• لحظات الغدر والوداع.. حكايات ضحايا "قرية الأفاعي" (معايشة بالصور)

    02:32 م الأربعاء 04 يوليو 2018

    كتبت - مها صلاح الدين:

    تصوير - منعم سامي ومها صلاح الدين:

    أعلن آذان العصر عن انتصاف اليوم، نفض صبري صاحب الـ17 عامًا يديه من غبار الأرض، وأسرع نحو المنزل، كان يود أن يقتات بعض اللقيمات ويرتاح. وقبل أن يشارك والديه الجلسة على "طبلية" الطعام القصيرة، لم يجد عليها ما يكفي لسد رمقهم، فمنح كل ما اكتسبه من يومية، لشراء مزيد من الطعام، وعاد مسرعًا إلى الحقل، على أمل الحصول على مهمة جديدة، تمنحه المزيد من الجنيهات.. لكنها كانت مهمته الأخيرة.

    صبري، صبي رزق به والده في الثمانين من عمره، وحيد والدته، لم يتم تعليمه الإعدادي، كان معاش الفلاح الذي يحصل عليه والده لا يكفي مصروفات علاجه، لذا نزل إلى العمل منذ الصغر، لم يكن أمامه خيارًا آخر، تمامًا مثل اليوم الأخير.

    كان يعرف وجهته جيدًا، أرض العم راضي المجاورة لمنزله المعرش بالبوص، أخبره منذ الصباح أنه بحاجة إلى تنظيف الأرض وإطعام البهائم، وبالفعل بدأ العمل. وبعد أقل من نصف ساعة، لاحظ صاحب الأرض الأربعيني علامات الإجهاد على وجه الصبي، أصر عليه أن يجلس ليستريح لدقائق، وما إن شبك أصابع يديه خلف رأسه، وألقى بجسده إلى الوراء، حتى باغتته اللدغة.

    "أنا اتلدعت يا عم راضي.. آفة (أفعى) قرصتني".. هكذا صرخ "صبري" في الرجل الذي كان على بعد نصف متر عنه، توقف مالك الأرض، لم يعرف للحظات ماذا عليه أن يفعل، هل يبحث عن الأفعى كي ينجو بنفسه، أم يبحث عن وسيلة ينقذ بها الصبي، لكن إجابة القدر كانت على مرمى البصر، قطعة من القماش ملقاة على الأرض، ربط بها الرجل ذراع صبري، حتى لا يسري سم الأفعى داخل جسده.

    في تلك اللحظة، انقبض قلب الأم، خرجت مسرعة من الدار لتجد وحيدها أعلى دراجة بخارية استوقفها "راضي" على الطريق، لتأخذه على مستشفى المحمودية. لم تكف الأم عن الصراخ، حاول الصبي أن يطمئنها بصوت واهن، وأقسم ألا يذهب إلى المستشفى إذا أصرت على الذهاب معه، فبقت على مضض واختفت الدراجة البخارية عن أنظار السيدة، التي حاول زوجها الذي شارف على إتمام القرن من العمر، أن يطمئنها، "هيرجع.. بسيطة إن شاء الله".

    وصل "صبري" إلى مستشفى المحمودية العام بعد 10 دقائق، وداخل الاستقبال، أسرعت طبيبة امتياز بحقنه بمصل مكافح للسم، وفكت رباط ذراعه، لكن أعراض الإعياء بدأت تجتاح جسده رويدًا رويدًا، تشنج وبدأت الذبذبات تزداد من ذراعه حتى قدمه، "إلحقني يا عم راضي.. أنا مش شايف"، انتفض الرجل الأربعيني، هرول نحو الطبيبة، كانت إجابتها "أعطيته المصل.. ليس بإمكاني فعل شيء آخر".

    غاب عن صبري الصوت والرؤية، لم يعد قادرًا على التعبير عما يشعر به، لكن ثمة انفعالات عصبية اجتاحت جسده، تحولت التشنجات البسيطة لارتطامات عنيفة أعلى السرير المعدني، وقتها اختفت طبيبة الامتياز، وظهر طبيب آخر، طلب من "راضي" شراء محلول جلوكوز وإبر طبية، تعجب الرجل الأربعيني من ذلك الطلب، كيف لمستشفى ألا يتوفر بها تلك المعدات البسيطة، لكنه كان لا يملك رفاهية الاعتراض، وأحضر المطلوب على الفور.. لكنه ما إن عاد كان كل شيء قد انتهى.

    حاول الطبيب أن يمهد الأمر "إذا أردتم توثيق الواقعة.. فسيتم تشريح الجسمان، ولن تستطيعوا استلامه اليوم"، أمر كان مرفوضًا لدى رجل يؤمن أن إكرام الميت دفنه، خاصة بعد أن حضرت الأم، التي انتابتها حالة من الانهيار العصبي.

    انقلبت "منية السعيد" رأسًا على عقب، اتشح الجميع بالسواد، دب الرعب في القرية التي يزيد عدد سكانها عن 20 ألف مواطن، فقد الأب المسن سنده، لم يعد يقوى على الثبات، تارة يرفض التعازي، وتارة أخرى يعزي نفسه بصوت واهن "أمانة.. ربنا عطاهاني وخدها"، قبل أن ينهار صارخًا "هو كان ابن موت.. من أول يوم كنت عارف إنه ابن موت".

    كانت وفاة صبري بمثابة مشهد مكرر أعاد أمام أعين الشيخ "عبد الباسط شلبي" مقتل شقيقه "عبد العزيز" الذي لم يكن قد أتم عامه الخامس والثلاثين بنفس الطريقة، "كان بيشق في الغيط بعد صلاة العصر.. داس عليها قرصته".

    توفي الرجل وترك ثلاثة بنات وصبي، بعد ساعة ونصف داخل مستشفى المحمودية، لم يتلقى فيها أي علاج، يتنهد شلبي وهو يتذكر سيرة شقيقه ويقول "الله يرحمه، وأحتسبه عنده من الشهداء".

    لم يكن صبري وشقيق الشيخ "عبد الباسط" الضحيتين الوحيدتين للأفاعي التي اجتاحت" منية السعيد"، وصل عدد القتلى إلى 4 أشخاص على مدار عامين، وتجاوز المصابون الـ 10، وقبل أن يدفن "صبري"، كان هناك مصابة جديدة.

    خرجت "دنيا"، فتاة ضئيلة الجسد أتمت العشرين من العمر للتو، تحمل "صينية" طعام كبيرة من بيت زوجها، وعبرت بها إلى الجانب الآخر من الشارع الرئيسي بقرية منية السعيد، حيث بيت والدها، وما إن نزلت قدمها من أعلى الرصيف إلى أرض الشارع، شعرت أنها دهست شيئا لزجا، سقطت "الصينية" التي كانت بين يديها، تناثر الطعام على الأرض، وقبل أن تنظر إلى الأسفل كانت "الآفة" -كما يطلق أهل القرية على الأفاعي- قد لدغتها وهرولت مسرعة نحو بيت يجاور منزل أبيها، أبوابه وشبابيكه المحطمة توحي بأنه مهجور منذ سنوات.

    صرخت الفتاة مستغيثة، خرج الأب على الفور، لم يكن لديه وقت للصدمة، ربط حبل حول قدم ابنته بإحكام، واصطحبها نحو الصيدلية ليشتري "موس حلاقة"، ويشق بيده مكان اللدغة الذي تورم على الفور.

    وبعد دقائق كانت الفتاة طريحة سرير معدني بمستشفى المحمودية، تلقت الترياق على الفور، وقائمة طويلة من العلاج، ومكثت هناك لساعات لإجراء بعض التحاليل، التي جاءت نتائجها مقلقة، فأُمر الطبيب بتحويلها على الفور لمستشفى كفر الدوار، التي أولتها إدارتها اهتمامًا خاصًا، بعد تعليمات وكيل وزارة الصحة بالبحيرة، حتى خرجت منها بعد يومين معافاة.

    "دنيا" كانت آخر المصابين في الأسبوع الأخير، لكن سبقها ضياء (31) عامًا، في اليوم نفسه، أصيب في غيطه، وهو يروي زرعه، بلدغتين من أفعى في ساقيه بعد أن حاول قتلها، تم تحويله لمستشفى السموم بالإسكندرية التي تبعد حوالي ساعتين ونصف من "منية السعيد".

    ونجح أهالي القرية في قتل ثلاثة أفاعي في اليوم نفسه، وحرقها بالحقول، حلقات متتالية مستمرة العرض، قتلي ومصابين، ورعب وحرق أفاعي، في "منية الأفاعي".. السعيد سابقاً.

    إعلان

    إعلان

    إعلان