ضبابية قرار واشنطن وطهران تهز الاقتصاد العالمي بين القلق والتعافي
كتب : أحمد الخطيب , آية محمد
مضيق هرمز
لم يعد مسار الاقتصاد العالمي مرتبطًا فقط بتطورات الحرب في الشرق الأوسط، بل بدرجة أكبر بحالة التذبذب في اتخاذ القرار بين واشنطن وطهران؛ إذ تدفع الرسائل المتضاربة الأسواق إلى التحرك في اتجاهات متعاكسة خلال فترات زمنية قصيرة، ما يخلق بيئة غير مستقرة تعقد فرص التعافي وتطيل أمده.
فبينما تعكس بعض التصريحات اقتراب نهاية التصعيد، تعود نفيات مقابلة لتقوض هذا التفاؤل سريعًا، لتتحول الأسواق إلى رهينة لحالة "لا حرب ولا سلم"، وهي الحالة التي تمثل اقتصاديًا أحد أكثر السيناريوهات كلفة.
وفي امتداد لهذه الحالة من "لا حرب ولا سلم"، جاءت محاولة لاحتواء التصعيد عبر انطلاق جولة أولى من المفاوضات الهادفة إلى إنهاء الحرب، لكنها انتهت بالفشل قبل التوصل إلى أي اتفاق.
ومع ذلك، انعكس لاحقًا وقف إطلاق النار في لبنان وفتح مضيق هرمز على موجة تفاؤل في الأسواق العالمية، باعتبارهما مؤشرين على إمكانية انتقال المشهد نحو تهدئة أوسع في المنطقة.
لكن هذا التفاؤل لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما عادت حالة القلق مع إعادة إغلاق المضيق بعد 24 ساعة فقط، لتتجدد المخاوف بشأن استدامة الاستقرار، وتدخل الأسواق مجددًا في دائرة إعادة تسعير المخاطر.
الأسواق بين التفاؤل الحذر والارتداد السريع
على مستوى رد الفعل الفوري، يوضح الدكتور أحمد معطي، الخبير الاقتصادي، خلال حديثه مع مصراوي، أن الأسواق العالمية أظهرت حساسية مفرطة تجاه التصريحات السياسية؛ فمع إشارات أمريكية بانتهاء الأزمة، شهدت مؤشرات الأسهم الأمريكية صعودًا ملحوظًا، حيث ارتفع مؤشر S&P 500 بنحو 2%، وناسداك 3%، وداو جونز 3.5%، بالتزامن مع تراجع أسعار النفط وتحسن سوق السندات.
غير أن هذا المسار لم يدم طويلًا، إذ أدى النفي الإيراني إلى إعادة حالة القلق، وهو ما يرجحه معطي لعودة الأسواق إلى الاتجاه السلبي، مع توقع تراجع الأسهم وارتفاع النفط مجددًا.
ويكشف هذا التذبذب أن السوق لم يعد يتفاعل مع الوقائع بقدر ما يتأثر بالتوقعات المتغيرة.
هذه الحالة تعكس ما حذر منه تقرير صندوق النقد الدولي (إبريل 2026)، الذي أشار إلى أن الصراع يمثل "قوة معاكسة كبرى" قد تدفع الاقتصاد العالمي للانحراف عن مسار النمو، وبدلًا من سيناريو واحد، يطرح التقرير عدة مسارات محتملة، تبدأ من احتواء سريع للأزمة بحلول منتصف العام، وصولًا إلى سيناريو أكثر حدة قد يؤدي إلى تراجع النمو العالمي إلى نحو 2% وارتفاع التضخم إلى مستويات تتجاوز 6%، في ظل احتمالات اندلاع أزمة طاقة كبرى.
وفي هذا الإطار، تم خفض توقعات النمو إلى 3.1% في 2026، مع تعاف يظل أبطأ من المتوسطات التاريخية.
صدمة الطاقة.. العامل الحاسم في تأخير التعافي
وفي السياق ذاته، يربط تقرير مجموعة البنك الدولي ( أبريل 2026) بين تدهور التوقعات الاقتصادية واضطرابات قطاع الطاقة، موضحًا أن إغلاق الممرات الحيوية أو استهداف البنية التحتية أدى إلى تقلبات حادة في الأسواق، وانعكس بشكل مباشر على آفاق النمو، خاصة في المنطقة.
وتشير التقديرات إلى تراجع نمو دول الخليج من 4.4% إلى 1.3%، في دلالة على حساسية الاقتصاد الإقليمي لحالة عدم الاستقرار.
ويؤكد التقرير أن إطالة أمد الصراع تعني استمرار الضغوط عبر ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وتراجع التجارة والسياحة، وهو ما يجعل التعافي مرهونًا بعودة الاستقرار السياسي وليس فقط توقف العمليات العسكرية.
اقرأ أيضًا: انفراجة هرمز تضغط على النفط.. خسائر تتجاوز 11% في الأسواق العالمية
من تقلبات الأسواق إلى نقص السلع
هذا الطرح الكلي يتقاطع مع رؤية الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، خلال حديثه مع مصراوي الذي يرى أن ما يشهده الاقتصاد العالمي في المرحلة الحالية لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد اضطراب مؤقت في الأسواق، بل هو امتداد لموجة أعمق من التوترات الجيوسياسية والاقتصادية المتشابكة التي بدأت تنعكس بشكل مباشر على مكونات الاقتصاد الحقيقي وليس المالي فقط.
ويؤكد النحاس أن تأثير هذه التطورات ينعكس بصورة فورية على الاقتصاد المصري، في ظل الترابط الشديد مع الاقتصاد العالمي، مشيرًا إلى أن حالة العزل الاقتصادي لم تعد ممكنة في ظل تشابك سلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية.
ويضيف أن أي انفراجة سياسية أو حتى إعادة فتح للممرات الملاحية لن تنعكس بشكل مباشر أو سريع على الأسواق، حيث إن عملية استعادة التوازن الاقتصادي تحتاج إلى فترة تمتد بين 8 إلى 12 شهرًا حتى تعود مؤشرات الاستقرار إلى مستوياتها الطبيعية.
وفي تفسيره لحركة الأسعار الحالية، يشير إلى أن ما يظهر في الأسواق لا يعكس بالضرورة ديناميكيات العرض والطلب الفعلية، بقدر ما يعكس حالة من المضاربات والتسعير النفسي المرتبط بالتصريحات السياسية والتطورات الجيوسياسية.
ويتوقع أن تبدأ مؤشرات الطلب الحقيقي على النفط في الظهور مع منتصف شهر مايو، وهو ما قد يعيد تشكيل مسار الأسعار تدريجيًا وفق الأساسيات الاقتصادية الفعلية.
كما يلفت إلى أن أحد أخطر التطورات في المرحلة الحالية يتمثل في ارتفاع تكاليف الإصلاح والصيانة داخل قطاع الطاقة عالميًا، والتي قد تصل إلى نحو 50 مليار دولار، وهو ما يعني عمليًا تراجعًا لاحقًا في مستويات المعروض الفعلي من الطاقة، بما يفرض ضغوطًا تصاعدية على الأسعار في المدى المتوسط.
وينتقل النحاس إلى جانب أكثر حساسية، موضحًا أن الأزمة لم تعد تقتصر على تباطؤ اقتصادي تقليدي، بل بدأت تتجه نحو حالة من "النقص الفعلي في السلع"، نتيجة اضطراب سلاسل التوريد العالمية.
ويشير في هذا السياق إلى أن الصين تواجه ضغوطًا متزايدة في قطاع الطاقة، دفعتها إلى الاعتماد على المخزون الاستراتيجي وتكثيف عمليات الشراء لتغطية احتياجاتها قصيرة الأجل، إلى جانب تراجع الإنتاج في بعض القطاعات بسبب صعوبات تسويقية.
أما في أوروبا، فيحذر من سيناريو أكثر حدة خلال الفترة المقبلة، مع احتمالات ظهور نقص في بعض السلع الأساسية نتيجة استمرار اضطراب سلاسل الإمداد، خاصة في قطاعات الزراعة والصناعات الغذائية والأسمدة، وهو ما قد ينعكس مباشرة على مستويات الأسعار والأمن الغذائي.
كما يثير النحاس تحذيرًا إضافيًا يتعلق بقطاع الطيران، مشيرًا إلى احتمالية حدوث أزمة في وقود الطيران قد تصل إلى النقص الحاد خلال فترة قصيرة، وهو ما قد يفرض قيودًا غير مباشرة على حركة السفر والنقل الجوي عالميًا، ويزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي.
وفي قراءته الأوسع للمشهد، يذهب إلى أن العالم لا يمر بمرحلة ركود اقتصادي تقليدي، بل يقترب من حالة أكثر تعقيدًا يمكن وصفها بـ"اختفاء بعض السلع من الأسواق"، في مشهد يعيد إلى الأذهان أزمات سلاسل الإمداد خلال جائحة كورونا، ولكن بامتداد جغرافي أوسع وأثر اقتصادي أكثر عمقًا.
ويشير النحاس إلى أن ما يحدث حاليًا لا يمكن فصله عن التوترات الجيوسياسية العالمية، خاصة بين الولايات المتحدة والصين، حيث تتداخل الأبعاد الاقتصادية مع اعتبارات النفوذ والسيطرة على الممرات التجارية الحيوية.
ويؤكد أن بعض الأزمات المتكررة عالميًا، سواء كانت صحية أو اقتصادية أو جيوسياسية، باتت تحمل في طياتها أبعادًا استراتيجية أعمق، تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوة في الاقتصاد العالمي بما يجعل المرحلة الحالية أقرب إلى إعادة هيكلة شاملة لمنظومة التجارة والطاقة العالمية.
وفي قراءة تركز على ديناميكيات سوق النفط وإدارة الأسعار، يوضح الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، لمصراوي أن مسار الاقتصاد العالمي في المرحلة الحالية لم يعد محكومًا بعوامل السوق التقليدية بقدر ما أصبح مرتبطًا بإدارة دقيقة لتوازنات جيوسياسية معقدة، تتصدرها العلاقة المتوترة بين إيران والولايات المتحدة، والتي تتحرك في إطار من التصعيد والتهدئة غير المستقرة بما ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة والتضخم والنمو العالمي.
ويشير أنيس إلى أن الاستراتيجية الأمريكية في التعامل مع سوق النفط تقوم على إدارة "سقف سعري غير معلن"، يستهدف الإبقاء على خام برنت داخل نطاق يتراوح بين 100 و120 دولارًا للبرميل، بما يحقق توازنًا بين احتواء التضخم العالمي من جهة، ومنع انهيار الحوافز الاستثمارية في قطاع الطاقة من جهة أخرى.
ويوضح أن تجاوز هذا النطاق قد يدفع الأسعار الفعلية لبعض الخامات إلى مستويات أعلى تصل إلى حدود 150 دولارًا للبرميل، وهو ما تسعى السياسات الحالية إلى تجنبه.
اقرأ أيضًا: من الفائض إلى العجز.. هل دخل النفط أزمة طويلة الأجل؟
وفي هذا السياق، يلفت إلى أن الأسواق تمر بمرحلة "تبريد مؤقت" للأسعار، عبر تهدئة حدة التوقعات والتصريحات السياسية، بما يسمح باحتواء موجات الصعود الحادة دون كسر الاتجاه العام المرتبط بارتفاع المخاطر الجيوسياسية، غير أن هذا الاستقرار يظل هشًا بطبيعته لارتباطه المباشر بمستوى التصعيد في الملف الإيراني.
وعلى الصعيد الجيوسياسي، يؤكد أنيس أن الأزمة مع إيران لم تصل إلى نهايتها، بل ما تزال في مرحلة تمهيدية قد تسبق جولات أكثر حدة من التصعيد، مرجحًا أن تتضمن المرحلة المقبلة تحركات أكثر مباشرة، قد تمتد إلى الداخل الإيراني نفسه، وهو ما يعني أن حالة عدم اليقين ستظل عنصرًا رئيسيًا في تشكيل توقعات الأسواق خلال الفترة المقبلة.
كما يشير إلى أن وجود تحولات داخلية متسارعة داخل إيران قد تؤثر على بنية القرار السياسي، في ظل تصاعد التوترات الأمنية وتعدد مراكز التأثير، وهو ما يضيف طبقة إضافية من الغموض على المشهد الإقليمي والدولي في آن واحد.
واقتصاديًا، يحذر أنيس من أن استمرار هذا النمط من الصراع سيؤدي إلى تباطؤ واضح في معدلات النمو العالمي، بالتوازي مع ارتفاع مستويات التضخم، نتيجة الضغوط المستمرة على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.
ويؤكد أن هذه الضغوط مرشحة للاستمرار طوال عام 2026، ما لم يحدث انفراج سياسي حقيقي يعيد ضبط توقعات الأسواق.
ويضيف أن سوق النفط شهد تحولًا هيكليًا مهمًا، حيث انتقل من حالة فائض كانت تقدر بنحو مليوني برميل يوميًا قبل الأزمة، إلى حالة عجز تتراوح بين 7 و10 ملايين برميل يوميًا، وهو تحول كبير يعكس تغيرًا جوهريًا في توازنات العرض والطلب العالمية ويدعم استمرار الضغوط السعرية في المدى المتوسط.
وفي هذا الإطار، يشدد أنيس على أن الحديث عن تعاف اقتصادي عالمي أو إقليمي لا يزال سابقًا لأوانه في ظل استمرار العمليات العسكرية وعدم وضوح مآلات التسوية السياسية.
ويرى أن الهدنة الحالية -في حال استمرارها- لا تمثل نهاية للصراع، بل مجرد مرحلة إعادة تموضع مما يعني أن الاقتصاد العالمي سيظل يعمل داخل بيئة عالية المخاطر وغير مستقرة لفترة ممتدة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يتضح أن مسار التعافي العالمي لا يرتبط فقط بتوقيت انتهاء الحرب، بل بقدرة الأطراف على حسم حالة التردد السياسي.
وبحسب تقديرات البنك الدولي، يتطلب التعافي استقرارًا طويل الأمد وإعادة بناء اقتصادات أكثر مرونة، بينما يشير وائل النحاس إلى أن استعادة التوازن قد تستغرق ما بين 8 إلى 12 شهرًا حتى في أفضل السيناريوهات.
في المقابل، يربط صندوق النقد الدولي سرعة التعافي بمدى احتواء الأزمة، محذرًا من أن أي تأخير في الحسم سيؤدي إلى تفاقم الضغوط الاقتصادية.
في المحصلة، تكشف الأزمة أن الاقتصاد العالمي لا يواجه فقط صدمة جيوسياسية، بل اختبارًا معقدًا لقدرته على التكيف مع بيئة يسودها عدم اليقين، فالتذبذب بين التهدئة والتصعيد لا يقل تأثيرًا عن الحرب نفسها، إذ يبقي الأسواق في حالة ترقب دائم ويؤجل أي تعافٍ محتمل.
ومع استمرار هذا المشهد، يصبح الاقتصاد العالمي رهينة لسرعة اتخاذ القرار السياسي، في وقت لم يعد فيه الاستقرار مرهونًا فقط بانتهاء الصراع، بل بإنهاء حالة الغموض التي تحيط به.
اقرأ أيضًا: بعد اتهامات سيناتور أمريكي لترامب: هل يتلاعب الرئيس بالأسواق؟ خبراء يوضحون