أبو الغيط: الاعتداءات الإيرانية لا يمكن القبول بها أو تبريرها تحت أي ذريعة
كتب : وكالات
أحمد أبو الغيط
أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، أن التعاون بين مجلس الأمن وجامعة الدول العربية يمثل ركيزةً أساسية في مواجهة التحديات العالمية المتنامية، التي باتت تشمل أبعاداً صحية وبيئية واقتصادية متداخلة، إلى جانب تصاعد ظواهر الإرهاب والتطرف وتحديات الأمن الغذائي والمائي وتداعيات تغيّر المنا، وقد صارت جميعها عوامل مترابطة تؤثر بصورة مباشرة في استقرار الدول والمجتمعات، وتتطلب مقاربات شاملة ومتكاملة تسهم في تعزيز القدرة على الاستجابة الفعالة والوقاية من الأزمات.
جاء ذلك في كلمة الأمين العام لجامعة الدول العربية اليوم الخميس، أمام جلسة مجلس الأمن رفيعة المستوى حول التعاون بين جامعة الدول العربية ومجلس الأمن.
التعاون والتنسيق بين جامعة الدول العربية ومجلس الأمن
وتقدم الأمين العام في بداية كلمته بخالص التهنئة إلى مملكة البحرين؛ بمناسبة توليها رئاسة مجلس الأمن لهذا الشهر، معربا عن عميق التقدير للدور الهام الذي تضطلع به البحرين في أعمال المجلس.
كما ثمّن الجهود البحرين بإدراج هذه الجلسة الرفيعة المستوى في صدارة جدول أعمال المجلس خلال رئاستها، بما يعكس حرصكم الصادق على تعزيز أواصر التعاون والتنسيق بين جامعة الدول العربية ومجلس الأمن، ولا سيما في ظل الظروف الدقيقة والتحديات المتصاعدة التي تشهدها المنطقة والعالم.
وقال أبوالغيط، في الكلمة التي وزعتها الجامعة العربية، إن انعقاد الجلسة في هذا التوقيت بالغ التعقيد، يحمل إشارة مهمة بضرورة اضطلاع مجلس الأمن بمسؤولياته الكاملة في صون السلم والأمن الدوليين.
وأضاف أن لدى الجامعة العربية ودولها الأعضاء قناعة راسخة بأن مجلس الأمن يجب أن يكون الملجأ الحقيقي والتلقائي لكافة الدول التي تواجه اعتداءً أو عدواناً أو تهديداً لأمنها وسيادتها من أي طرفٍ كان، وأن لدى المجلس الصلاحية والقدرة على تصحيح الأوضاع ودعم الدول المتعرضة للاعتداء في حماية أمنها وسيادتها، بما يعزز من حالة الاستقرار والسلام والأمن في العالم وهي المسؤولية الأساسية لهذا المجلس بموجب الميثاق.
وتابع: "نحن على قناعة بأن تعزيز التعاون مع مجلس الأمن ليس خياراً، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة التهديدات المتشابكة التي تواجهها المنطقة العربية على نحو ما تتابعون جميعا".
ونوه بأن التجربة أثبتت أن الجامعة العربية شريكٌ فعّال وموثوق، إذ تعمل مع المجلس بلا كلل من أجل دعم جهود التسوية السياسية في عدد من الملفات العربية التي تقودها الأمم المتحدة، بما يُجسّد روح الفصل الثامن من الميثاق والدور الهام للمنظمات الإقليمية الأكثر استيعاباً لخصوصية أزمات المنطقة والأكثر إدراكاً لتعقيداتها.
وشدد على أن المنطقة العربية تواجه اليوم تحديا خطيرا وغير مسبوق في حدته وتأثيراته، إذ تواصل إيران اعتداءاتها اليومية بالصواريخ والطائرات المسيّرة على عدد من الدول العربية في انتهاك صارخ وسافر للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني ولميثاق الأمم المتحدة.
الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج
وجدد أبو الغيط إدانة جامعة الدول العربية الكاملة وبأشد العبارات لهذه الاعتداءات الإيرانية المتعمدة والغاشمة على كلٍّ من دول الخليج والمملكة الأردنية الهاشمية، وجمهورية العراق.
وقال أبو الغيط: "لقد استهدفت هذه الاعتداءات المتعمدة وغير القانونية الأعيانَ المدنية والبنية التحتية المدنية، بما في ذلك المطارات والموانئ والفنادق ومنشآت الطاقة والصناعة وخدمات الأمن الغذائي والمواقع الخدمية والمناطق السكنية والمقار الدبلوماسية والقنصلية، مما أودى بحياة مدنيين أبرياء وخلّف دماراً مادياً فادحاً".
ولفت إلى أن هذه الاعتداءات الإيرانية لا يُمكن القبول بها أو تبريرها تحت أي حجة أو ذريعة.. لا سيما وقد حافظت الدول العربية على سياسة حسن الجوار، وأعلنت بوضوح رفضها للحرب على إيران، ورفضت استخدام أراضيها وأجوائها كمنطلق لعمليات هذه الحرب.
أبو الغيط: ندعم كافة الجهود الهادفة إلى الوقف الفوري للحرب
وقال : "إننا ندعم كافة الجهود الهادفة إلى الوقف الفوري للحرب وللاعتداءات الإيرانية.. ونُشدّد هنا أمام مجلسكم على أن استمرار هذه الاعتداءات في انتهاك صريح لقرار مجلس الأمن رقم 2817 الصادر بتاريخ 11 مارس 2026، قد يُلقي على عاتق المجلس مسؤولية اتخاذ تدابير تلزم إيران بوقفها فوراً دون شروط، ونُحمل إيران المسؤولية الكاملة عن الآثار المترتبة على هذه الاعتداءات وفقاً لمقتضيات الميثاق والقانون الدولي.
وأشار إلى أن الاعتداءات الإيرانية تُعد أيضاً انتهاكاً جسيماً لأبسط مبادئ الأخلاق وحسن الجوار وحقوق الإنسان، ولن يكون من شأنها سوى تعميق العداء وتقويض فرص علاقات مستقبلية سوية تقوم على حسن الجوار والتعاون، وقد رحّبت الجامعة العربية في هذا السياق باعتماد مجلس حقوق الإنسان الأممي في 25 مارس 2026 قراراً يُعنى بالتداعيات الحقوقية لهذه الهجمات الآثمة.
وذكر أن الجامعة تدين بأشد العبارات الأعمال والإجراءات الإيرانية والتدابير الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة الدولية أو تهديد حرية الملاحة في باب المندب والمياه الدولية... مطالبا إيران بالوقف الفوري لجميع الهجمات ضد السفن التجارية والامتناع عن أي محاولات لإعاقة المرور المشروع أو تقويض حرية الملاحة وفقاً للقانون الدولي وما نصت عليه اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.. معربا عن تأييده في هذا الاطار المسعي البحريني لاستصدار قرار في هذا الخصوص من المجلس.
وأضاف: "لقد بذلت جامعة الدول العربية منذ نشأتها قبل ثمانين عاماً جهوداً متواصلة في التصدي لمحاولات إيران ممارسة ما يشبه حق الاعتراض على حرية العبور عبر هذا المضيق الحيوي، وكانت سبّاقة في التحذير من أخطار هذا السلوك على أمن الملاحة وإمدادات الطاقة.
واستذكر التحذيرات العربية المستمرة التي أُطلقت أمام مجلس الأمن بشأن الاعتداءات على منشآت نفطية سعودية عام 2019، وتخريب سفن تجارية سعودية وإماراتية في العام ذاته، ثم الاعتداء على مطار أبو ظبي بالطائرات المسيّرة عام 2022؛ وهي تحذيرات لم تؤخذ -للأسف- بالقدر المطلوب من الجدية في ذلك التوقيت.
وأبرز أن أزمة مضيق هرمز كشفت للعالم بأسره مجدداً مدى الترابط الوثيق بين أمن الشرق الأوسط ومصالح الاقتصاد العالمي. فالأمن المستدام والشامل في الشرق الأوسط يعد ضرورةً عالمية لا شأناً إقليمياً فحسب.
وتابع: " لا يمكن تناول مسألة تعزيز التعاون بين مجلس الأمن وجامعة الدول العربية دون التوقف ملياً عند القضية الفلسطينية، التي تظل في صدارة الأولويات العربية.. فعلى الرغم مما تحقق من تهدئة في غزة، إلا أن الأوضاع الإنسانية في القطاع لا تزال بالغة الصعوبة بل ومتفاقمة وتستدعي تحركاً دولياً عاجلاً وفاعلاً.
وأبرز إدانة الجامعة العربية للسياسات الاستيطانية التوسعية الاسرائيلية في الضفة الغربية، والتي تمثل انتهاكاً صارخاً لقرارات مجلس الأمن، وتقويضاً كاملاً وربما نهائياً لحل الدولتين، ومخالفة واضحة لأحكام القانون الدولي.
وحذر في هذا الخصوص من مُخطط إسرائيلي واضح ومتصاعد يهدف إلى تحقيق ضم عملي للضفة الغربية، عبر تسريع وتيرة الاستيطان على نحو غير مسبوق، والتسامح المُشين مع إرهاب المستوطنين الاسرائيليين الذي تزايدت وتيرته وحدته ضد المدنيين الفلسطينيين العزّل، وصولاً إلى إقرار دولة الاحتلال لقوانين عنصرية كالقرار الأخير والخطير الذي يسمح بإعدام الأسرى الفلسطينيين.
وأوضح أن الاستقرار المستدام في المنطقة لا يُمكن أن يتحقق من دون منح الشعب الفلسطيني حقوقه كاملة.. وأنه لا بديل عن حل الدولتين كصيغة حظيت بالإجماع الدولي الشامل.. وبحيث تتجسد الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
كما شدد على إدانة الجامعة العربية الغارات الإسرائيلية التي استهدفت أعياناً مدنية ومرافق تابعة للدولة اللبنانية، فضلاً عن استهداف مناطق سكنية في العاصمة بيروت، وتُحذر من المخاطر الشديدة التي تنطوي عليها مخططات دولة الاحتلال بتوسيع اعتداءاتها على لبنان.
وذكر أن الجامعة تؤكد تضامنها الكامل مع الدولة اللبنانية في كافة الإجراءات التي تتخذها لبسط سيادتها على كامل أراضيها، وندعم قرار مجلس الوزراء اللبناني الصادر بتاريخ 2 مارس 2026 بشأن الحظر الفوري للنشاطات العسكرية لحزب الله وتطبيق حصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية.
وقال أبوالغيط: "تواصلت على مدار العام المنصرم جهود الجامعة في الاضطلاع بدور فاعل في دعم جهود السلام في السودان، انطلاقاً من مسؤوليتها الإقليمية والتزامها بالحفاظ على استقرار وسلامة ووحدة أراضي دولها الأعضاء.. وقد حرصت الجامعة خلال مراحل تطور الأزمة السودانية علي تنسيق المبادرات السياسية والانخراط الوثيق مع الشركاء الدوليين والإقليميين، وفي مقدمتهم الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وتحفيز العمل متعدد الأطراف من خلال الآلية الخماسية، بهدف تيسير حوار سوداني-سوداني شامل يقود إلى استئناف المسار الانتقالي فور انتهاء الحرب الدائرة في البلاد.
وأضاف: "وقد استضافت الجامعة خلال الفترة من 8 إلى 10 مارس جولة مثمرة من المحادثات بين الآلية الخماسية وعدد من الأطراف المدنية والسياسية السودانية.. وتؤكد الجامعة في هذا الإطار على رفض أية ترتيبات من شأنها المساس بوحدة السودان أو تهديد سلامة أراضيه، وعدم القبول بوجود أطر موازية لمؤسسات الدولة، ونشجع جميع السودانيين علي التوصل إلى تسوية سياسية تُفضي إلى تشكيل حكومة مدنية منتخبة، وجمع السلاح وحصره في يد الدولة.
ودعا مجلس الأمن إلى العمل المشترك من أجل دعم جهود وقف إطلاق النار ومساندة المسار السياسي بما يُسهم في استعادة الأمن والاستقرار ويلبي تطلعات الشعب السوداني.
وجدد الأمين العام موقف جامعة الدول العربية الثابت في صون سيادة جمهورية الصومال الفيدرالية ووحدة أراضيها، ورفضها القاطع لأي محاولات تمس وضع إقليم الشمال الغربي للصومال أو تفرض أمراً واقعاً خارج إطار الشرعية الدولية.
وأدان الاعتراف الأحادي غير المسبوق الذي أقدم عليه الاحتلال الإسرائيلي بما يُسمى بإقليم أرض الصومال، وتعتبر ذلك مخالفة صريحة للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وعبثاً بسيادة الصومال ووحدة أراضيه من شأنه تقويض السلم والأمن الإقليميين وتهديد استقرار منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
كما أكد دعم الجامعة الكامل لمسيرة الدولة الصومالية في مواجهة الإرهاب وتعزيز دورها كدولة وطنية فاعلة قادرة على بسط سيادتها على كامل أراضيها.
ورحب باعتماد البرلمان الصومالي خلال مارس الماضي لدستور البلاد النهائي ودخوله حيز التنفيذ، معتبرةً ذلك خطوة مهمة في مسار استكمال بناء مؤسسات الدولة وترسيخ سيادة القانون.
كما ثمن الدور الإيجابي الذي يضطلع به الصومال من خلال عضويته في مجلس الأمن في تعزيز التعددية وخدمة القضايا العربية والأفريقية.
وقال: "كما نتابع مع الأمم المتحدة موضوعات هامة سواء الوضع في ليبيا أو في اليمن أو سوريا.. ونعمل قدر المستطاع واحيانا في ظل ظروف سياسية بالغة الصعوبة علي مساعدة جميع الاطراف للالتزام بمسارات سياسية تؤدي الي انها الازمات القائمة.
واستطرد قائلا: "أخاطب مجلسكم الموقر في هذا البيان الأخير لي بمناسبة قرب انتهاء فترتي كأمين عام لجامعة الدول العربية.. ولا يفوتني أن أتوجه بخالص التقدير وبالغ الامتنان إلى الصديق العزيز أنطونيو غوتيريش، الذي يُغادر منصبه أيضاً نهاية هذا العام.. فقد تخلّلت فترة قيادته للمنظمة مراحل غير مسبوقة من التحديات العالمية اختُبرت فيها تعددية الأطراف اختباراً عسيراً؛ ومع ذلك قاد سفينة العمل الدولي متعدد الاطراف بحكمة واقتدار مستنداً إلى رؤية رشيدة وحنكة سياسية رفيعة وبوصلة أخلاقية سليمة، أسهمت في الحفاظ على دور المنظمة الأممية وسط عواصف عاتية".
كما أكد حرص الجامعة العربية على تعزيز انخراطها مع الأمم المتحدة في تسوية القضايا العربية المطروحة على مجلس الأمن، من خلال تطوير أطر التعاون مع ممثلي الأمين العام المعنيين بملفات مناطق النزاعات في المنطقة، والاستعانة بالكفاءات العربية المؤهلة التي تمتلك فهماً عميقاً للخصوصيات الاجتماعية والثقافية في المجتمعات العربية، مما يُسهم في رفع كفاءة المبادرات الدولية وجعلها أكثر انسجاماً مع واقع المنطقة.
واختتم بقوله: "يخطئ من يظن أنه توجد حلول عسكرية للأزمات في منطقتنا.. فما يجمع الأزمات التي تناولناها هو الحاجة الملحة إلى حلول سياسية مستدامة تقوم على احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها وسيادة الدول ووحدة أراضيها وتعزيز دور المؤسسات الوطنية، مما يستدعي تنسيقاً أوثق بين مجلس الأمن وجامعة الدول العربية لضمان استجابة أكثر فاعلية وعدالة للأزمات.
وقال: " نُريد لمجلس الأمن دوراً فاعلاً، مترفعاً عن الانحيازات والمعايير المزدوجة.. ولا نرى بديلاً لهذا الدور من أجل عالم تسوده مبادئ القانون والعدالة.. وليس السياسات الأحادية أو منطق القوة والبطش".