ليلة النار في جبال إيران.. ماذا حدث في مواجهة الكوماندوز الأمريكي والحرس الثوري؟
كتب : محمد جعفر
صورة مواجهة الكوماندوز الأمريكي والحرس الثوري مولد
في ليلةٍ انحبست فيها أنفاس واشنطن وساد الصمت أروقة "غرفة العمليات" بالبيت الأبيض، تحولت جبال جنوب غرب إيران إلى مسرحٍ لواحدة من أعقد الملاحم العسكرية، لم يكن الأمر مجرد بحث عن حطام طائرة مفقودة أو طائر هارب، بل كان سباقاً مع الزمن ضد "كابوس" استراتيجي، حيث كانت العملية أشبه "بإبرة وسط كومة قش" من التضاريس القاسية، تفصلها شعرة رقيقة بين النجاة الأسطورية أو الوقوع في غياهب الأسر.
كواليس إنقاذ الطيار الأمريكي في أعماق إيران
أفاد ثلاثة مسؤولين أمريكيين لموقع أكسيوس أن القوات الخاصة الأمريكية نجحت في إنقاذ ثاني أفراد طاقم طائرة إف-15 المقاتلة التي أسقطت فوق إيران، وكان أحد الضباط، المختص بأنظمة الأسلحة، قد أصيب بجروح إثر قفزه من الطائرة يوم الجمعة، لكنه تمكن من التحرك سيرًا على الأقدام والفرار من الأسر في الجبال لأكثر من يوم كامل، متسلحاً بإرادته ومسدسه الشخصي فقط.
إسقاط الطائرة شكّل كابوسًا للجيش الأمريكي، إذ سارع الحرس الثوري الإيراني إلى الوصول للضابط المفقود في جنوب غرب إيران، وقد تم تنفيذ عمليات الإنقاذ لكلا عضوي الطاقم ضمن مهام سرية ومعقدة، قادتها وحدة كوماندوز متخصصة تحت غطاء جوي كثيف، أطلق خلاله القوات الأمريكية وابلًا من النيران، ليُغادر الجميع الأراضي الإيرانية بعد إتمام المهمة.
تفاصيل عملية الخداع الأمريكي
قبل تحديد موقع ضابط نظام الأسلحة، نفذت وكالة المخابرات المركزية حملة خداع متقنة داخل إيران، تضمنت نشر أخبار مفادها أن القوات الأمريكية قد عثرت على الضابط بالفعل وتحاول إجلاءه براً، وقد أبلغت الوكالة كل من البنتاغون والجيش الأمريكي والبيت الأبيض، وأمر الرئيس ترامب بإطلاق مهمة إنقاذ فورية.
مواجهات مباشرة بالأسلحة
وفي سياق متصل ووفقًا لمسؤول في البيت الأبيض تحدث لشبكة "سي بي إس نيوز،" شارك مئات من أفراد القوات الخاصة، مدعومين بعشرات الطائرات الحربية والمروحيات، في العملية، وخاضوا اشتباكات مباشرة مع جنود إيرانيين اقتربوا من موقع اختباء الطيار، إذ استخدمت القوات الأمريكية القنابل والنيران الكثيفة لتأمين المنطقة وإبعاد القوات الإيرانية، بينما ظل الضابط المفقود يقاوم بمفرده قبل وصول فرق الإنقاذ ونقله جواً إلى قاعدة عسكرية في الكويت لتلقي العلاج.
ووفقاً للتقارير، علقت طائرتي نقل أمريكيتين أثناء إجلاء فرق الإنقاذ، وأُرسلت ثلاث طائرات أخرى لاستكمال الإجلاء، مع تفجير الطائرات العالقة لمنع وقوعها في أيدي إيران.
في المقابل، نفت إيران صحة الرواية الأمريكية، وأكد الحرس الثوري أن القوات الأمريكية تكبدت "هزيمة مُذلة جديدة مماثلة لعملية طبس" 1980، مشيراً إلى أن مزاعم ترامب بشأن إنقاذ الطيار لا تعكس الواقع الميداني، وأن تفوق القوات الإيرانية ما يزال مستمراً.
بين نشوة النصر ومرارة "طبس" الثانية
ومن جانبه سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الأحد، لإعلان النصر ونجاح العملية، قائلًا إن الجيش الأمريكي نفّذ واحدة من أكثر عمليات البحث والإنقاذ جرأة في تاريخ أمريكا، وذلك بعد العثور على ثاني أفراد طاقم الطائرة إف-15 التي أسقطت في إيران.
وأضاف ترامب في منشور له عبر منصة "تروث سوشيال": "هذه هي المرة الأولى في الذاكرة العسكرية التي يتم فيها إنقاذ طيارين أمريكيين بشكل منفصل من عمق أراضي العدو".
بينما يحتفي البيت الأبيض بما وصفه بـ"المعجزة العسكرية" والنجاح في استعادة جنوده من فم الأسد، يرسم الحرس الثوري الإيراني مشهداً مغايراً تماماً؛ إذ أصدر بياناً يصف فيه الرواية الأمريكية بالادعاءات "اليائسة" للتغطية على هزيمة منكرة، ويرى الحرس الثوري أن ما حدث ليس إلا نسخة ثانية من "عملية طبس" عام 1980، مؤكداً إسقاط طائرات معادية وإذلال القوات المتسللة.
وأوضح الحرس الثوري في بيانه أن القوات الأمريكية تكبدت هزيمة جديدة وصفها بـ"المذلة"، بعد المحاولات الأمريكية اليائسة لإنقاذ الطيار ودخول طائرات العدو إلى وسط البلاد، وبالتنسيق بين القوات الجوفضائية والبرية والوحدات الشعبية وقوات التعبئة وقوى الأمن الداخلي، تم إسقاط طائرات العدو.
وبين صليل الرواية الأمريكية وضجيج الإنكار الإيراني، تظل الحقيقة تائهة في ممرات الجبال الوعرة؛ ففي الوقت الذي تعلن فيه واشنطن عن نجاح لوجستي معقد، يصر الحرس الثوري على أنها "سقطة" تضاف إلى سجل الانكسارات، ومع هذا التضارب الصارخ، يبرز السؤال الجوهري الذي يغذي الشكوك: لماذا لم تُفرج الإدارة الأمريكية حتى الآن عن صورة واحدة للطيار "العائد"، لتقطع بها قول كل خطيب وتنهي حالة الجدل الدائر بين (إجلاءٍ أسطوري) و(هزيمةٍ مذلة)؟.