• الفن "بيتكلم".. ورشة تمثيل بين مصريين وإسبانيين بدون لغة

    11:55 ص الثلاثاء 18 يونيو 2019
    الفن "بيتكلم".. ورشة تمثيل بين مصريين وإسبانيين بدون لغة

    ورشة مصرية أسبانية في القاهرة

    كتابة وتصوير- شروق غنيم:
    دون سيناريو أو تحضير؛ حدث كل مشهد بانسيابية، قرابة عشر ممثلين متدربين خمس مصريين ومثلهم إسبانيين، تحلقوا حول المدرب الإسباني بابلو، في ورشة مقامة بالقاهرة، لا يفهم كل واحد منهم لغة الآخر، بالنظرات والإيماءات والضحك أحيانًا تمكن كافة المشاركين من استيعاب الورشة، لم تعد الكلمات ذات معنى، إذ باتت لغتهم على مدار خمسة أيام هي الفن.

    قبل شهور سافر هشام إلى إسبانيا من أجل حضور ورشة تمثيل، التقى بالمدرب الإسباني بابلو وعضو شركة "ريا" العالمية للتمثيل، اندهش من قدرات الشاب المصري، كيف يمتلك تلك الموهبة، أن ينسلخ من شخصيته الأساسية ليصبح البطل المكتوب على الورق، دون أن يمثل ولو لمرة واحدة في أي عمل، فأخبره الشاب عن الورشة التي حضرها في القاهرة للمدرب رامي الجندي "اتخذت قرار المجئ إلى مصر لأقترب أكثر من طريقة التدريب في تلك الورشة" وهو ما حدث بالفعل.

    ١

    الأسبوع الماضي جاء بابلو وبصحبته مدربين آخرين وخمسة ممثلين من مدريد، ليتعاونوا مع شركة "Muse Art"، التي يُدرب بداخلها رامي الجندي، لأول مرة تزور الشركة الأسبانية "ريا" الشرق الأوسط "نحن نحاول التشبيك بين كافة الثقافات عبر الفن، زورنا بلدان عدة حول العالم، لكن لم يسبق لنا أن نحضر إلى بلد عربي، لذلك أنا سعيد الآن بتلك التجربة" يحكي بابلو لموقع مصراوي.

    قبل سبعة أعوام دخل الجندي عالم التدريب، قبلها شُغِف بتجربة الإخراج، لكن الصدفة قادته إلى طريق أكثر اكتمالًا "اشتغلت مدير فريق ممثلين، وقتها بدأت أدور على مناهج مختلف؛ عشان اشتغل بيها معاهم، ولا مهنج حسيت إنه مسّني أو إن ده اللي بدور عليه، فاتجهت لعلم النفس"، يؤمن المدرب الشاب أن الفن إنساني "ومن هنا بدأ منهجي، ٦٠٪ منه نفسي، إزاي الممثل يشتغل عشان يقدر يبني شخصية مش شبهه، ومن كتر ما يذاكرها، يتفاعل معاها تتلبسه تمامًا لحد ما يبقوا واحد".

    ٢

    يتذكر الجندي حين صار مدربًا للممثلة مروة ناجي في أولى خطواتها في عالم التمثيل "هنا فكرة إن يبقى في مدرب للممثلين غريبة، الناس كانو بيفتكروني المساعد بتاعها"، نالت وقتها الفتاة الشابة أربعة جوائز عن الدور الذي قامت به في مسلسل تفاحة آدم "ببقى مبسوط إني جزء من تاريخ الممثل".

    على مدار السبع سنوات صار المدرب الشاب رُكنًا في تكوين ممثلين عدة، في مسلسل "أبو البنات" درب خمسة وأربعين ممثلًا، بينما قابل قرابة ألف ممثل خلال الورشات التدريبية المختلفة "ومبشبعش من العدد، لإن كل شخص له بصمة، والبصمات دي مبتخلصش فطول الوقت عاوز تقابل ناس تانية"، يُذكر حين جاءه عرضًا العام الماضي بالعمل مدرب بشكل كامل في إحدى الأعمال "رفضت لإني حابب وقتي يكون مع الورشة ومنهجي".

    ٣
    في خمسة أيام اختبر الجندي شعورًا مختلفًا حين جاء المدرب الأسباني "الفن مفهوش تصنيفات زي ده شخص بيفهم أو ده أجنبي"، لأول مرة يخوض الطرفان فكرة التدريب دون استخدام الكلمات، وسط الممثلين يقف بابلو، يرتجل لغة غير حقيقية يخاطب بها العشر متدربين، في أول تدريب يمسك الإسباني بَكَرة، ويطلب من كل ممثل إلقائها إلى زميله ولكن باستخدام كلمة محددة، يسيطر الارتجال على المشهد فينادون بعضهم بعبارات مثل "أولوهولو".

    ٤

    لا صعوبة بالنسبة لبابلو في الورشة "نحن مختلفين في طريقة الشغل بسبب الثقافة لكن قريبين من بعض بسبب الفن"، يشبه الأمر برسامين لكل منهما طريقة مختلفة في استخدام الأدوات والرسم، لكن حين يلقيا نظر على لوحاتهم "بيكون فيه نفس التذوق الفني، التقابل في الفن أسهل من أي شئ آخر".
    ينتقل المدرب الإسباني إلى تدريب آخر، يحدث كل شئ بدون ترتيب، يترك للممثلين غزل الحكاية، في دائرة يقفون بينما يختار المدرب اثنين منهما لأداء مشهد ارتجالي، وحين يُريد المدرب الأسباني تغيير المشارك يوقف الحركة، فيتجمد انفعال الممثل حتى يُسلّم من بعده نفس رد الفعل لكن الحكاية تختلف.

    ٧٨٥٦
    في البداية اتسمت أداء كل ممثل بالهدوء، غير أن سرعان ما أخذت القصة منحنى أكثر توترًا، حين يشتد التوتر في الحكاية يحاول بابلو تخفيفها بإيماءاته، وحين يريدها أكثر تعقيدًا يطلق زفيرًا بشكل متسارع فيفهم الممثلون ما يريده، خُلقت حالة بين المدرب والمشاركين لم يستخدم كل منهما أي كلمات أو عبارات خلال الأداء.

    أمام الممثلين يجلس الجندي يراقب ما يحدث، يتفاعل مع الورشة أمامه ومشاهدها، يقف قليلًا ثم يعود إلى المقاعد كأحد المشاهدين، على وجهه تعلو أمارات الدهشة، الغضب، التوتر، والترقب مع كل مشهد جديد، يرى أمامه حدثًا عالميًا وإن كان في غرفة مغلقة صغيرة "في حالة بتحصل عندنا في مصر لأول مرة، التفاهم والتناغم ده بين الممثلين من غير ولا كلمة مش سهل".

    ٩١٠

    حين شارف رابع يوم للورشة على الانتهاء، تبلور ارتجال الممثلين في قصة عن الحب والغضب والغدر، تتآلف ردود الفعل بين الممثلين المصريين والإسبانيين، يندمج بابلو معهم فيخرج هاتفه لأول مرة منذ بدأ اليوم، يوثق بإعجاب أداء ممثلة مصرية، يحب بابلو لحظات معينة منها؛ حين يحدث شيئًا مضحكًا "أكثر لحظات استمتاعي حين يتفاجئ كل ممثل بثقافة الآخر، فيقعون في الضحك، أحب هذه اللحظة لأنها تمنحهم هدوء نفسي".

    للجندي معايير حين يختار فريق الورشة "أنا مش من النوع اللي بياخد فلوس الورشة وبعدين أقابل المشاركين لما تبدأ"، يعقد لقاءًا قبل انطلاقها لقبول المشاركين "في ناس لما بتقابلها بتحس إن عندها طاقة التمثيل حتى لو ممثلش ولا مرة، بالعكس دول بيكونو أروق وأحسن، حتى اللي مبشوفش عنده الطاقة بعتذرله وبقوله مش معناه إنك وحش لكن غيري يقدر يكتشفك ويشوفك".

    ١١

    طيلة أربعة أيام تُقام الورشة، المعايير الإنسانية هي ما تُهم الجندي "بيكون فيه ضغط بس محسوب، في ٣ أيام ممكن يذاكروا ١٥ ساعة"، فيما تبلورت أسس الورشة أكثر خلال الخمسة أيام برفقة بابلو "كل حدث من التعاون الفني يكون بذرة لشئ أكبر في المستقبل" يقول المدرب الأسباني فيما يعلن عن حدث أكبر عام ٢٠٢٠ في المكسيك "ستشارك كل المدارس التي تعاونت "ريا" معها على مدار عشرة سنوات، وبالطبع الورشة المصرية ستكون معنا".

    لم يُهدر بابلو وقتًا في زيارته لمصر، ذهب إلى المركز الثقافي الإسباني يحدثهم عن التجربة الفريدة التي تحدث في ورشة التمثيل "أردت إشراكه في الحدث كي يكون عونًا للممثلين الشباب هنا، يعلمهم اللغة الإسبانية حتى يتمكن من يحب الالتحاق بأي عمل مسرحي أو فني في إسبانيا"، فيما يتمنى أن يُبدي المركز الثقافي الاهتمام نفسه تجاه الحدث.

    ١٢

    انقضت الخمسة أيام، يشعر الجندي بأن ما أراده من منهجه قد حدث حتى أنه جذب ثقافة بعيدة عنا لتعلمها "محدش بيبقى مصدق إن خبرة اللي بيمثل نتاج الورشة بس"، بينما خاض بابلو تجربة لأول مرة حيث التمثيل والتدريب دون استخدام أي كلمات مشتركة، فيما أُثقل الممثلون بخبرة اثنين من المدربين لكل منهما طريقة لكن كما يقول المدرب الإسباني "الفن واحد لا يغيره اختلاف ثقافات ولا وجود حدود فاصلة".
    ١٣

    إعلان

    إعلان

    إعلان