إلى أي مدى سيضغط ترامب على كوبا؟ وما العواقب المحتملة على أمريكا؟
كتب : مصراوي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
لندن - (د ب أ)
من المنتظر أن يصبح الحصار الأمريكي المفروض على كوبا منذ 64 عاما أكثر صرامة، حيث اوقفت إدارة الرئيس دونالد ترامب إمدادات النفط الفنزويلي الرخيص عن الجزيرة، والتي تقدر بما يترواح بين 27 ألفا و35 ألف برميل يوميا، وتهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي قد تفكر في سد هذا النقص، وذلك وفقا للمحلل الأمريكي الدكتور كريستوفر ساباتيني، وهو باحث أول في شؤون أمريكا اللاتينية ببرنامج الولايات المتحدة وأمريكا الشمالية بمعهد تشاتام هاوس البريطاني (المعروف رسميا باسم المعهد الملكي للشؤون الدولية).
وقال ساباتيني في تحليل نشره المعهد إن توقف شريان الحياة النفطي هذا يأتي في وقت تعاني فيه كوبا بالفعل من أسوأ أزمة اقتصادية منذ ثورة 1959، وهي أزمة تسببت في انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي وتراجع احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية ونقص في إمدادات الغذاء والوقود.
و قال الرئيس ترامب إنه عرض اتفاقا على الحكومة الكوبية برئاسة ميجيل دياز كانيل، وأن الحكومتين تجريان مناقشات. ويواجه النظام الشيوعي الكوبي خيارا في غاية الصعوبة: إما الاستجابة لمطالب البيت الأبيض التي تهدد سلطته، على سبيل المثال، الإفراج عن السجناء السياسيين وإجراء انتخابات - أو اللجوء إلى القمع للتشبث بالسلطة في ظل أزمة إنسانية وشيكة قد تتحول إلى فوضى أو هجرة جماعية أو إلى كليهما.
ويرى ساباتيني أن القرار سيعتمد على ما تعرضه إدارة ترامب. ويفرض الحظر الأمريكي - الذي تم تقنينه في قانون الديمقراطية الكوبية في عام 1992، ثم في قانون الحرية والتضامن الديمقراطي الكوبي عام 1996- قيودا قانونية على ما يمكن أن يضمنه الرئيس الأمريكي كتنازلات. كما سيكون للجالية الكوبية الأمريكية، التي تتمتع بنفوذ سياسي كبير وأغلبية جمهورية، رأي في هذا الشأن.
وأشار إلى أن كل هذا يأتي مع تذكير، إن لم يكن تحذيرا، وهو أن كوبا ليست فنزويلا. على الرغم من أن ترامب قد يشعر بالجرأة بعد تدخله في 3 يناير الذي أطاح بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، وأبقى على نظامه وحكومته، فإن العوامل المؤثرة في كوبا تشكل تحديا مختلفا تماما لـ"عقيدة دونرو"، وهي (استراتيجية سياسية أمريكية مستحدثة، استلهمها الرئيس ترامب لتحديث عقيدة مونرو التاريخية، وتهدف إلى ترسيخ الهيمنة الأمريكية على نصف الكرة الغربي).
ولا تملك كوبا احتياطيات نفطية هائلة، ولا ثروات معدنية غير مستغلة. ولن تحقق الولايات المتحدة أي مكسب اقتصادي كبير من خلال تغيير الحكومة الكوبية. حتى صناعة السكر التي ساهمت في بناء كوبا قبل الثورة قد انهارت. كما أن كوبا، على الرغم من علاقاتها الوثيقة مع روسيا والصين وإيران، لا تمثل تهديدا للأمن القومي الأمريكي.
ولذلك فإن التوجه الأمريكي مدفوع إلى حد كبير بالأيديولوجيا، وآثار الحرب الباردة التي فشلت فيها 66 عاما و13 رئيسا أمريكيا في إسقاط العدو المعلن على بعد 90 ميلا من ساحل فلوريدا.
العوامل الكوبية
وأشار ساباتيني إلى أنه "على عكس حكومة فنزويلا الفوضوية والفاسدة"، شهدت الدولة الكوبية أكثر من ستين عاما من الحكم المتواصل تحت قيادة فيدل كاسترو ثم شقيقه راؤول، مما سمح للحزب الشيوعي بالهيمنة وإعادة تشكيل الحكومة.
وقد اعتنق المسؤولون الحكوميون والقوات المسلحة الثورية الكوبية أسطورة الثورة، وهم يخشون التغيير. كما أن امتلاك القوات المسلحة الثورية لقطاعات رئيسية في الاقتصاد- بما في ذلك السياحة والخدمات المالية المتكاملة في إطار شركات قابضة ضخمة- يساعد في ضمان ولاءهم.
ويرى ساباتيني أن مركز السلطة لا يزال غير واضح داخل النظام، حيث أن دياز كانيل زعيم شاب نسبيا، على الأقل مقارنة بـ"الزعماء التاريخيين" الذين حكموا البلاد منذ عام 1959. وبصفته مسؤولا مخلصا بالحزب، اختاره النظام المفلس أيديولوجيا ليحل محل راؤول كاسترو (94 عاما) في عام 2018، ولذلك فهو يجد نفسه في موقف صعب.
ويخيم إرث كاسترو على دياز كانيل، وبينما لا يزال يلقي خطابا ناريا مناهضا للأمريكيين، تظهر رفوف متاجر المواد الغذائية الحكومية الفارغة أن الثورة قد نفد وقودها.
في غضون ذلك، لا يزال أليخاندرو، نجل راؤول كاسترو، في السلطة، ويشغل منصبا غامضا في وزارة الداخلية. ويتردد أنه أصبح كبير المفاوضين عن النظام: وتفيد تقارير غير مؤكدة بأنه كان يجري حوارا مع الولايات المتحدة، على الرغم من أن هذه الادعاءات محل شك.
وقد أدت ستة عقود من السيطرة الشمولية والقمع إلى تفتيت المجتمع الكوبي، فلا توجد قيادة ديمقراطية في الانتظار، كما كان الحال في فنزويلا، تتمتع بشرعية شعبية نابعة من انتخابات. ولا يزال المجتمع السياسي والمدني الكوبي الصغير والمستقل منقسما ومعزولا داخليا.
وقد غادر العديد من معارضي النظام الشيوعي كوبا. ومنذ الثورة، "فر ما يتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين كوبي من وحشية النظام والانهيار الاقتصادي" باللجوء إلى الولايات المتحدة وإسبانيا ودول أمريكا اللاتينية (وتختلف الأعداد بشكل كبيرا نظرا لتعدد طرق الخروج وتوزع السكان).
وقد شكلت هذه الهجرة الجماعية صمام أمان مناسبا للنظام الكوبي، حيث ساعدت في إبعاد المواطنين الأكثر استياء عن الحياة السياسية والمدنية في الجزيرة. كما أدت إلى تكوين قوة سياسية كبيرة ذات دوافع سياسية قوية في الولايات المتحدة.
أهداف واشنطن.
لقد انتظرت الجالية الكوبية الأمريكية الكبيرة عقودا للعودة إلى الجزيرة. ويرغب الكثيرون في رؤية انهيار النظام الشيوعي للرئيس السابق فيدل كاسترو، وانتقال إلى الديمقراطية مثل ما حدث في أوروبا الشرقية عام 1989 وأوائل التسعينيات. ويشكل هذا خطرا سياسيا على ترامب.
ويرى ساباتيني أن هناك قيود قانونية على ما يمكن أن تقدمه إدارة ترامب للمواطنين الكوبيين والجالية الكوبية في أي اتفاق محتمل مع النظام الكوبي. فقد أعاد قانون الحرية لعام 1996 تأكيد الحظر الأمريكي كقانون.
كما أضاف القانون مجموعة من الشروط التي يتعين على أي رئيس قادم التأكد من توفرها حتى يتمكن الكونجرس من رفع الحظر. وتشمل هذه الشروط إقالة جميع أفراد عائلة كاسترو من الحكومة والإفراج عن السجناء السياسيين وعودة حرية التجمع والتعبير واتخاذ خطوات جادة نحو إجراء انتخابات تعددية.
وبينما كان الرئيس ترامب مستعدا لتجاوز رقابة الكونجرس في مغامرته الفنزويلية، فإن القيام بذلك في هذه الحالة قد يثير غضب مؤيدي الحظر، ومعظمهم من الجمهوريين.
أو ربما لا؛ فالولاء الحزبي الجمهوري والإيمان بأن ترامب يستطيع إحداث تغيير، حتى وإن لم يكن فوريا، قد يساعدان في الحفاظ على دعمهم له.
وبغض النظر عن ذلك، لن يكون تغيير القيادة في كوبا على غرار فنزويلا كافيا بموجب القانون الأمريكي لإعادة بناء علاقات اقتصادية هادفة. وأي وعود من النظام - سواء في ظل وجود القيادة الحالية أو بدونها - بالإفراج عن السجناء السياسيين في نهاية المطاف وتخفيف القيود المفروضة على الحريات الأساسية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، ستقابل بتشكيك مشروع من جانب نشطاء الديمقراطية وحقوق الإنسان والكوبيين الأمريكيين غير المنتمين لأي حزب.
واختتم ساباتيني تحليله بالقول إن السياسة الداخلية والقرب الجغرافي والتماسك النسبي للنظام الكوبي وحدود ما يمكن أن يقدمه ترامب في أي اتفاق محتمل، كلها عوامل تعني أن لعبة حافة الهاوية مع الحكومة الكوبية قد تؤدي إلى سلسلة من العواقب غير المقصودة. وقد تكون هذه العواقب أكثر عنفا وأخطر من الناحية السياسية مقارنة بتلك التي حدثت في فنزويلا. وفي دولة قريبة للغاية من الولايات المتحدة، يشكل هذا خطرا حقيقيا للغاية لسياسة الضغط التي يتبعها ترامب- وقد يثير غضب قاعدته السياسية أكثر بكثير مما أثارتها خطوته في فنزويلا.