• مسافر برة ومحتاج عملة.. البنوك بتقولك روح السوق السوداء

    12:02 م الإثنين 01 أغسطس 2016
    مسافر برة ومحتاج عملة.. البنوك بتقولك روح السوق السوداء

    عمرو الغضبان وعلي موسى

    كتبت– يسرا سلامة:
    بين العمل للسفر أو لأسباب أخرى، يواجه المسافرون أزمة التحويل من الجنيه المصري إلى العملة الأجنبية، بسقف يضعه البنك للتحويل، وما بين حق العميل في التحويل، وسلطة البنك في الحفاظ على العملات الأجنبية لديها، تدور الأزمة، خاصة وسط نزيف للجنيه المصري، وخروج نسبة كبيرة من العملة الأجنبية ومن الاحتياطي النقدي للبلاد.

    تلك السياسة تضع المصريين المسافرين للخارج بين "نار السقف" الذي لا يتعدى الألف دولار، وبين حتمية التعامل مع السوق السوداء للتحويل إلى دولارات أو يورو أو غيره من العملات، مصراوي استمع لعدد من عملاء البنوك الذين لجأوا إلى السوق السوداء بعدما أغلقت البنوك أبوابها، أو لم يجدوا ما يحتاجونه من عملة صعبة ما جعل البنك يضطرهم للتحويل لعملة أخرى للحصول على عملتهم.

    "التحويل حسب درجة العميل في البنك"
    علي موسى، مدرس مساعد تشريح في كلية الطب، عميل للبنك الأهلي. في منتصف يوليو الماضي كان موعد سفره إلى ألمانيا، طلب من البنك التحويل إلى عملة اليورو، بعدما قدم جواز السفر وتذاكر السفر، ليعرف أن سقفه في التحويل هو 500 دولار، والسعر كان مرتفعا بالسوق السوداء، فحاول مع موظف البنك بأن يحول نصف المبلغ للدولار والنصف الآخر لليورو، ليصطدم برفض البنك هو تحويل 400 يورو فقط.

    المبلغ الذي تم تحويله إلى الطبيب لم يكن شفهيا فقط، لكن موظف البنك دونه على جواز السفر الخاص به. اضطر الطبيب إلى اللجوء للسوق السوداء قائلا: "حولت تقريبا 100 يورو من السوق السودا، لان المبلغ اللي خدته من البنك ميكفيش 10 أيام، وكان لسة مدفعتش فندق وطيران". اضطر الطبيب بجامعة القاهرة إلى التحويل من السوق السوداء بسعر بين 12 أو 13 جنيه، في حين أن سعر البنك بحوالي ٩.٨٩ قرشا.

    قال الطبيب "الأزمة كبيرة وانعكاس لاقتصاد منهار، ودين داخلي وخارجي، وللأسف بيجوا علينا إحنا في الآخر".
    وكانت البنوك في فبراير الماضي قد خفضت حدود بيع الدولار للعميل المسافر بحسب درجة العميل، لتنخفض من 5 آلاف إلى 3 آلاف دولار لكبار العملاء، ومن 3 آلاف إلى ألفي دولار للعملاء المتوسطين، وألف دولار في المتوسط لصغار العملاء بدلا من ألفي دولار. كما قرر البنك المركزي إلغاء "الحد الأقصى" للإيداع والسحب النقدي بالعملات الأجنبية للأفراد، في الأول من مارس الماضي.

    قواعد البنوك المصرية في التحويل "شفهية"
    "قواعد التغيير للدولار أو اليورو شخصية جدا، وللأسف مفيش أي قواعد مكتوبة من أي بنك".. يقول عمرو الغضبان، محلل نظم وبرمجة، عن تعامله مع أكثر من بنك خلال الفترة الماضية كانت أحدثها منذ أسبوعين، مضيفا أن كل بنك تعامل معه للتحويل لعملة أجنبية تعطيه بحسب تقدير الموظف للعميل "البنك مش بيديك اللي انت محتاجه، لكن اللي هو شايفه، وللأسف القواعد "بتكتشفها وأنت على شباك موظف البنك".

    يضرب الغضبان مثلا ببنك "سي آي بي" الذي يعطي حد أقصى 250 دولار، لكنه حصل منه على 200 دولار فقط لأن حركة السحب والإيداع على حسابه كانت قليلة، وهو ما ذكره موظف البنك، فيما يعطي البنك الأهلي سقف 1000 دولار، لكنه يطلب من العميل الرجوع إلى فرعه الأصلي. عندما عاد عمر للفرع الأصلي قال له الموظف "ممكن تحول من أي فرع عادي"، أما البنك القطري الوطني فرفض التحويل لإن حسابه من أربعة أشهر فقط، يتابع عمرو "الأزمة الحقيقة أن القواعد شفهية ومفيش أي قواعد مكتوبة، وبتتغير من بنك لآخر، ومن فرع لآخر لنفس البنك، ده غير انك عشان تغير البنك بيجبرك تيجي قبل السفر بحوالي 4 أيام، وبيختم على الباسبور بالتحويل، رغم أن البنك لا يملك سلطة الختم على الباسبور".

    ختم البنك على الباسبور .. دليل "عدم تكرار التحويل"
    ليس لعملات الدولار واليورو فحسب، لكن أيضا الريال السعودي يواجه تلك الأزمة. يحكي محمد علي أن سفره الدائم وامتلاكه شركة سياحية تنظم رحلات حج وعمرة، دفعته لفتح حساب في السعودية لمواجهة تلك الأزمة، واضطراب سعر صرف الريال مقابل الجنيه. ويقول "بأمن نفسي عشان الظروف".

    غير أنه يلجأ مضطرا للسوق السوداء رغم امتلاكه رصيد "ريالي" بالبنوك المصرية، يقول "موسم الحج جاي ممكن احتاج مليون ريال لو معندكش المبلغ كامل هضطر ألجأ للسوق السوداء".

    لكنه يرى أن تحديد حد أقصى للسحب غير كافي خصوصا لمن لا يملك حساب بالبنك مما يضطره للجوء للسوق السوداء "زمان كانت مفتوحة التحويل لأي مبلغ، السنة دي حد أقصى ألف ريال. وبعد رمضان كان بـ 500 بس".

    إيناس حمدي، تعمل في مجال الأبحاث بمصر، تذهب للسفر أحيانا إلى ألمانيا أحدثها في 10 يوليو الجاري، ومن هناك حدثتنا من خلال موقع "فيسبوك" لتقول إنه قبل سفرها حصلت فقط من بنك مصر على 250 يورو، فيما جاء الرد حادا "التبديل بيتحدد على حسب المتاح.. العميل مبيفرضش علينا".

    الباحثة لديها أيضا حساب آخر بالعملة الأجنبية به دولارت، وتقول "طلبت من البنك أيضا تبديل تلك الدولارات باليورو، رفضوا، بعد ما قالولي لازم نشوف جواز السفر والتأشيرة ولازم مدير البنك يوافق، وهو اللي يقرر يديكي ولا لأ... في البنك بيسألوا دايما انتي رايحة فين".

    لجأت الباحثة تحت الأمر الواقع إلى السوق السوداء، لتواجه أيضا بارتفاع سعره عن سعر البنك "سعر اليورو في البنك 9.81 جنيه، لكن في السوق السوداء بـ 12.60".

    "سياسات اقتصادية فاشلة"
    وتفسيرا للأزمة، يقول رئيس مجلس ادارة نقابة البحث العلمي وأستاذ التمويل والاقتصاد خالد عبد الفتاح إن تحديد سقف النقود هو ظاهرة لأصل الأزمة، وهو نتاج "السياسات الفاشلة" التي تنتهجها الدولة تجاه الأزمات الاقتصادية، مضيفا أن تلك وسيلة اتخذتها الدولة من أجل الحفاظ على أكبر قدر ممكن من العملة الأجنبية، مشيرا إلى أن كل إجراءات التحويل من الجنيه المصري للعملات لن تتعدى 100 مليون جنيه.

    ويستطرد عبد الفتاح بأن ثمة معضلة أخرى تكمن في سماح الدولة بفتح الباب لاستيراد السلع الكمالية، وفي نفس الوقت تصرف من الاحتياطي النقدي على عدة مشروعات، مثل شراء شركة مصر للطيران 9 طائرات بقيمة 9 مليارات جنيه في الشهر الماضي، متسائلا: هل حركة الطيران لدى مصر سريعة ورائجة لصرف هذه المبالغ عليها في ظل أزمة الاحتياطي النقدي. وقال إن الحكومة ومسؤولي البنك المركزي "لا يملكون الرشد في الأداء الاقتصادي".

    وكان البنك المركزي المصري قد كشف أن الاحتياطي النقدي المصري هبط إلى نحو 16 مليار دولار بعد أن كان 18 مليارا في نهاية أغسطس الماضي، ويرجع الخبير الاقتصادي الأمر لأسباب عدة على رأسها المشروعات التي نفذتها الدولة في الفترة الأخيرة، مثل مشروع قناة السويس الذي تكلف -بحسب تصريح للفريق إيهاب مميش رئيس هيئة القناة في أغسطس الماضي- قرابة 7 مليارات و200 مليون دولار.

    ووضع الخبير بخلاف توقف استيراد المنتجات الكمالية حلا آخر لازمة الاحتياطي وهو توطيد الصناعة المصرية، وقال "تلك الأزمة هى فرصة عظيمة سياسيا إذا تم تنشيط الصناعة"، مضيفا أن ذلك أيضا من شأنه رفع قيمة العمالة المصرية، بدلا من اعتماد مصر على الاقتراض من البنك الدولي الذي يراه مدمرا الاقتصاد المصري.

    إعلان

    إعلان

    إعلان