إعلان

بعد تقلبات هرمز.. إلى أين تتجه أسعار النفط في المدى القريب؟

كتب : أحمد الخطيب

03:12 م 21/04/2026

مضيق هرمز

تابعنا على

لم تعد تحركات أسعار النفط العالمية انعكاسًا مباشرًا لأساسيات العرض والطلب التقليدية، بقدر ما أصبحت مرهونة بدرجة أكبر بحالة التذبذب الجيوسياسي المرتبطة بمضيق هرمز، الذي تحول إلى نقطة ارتكاز رئيسية في تحديد اتجاهات السوق خلال المرحلة الحالية.
ففي غضون ساعات، انتقلت الأسعار من موجة هبوط حادة إلى ارتفاعات ملحوظة، في مشهد يعكس هشاشة التوازن في سوق الطاقة العالمي.

فمع إعلان إيران فتح المضيق بشكل كامل في 17 أبريل، سارعت الأسواق إلى إعادة تسعير المخاطر، لتهبط أسعار النفط بنحو 10-12%، حيث تراجع خام برنت إلى حدود 88 دولارًا للبرميل، وخام غرب تكساس إلى 82 دولارًا، في إشارة واضحة إلى انحسار المخاوف المتعلقة بتعطل الإمدادات.

غير أن هذا المسار لم يستمر طويلًا، إذ أعادت التطورات الميدانية خلط الأوراق سريعًا، عقب تصعيد أمريكي–إيراني تضمن مصادرة سفينة شحن إيرانية، وما تبعه من إعلان طهران إغلاق المضيق مجددًا، لترتفع الأسعار بنحو 7% وتصل إلى مستويات تتراوح بين 95 و97 دولارًا للبرميل، مع عودة القلق بشأن نحو 15 مليون برميل يوميًا من الإمدادات المهددة.
وفي امتداد لهذا النمط المتقلب، تعكس الأسواق حالة أقرب إلى "التفاعل اللحظي" مع التصريحات السياسية، حيث لم يعد الاتجاه العام للأسعار مستقرًا، بل يتحرك وفق إشارات متغيرة تعكس صراعًا مفتوحًا بين التهدئة والتصعيد.

اقرأ أيضًا: انفراجة هرمز تضغط على النفط.. خسائر تتجاوز 11% في الأسواق العالمية

الأسواق بين تسعير التفاؤل وصدمة الواقع

على مستوى التسعير الفوري، يظهر بوضوح أن سوق النفط لم يعد يتعامل مع الوقائع بقدر ما يتأثر بالتوقعات، إذ عكست العقود الآجلة موجة تفاؤل واسعة عقب تصريحات عن فتح المضيق، حيث انخفض خام برنت بنسبة 9.1% ليغلق عند 90.38 دولارًا، قبل أن يقفز مجددًا بنسبة 6.9% مع عودة الشكوك حول استمرارية فتح الممر الملاحي.


وبحسب تقرير رويترز، فإن هذه التقلبات جاءت مدفوعة في الأساس برسائل متضاربة، بدأت بمنشور للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن فيه أن المضيق "مفتوح بالكامل"، وهو ما دعمته مؤشرات أولية من داخل إيران، قبل أن يتراجع هذا التفاؤل سريعًا مع تحركات الحرس الثوري للإبقاء على الإغلاق، في ظل استمرار الحصار البحري الأمريكي.


هذا التباين الحاد يطرح تساؤلات جوهرية داخل السوق: هل الإغلاق قرار مؤقت أم أداة ضغط مستمرة؟ وهل يمكن الوثوق في استمرارية فتح المضيق في ظل غياب تفاهمات سياسية واضحة؟


وتزداد حدة هذه التساؤلات مع استمرار ارتفاع أسعار المنتجات المكررة، خاصة في آسيا، حيث سجل وقود الطائرات نحو 204 دولارات للبرميل، بينما ارتفع الديزل بنسبة تقارب 59% منذ بداية الأزمة، في انعكاس مباشر لضغوط الإمدادات.
كما تكشف البيانات عن تراجع ملحوظ في واردات آسيا من النفط الخام، التي انخفضت إلى 20.62 مليون برميل يوميًا في أبريل مقارنة بمتوسط 26.76 مليون برميل قبل الأزمة، وفق بيانات شركة "كبلر"، وهو ما يعزز المخاوف من دخول السوق في مرحلة نقص فعلي في المعروض خلال الفترة المقبلة.

اقرأ أيضًا: بين الحرب والتضخم.. حكايات المصريين مع الغلاء اليومي

صدمة الإمدادات وسيناريوهات إعادة تشكيل السوق

في هذا السياق، يصف تقرير وكالة الطاقة الدولية الوضع الراهن بأنه "أشد صدمة لإمدادات النفط في التاريخ"، بعد تراجع المعروض العالمي بنحو 10.1 مليون برميل يوميًا خلال شهر مارس، بالتزامن مع انخفاض التدفقات عبر مضيق هرمز إلى 3.8 مليون برميل فقط مقارنة بـ20 مليون برميل قبل الأزمة.

ويعكس هذا التراجع الحاد تحولًا هيكليًا في توازنات السوق، حيث تجاوزت الأسعار الفورية مستويات 150 دولارًا للبرميل في بعض الفترات، مدفوعة بشح المعروض، في وقت تظل فيه العقود الآجلة أقل نسبيًا، ما يعكس فجوة متزايدة بين الواقع الفعلي والتوقعات المستقبلية.

وتطرح الوكالة مسارين رئيسيين لمستقبل السوق:

السيناريو الأول: استئناف تدريجي للإمدادات بدءًا من مايو، بما يسمح بعودة التوازن وتحول العجز إلى فائض نسبي خلال النصف الثاني من 2026.

السيناريو الثاني: استمرار تعطل الإمدادات، ما يؤدي إلى تفاقم العجز إلى نحو 6 ملايين برميل يوميًا، ودفع الأسعار إلى مستويات قد تتجاوز 150 دولارًا، مع تأثيرات حادة على النمو الاقتصادي العالمي.

وفي موازاة ذلك، تشير التقديرات إلى بدء ظهور ظاهرة "تدمير الطلب"، حيث تتوقع الوكالة انكماش الطلب العالمي بنحو 80 ألف برميل يوميًا خلال 2026، نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع النشاط الاقتصادي، خاصة في قطاعات النقل والبتروكيماويات.
كما لجأت الدول الصناعية إلى السحب من المخزونات الاستراتيجية، بإجمالي يصل إلى 400 مليون برميل، في محاولة لاحتواء الصدمة، إلا أن هذا التدخل يظل محدود التأثير إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.

وفي قراءة مستقبلية، يرى السبد عرفات، أستاذ هندسة الطاقة، أن السوق النفطية تتحرك حاليًا في بيئة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الاعتبارات الجيوسياسية مع المصالح الاقتصادية، ما يجعل الأسعار عرضة لتقلبات حادة وسريعة.
وأوضح عرفات، لمصراوي أن السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية قد يوفر تهدئة مؤقتة، لكنه في المقابل قد يعيد تشكيل هيكل التسعير العالمي ويسهم في الدفع نحو مستويات سعرية جديدة تختلف عن تلك التي كانت سائدة قبل الأزمة، مشيرًا إلى أن الفترة المقبلة مرشحة لمزيد من التذبذب، مع احتمالات صعود أو هبوط الأسعار وفق تطورات المشهد السياسي.
من جانبه، يؤكد أحمد معطي، أن سوق النفط لم يعد يتحرك وفق مسار واحد، بل عبر عدة سيناريوهات متوازية، ترتبط بمآلات الصراع والتفاوض.

وأوضح أن السيناريو الأقرب يتمثل في بقاء الأسعار ضمن نطاق 90 إلى 100 دولار للبرميل في ظل "تفاؤل حذر"، بينما قد يؤدي انهيار المفاوضات إلى ارتفاعها فوق 120 دولارًا، مع احتمالات وصولها إلى 150 دولارًا في حال تصعيد شامل وإغلاق كامل للمضائق الحيوية.

في المقابل، يظل سيناريو التهدئة الشاملة قائمًا، والذي قد يدفع الأسعار للتراجع إلى ما بين 70 و80 دولارًا، حال التوصل إلى تسوية سياسية تنهي حالة عدم اليقين.
تكشف تطورات مضيق هرمز، أن سوق النفط العالمي لم يعد يواجه مجرد أزمة عابرة في الإمدادات، بل اختبارًا معقدًا لقدرته على التكيف مع بيئة تتسم بعدم الاستقرار والتقلب الحاد في القرارات السياسية.

فالتذبذب بين فتح وإغلاق المضيق لا يقل تأثيرًا عن الإغلاق الكامل، إذ يبقي الأسواق في حالة ترقب دائم، ويؤجل أي استقرار محتمل في الأسعار.

ومع استمرار هذا المشهد، يظل مسار النفط العالمي رهينة ليس فقط لتدفقات الإمدادات، بل لمدى قدرة الأطراف المتصارعة على حسم حالة الغموض، التي أصبحت في حد ذاتها أحد أبرز محركات السوق.

اقرأ أيضًا: كم يستغرق تعافي قطاع النفط بعد الحرب؟.. بين فاتورة 25 مليار دولار وسنوات طويلة

اقرأ أيضًا: ضبابية قرار واشنطن وطهران تهز الاقتصاد العالمي بين القلق والتعافي

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان