير السيولة
تعرضت تركيا لضغوط مالية قوية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة، ما دفع البنك المركزي إلى اتخاذ خطوات غير تقليدية لتوفير السيولة.
فقد قام ببيع نحو 58 طنًا من الذهب خلال أسبوعين فقط، بقيمة تتجاوز 8 مليارات دولار، ما أدى إلى تراجع الاحتياطيات إلى نحو 513 طنًا، وهو أدنى مستوى في 7 سنوات.
واستخدم جزء كبير من هذه الكميات في عمليات مقايضة للحصول على الدولار، بينما تم بيع الجزء الآخر في السوق المفتوحة، في خطوة تهدف إلى دعم العملة وتمويل الواردات.
كما باع البنك المركزي نحو 26 مليار دولار من العملات الأجنبية خلال ثلاثة أسابيع، ما أدى إلى انخفاض صافي الاحتياطيات إلى نحو 43.4 مليار دولار، وهو ما يعكس حجم الضغوط الناتجة عن أزمة الطاقة العالمية.
الأردن: ترشيد صارم لاستهلاك الطاقة
اختارت الحكومة الأردنية مسار تقليل الاستهلاك كوسيلة رئيسية لمواجهة الأزمة، عبر حزمة إجراءات تهدف إلى خفض الطلب على الطاقة.
وشملت هذه الإجراءات حظر استخدام أجهزة التكييف والتدفئة في المؤسسات الحكومية، وتقييد استخدام المركبات الرسمية، إلى جانب تعليق رحلات الوفود الحكومية.
وتعكس هذه السياسة محاولة مباشرة لتقليل فاتورة الطاقة في ظل الارتفاع الكبير في الأسعار، والحفاظ على الموارد المالية للدولة.
روسيا: حماية السوق المحلية مع الاستفادة من الأسعار
تدرس روسيا فرض حظر على تصدير البنزين حتى نهاية يوليو، في خطوة تهدف إلى تأمين احتياجات السوق المحلية ومنع ارتفاع الأسعار داخليًا.
وفي الوقت نفسه، تستفيد موسكو من ارتفاع أسعار النفط عالميًا، ما يعزز إيراداتها من الصادرات، ويمنحها هامشًا ماليًا لمواجهة تداعيات الأزمة، رغم القيود المحتملة على بعض المنتجات النفطية.
الولايات المتحدة: ضغوط تضخمية وتراجع الثقة
رغم كونها من أكبر منتجي الطاقة، لم تسلم الولايات المتحدة من تداعيات الأزمة، حيث ارتفعت أسعار البنزين إلى نحو 3.98 دولارات للجالون.
وتزامن ذلك مع تراجع ثقة المستهلكين وهبوط في الأسواق المالية، ما يعكس تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة على النشاط الاقتصادي والإنفاق الاستهلاكي.
فرنسا: دعم محدود تحت قيود الموازنة
اضطرت فرنسا إلى تقليص برامج الدعم بسبب الضغوط المتزايدة على الموازنة العامة وارتفاع العجز.
وركزت الحكومة على تقديم دعم محدود وموجه للقطاعات الأكثر تضررًا، بدلًا من تطبيق برامج دعم واسعة، في محاولة لتحقيق توازن بين تخفيف الأعباء والحفاظ على الاستقرار المالي.
إسبانيا: تخفيضات ضريبية لتخفيف الصدمة
اعتمدت إسبانيا على سياسة تخفيف العبء الضريبي، حيث أقرت حزمة تخفيضات بقيمة 5 مليارات يورو، شملت خفض الضرائب على الطاقة.
وتهدف هذه الإجراءات إلى دعم القدرة الشرائية للمواطنين، وتقليل تأثير ارتفاع تكاليف الوقود على الشركات.
إيطاليا: تحرك مزدوج بين الضرائب والإمدادات
اتخذت إيطاليا مسارين متوازيين لمواجهة الأزمة، أولهما خفض ضرائب الوقود بشكل مؤقت لتقليل الأسعار محليًا، وثانيهما العمل على تأمين إمدادات إضافية من الغاز.
وتسعى روما إلى تعزيز وارداتها من الجزائر، في إطار استراتيجية تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الأسواق المضطربة.
بولندا: تدخل مباشر في الأسعار
فرضت بولندا سقفًا لأسعار الوقود، إلى جانب خفض الضرائب، في محاولة لحماية المستهلكين من التقلبات الحادة.
ويعكس هذا النهج تدخلًا مباشرًا في السوق للحد من آثار الأزمة على المواطنين.
اليابان: العودة إلى الفحم تحت الضغط
في ظل نقص إمدادات الغاز، لجأت اليابان إلى زيادة الاعتماد على الفحم كبديل مؤقت لضمان استقرار إمدادات الطاقة.
وتأتي هذه الخطوة رغم التحديات البيئية، ما يعكس أولوية تأمين الطاقة على حساب اعتبارات أخرى في ظل الأزمة.
الفلبين: إعلان الطوارئ لمواجهة الأزمة
كانت الفلبين أول دولة تعلن حالة الطوارئ الوطنية بسبب أزمة الطاقة، في مؤشر على حدة التأثير في الاقتصادات الناشئة.
وأطلقت الحكومة حزمة إجراءات تضمنت دعم الوقود، وخفض تكاليف النقل، واتخاذ تدابير للحد من الاحتكار والممارسات غير العادلة في السوق، بهدف حماية المستهلكين والسيطرة على الأسعار.
اقرأ أيضًا:
هل بدأ ميزان القوى الاقتصادية العالمية في التحول؟ محمد العريان يجيب