ما حكم نقل الميت قبل دفنه وهل تُصرف الزكاة في تكاليف نقله؟.. عالمة أزهرية تجيب
كتب : علي شبل
الدكتورة روحية مصطفى
تلقت الدكتورة روحية مصطفى، أستاذة ورئيس قسم الفقه الأسبق بجامعة الأزهر، سؤالا من سيدة تستفسر عن حكم نقل الميت قبل دفنه وهل تُصرف الزكاة في تكاليف نقله.
تقول صاحبة السؤال: يوجد شخص متوفى في دولةٍ أخرى، ويرغب أهله في نقله إلى مصر، ويستلزم ذلك مصاريف وتكاليف مالية، فهل يجوز لمن عليه زكاة مال أن يُسهم في نفقات نقل المتوفى من مال الزكاة؟ وهل تبرأ ذمته وتسقط عنه الزكاة بذلك أم لا؟
وفي بيان الرأي الشرعي في تلك المسألة، أوضحت العالمة الأزهرية أن المسألة المعروضة تشتمل على شقّين:
أولًا: حكم نقل الميت من بلد لآخر قبل دفنه
اتفق الفقهاء على أن نقل الميت قبل دفنه من البلد الذي تُوفي فيه إلى بلدٍ آخر إن لم تدعُ إليه ضرورة، وكان يترتب عليه انتهاك لحرمة الميت، أو تغيّر جسده، أو تعريضه للتلف أو الامتهان بسبب النقل، فإنه يحرم، ويجب دفنه في الموضع الذي مات فيه.
أما إذا لم تكن هناك ضرورة لنقله، وإنما كان الدافع رغبة أهله في دفنه بين ذويه، ولم يترتب على ذلك انتهاك لحرمته أو أذى لجسده، فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
القول الأول الحنفية: يكرهون نقل الميت إلى مسافة تزيد على مسافة القصر؛ لأنه اشتغال بما لا فائدة فيه، ولأن الأرض كلها كفات للميت، لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [سورة المرسلات: الآيتان 25–26]، ولأن مجرد تأخير دفنه أيامًا بسبب النقل كافٍ في تحقق الكراهة.
«وَلَوْ نُقِلَ مِيلًا أَوْ مِيلَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ النَّقْلَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدِ مَكْرُوهٌ، لِأَنَّهُ قَدْرُ الْمَسَافَةِ الَّتِي لَا يُكْرَهُ النَّقْلُ فِيهَا بِمِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ. وَهَذَا لِأَنَّهُ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ (62 ب) فَالْأَرْضُ كُلُّهَا كِفَاتٌ لِلْمَيِّتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا} [المرسلات: 25] {أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} [المرسلات: 26] . إلَّا أَنَّ الْحَيَّ يَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ لِغَرَضٍ لَهُ فِي ذَلِكَ»«شرح السير الكبير» (ص236):
القول الثاني المالكية: يجيزون نقل الميت قبل دفنه من مكان إلى آخر إذا لم يخلّ ذلك بحرمة الميت ولم يؤذه، فإن أخلّ بحرمة الميت أو أفضى إلى أذاه حرم نقله.
«وجاز نقل الميت من مكان إلى آخر قريب بحيث ترجى بركة الموضع المنقول إليه أو يكون بين أقاربه، بل هو حينئذ مستحب وبحيث لا ينفجر ولا تنتهك حرمته إذا كان المنقول منه حضرا لبدو، بل وإن كان من بدو لحضر» «شرح الخرشي على مختصر خليل - ومعه حاشية العدوي» (2/ 133):
القول الثالث الشافعية: لهم قولان؛ أحدهما بالتحريم، والآخر بالكراهة، وعِلّة المنع أو الكراهة عندهم تأخير الدفن المأمور بتعجيله شرعًا، وتعريض الميت لهتك حرمته.
«ويحرم نقل الميت إلى بلد آخر وقيل: يكره إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس»«منهاج الطالبين وعمدة المفتين في الفقه» (ص62):
القول الرابع الحنابلة: يكرهون نقل الميت لغير حاجة كراهة تنزيهية، ولا يُنقل إلا لغرض صحيح، كأن يُدفن في بقعة فاضلة أو لاعتبار معتبر.
«وحمل الميت إلى غير بلده لغير حاجة مكروه؛ لأنه أذى للأحياء والميت لغير فائدة.» «الكافي في فقه الإمام أحمد» (1/ 370):
وأضافت د. روحية، في بيان فتواها عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك: الراجح عندي أن أقوال الفقهاء متقاربة في الجملة، وهم متفقون على أمرين:
أنه لا يُنقل الميت بلا حاجة أو ضرورة معتبرة.
وأن حرمة الميت مصونة شرعًا، وأن تعجيل دفنه من حقوقه الواجبة على الأحياء.
وعليه، فإن القول بكراهة نقل الميت بدون حاجة كراهة تنزيهية هو الأقرب للاعتبار؛ فيُثاب أهل الميت على ترك النقل، ولا يأثمون إن اختاروا نقله ما لم يترتب على ذلك انتهاك لحرمته أو أذى لجسده.
ثانيًا: حكم دفع الزكاة لأهل المتوفى لتكاليف نقله
الأصل أن الزكاة لا تُصرف إلا في المصارف التي حدّدها الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60].
وبناءً على ذلك: لا يجوز دفع الزكاة مباشرة في مصاريف نقل المتوفى أو دفنه؛ لأن الميت ليس من أهل الزكاة، ولأن الزكاة تمليكٌ للأحياء المستحقين لها.
لكن إن كان أهل المتوفى فقراء أو مساكين، أو ترتب على نفقات نقله دين أثقل كاهلهم، جاز إعطاؤهم من مال الزكاة بوصفهم فقراء أو غارمين، لا على أن المال مخصص لنقل المتوفى، بل على أنه زكاة تُملَّك لهم، وهم أحرار في التصرف فيها بحسب حاجتهم، ومنها تكاليف نقل الميت إن شاءوا.
أما إذا كان أهل المتوفى غير محتاجين، أو قادرين على تحمّل هذه النفقات، فلا يجوز صرف الزكاة في ذلك، ولا تبرأ ذمة المزكّي بدفعها على هذا الوجه، وتبقى الزكاة واجبة في ذمته.. والله تعالى أعلى وأعلم.
اقرأ أيضاً:
هل فوائد البنك بعد بيع الشقة حلال أم حرام؟.. أمين الفتوى يجيب
هل يجوز وضع أظافر طبية بسبب تآكل الأظافر وهل تصح الطهارة معها؟.. أمين الفتوى يجيب
أسامة قابيل يقدّم 5 وصايا ذهبية لاستقبال شهر شعبان والتهيؤ لرمضان