أوروبا تواجه تصعيد ترامب.. هل تكتب جرينلاند نهاية الناتو؟
كتب : أسماء البتاكوشي
دونالد ترامب
بعد تصاعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن السيطرة على جزيرة جرينلاند ذات الحكم الذاتي ضمن المملكة الدنماركية، فإن أوروبا تواجه تحديًا غير مسبوق، نظرً ا لأن الهجوم على الجزيرة القطبية قد يؤدي إلى انهيار حلف الناتو، إذ أكدت رئيسة وزراء الدنمارك، ميته فريدريكسن، أن أي محاولة أمريكية للسيطرة على الجزيرة ستشكل أخطر اختبار للناتو منذ تأسيسه، محذرة من أن أي تحرك أحادي سيؤدي إلى تفكك التحالف وتهديد الأمن الجماعي لأوروبا.
وحذرت رئيسة وزراء الدنمارك، من عواقب كارثية، في حال شرع الرئيس الأمريكي في تنفيذ تهديداته بضم الجزيرة إما بالطريقة السهلة أو بالطريقة الأصعب في إشارة واضحة إلى استخدام القوة، إذ قالت فريدريكسن بأن ضم جرينلاند سيمثل نهاية حلف الناتو، ويتفق نيكولاس بيرنز، السفير الأمريكي السابق لدى الناتو، على أن الغزو الأمريكي "سيدمر الناتو".

وفي الوقت ذاته، تعمل عدة دول أوروبية، بقيادة بريطانيا وألمانيا، على تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، بما في ذلك اقتراح إنشاء مهمة مشتركة للناتو لحماية القطب الشمالي، وفق ما أوردته بلومبرج التي أضافت أن قادة أوروبا يسعون لإقناع ترامب بقدرة أوروبا والناتو على حماية أمن جرينلاند، في محاولة للحد من مخاطر السياسات الأمريكية الأحادية وضمان استمرار تماسك التحالف.
وتسعى هذه الخطوات الأوروبية إلى تعزيز المصداقية العسكرية للناتو، وطمأنة القادة الأوروبيين بأن الحلف لا يزال قادرًا على مواجهة التحديات الاستراتيجية في شمال الكرة الأرضية، خصوصًا في ظل المنافسة الروسية والصينية المتصاعدة.
وفي الوقت نفسه، يعكس هذا التوجه الأوروبي قلقًا متزايدًا من انسحاب الولايات المتحدة الجزئي من الالتزامات الأمنية التقليدية في أوروبا، وهو ما يعيد فتح النقاش حول مدى قدرة الناتو على الحفاظ على تماسكه في مواجهة تهديدات استراتيجية خارجية وداخلية.
من جانبها تقول صحيفة فايننشال تايمز، "إنه من المرجح أن يحاول بعض الأعضاء الأوروبيين في حلف الناتو الحفاظ على استمرارية الحلف، حتى لو غزت أمريكا جرينلاند، بحجة حاجتهم إلى الحماية الأمريكية من روسيا، لكن تحالفًا قائمًا على الدفاع المشترك لا يمكنه الصمود أمام هجوم أحد أعضائه على الآخر، ولن يكون لأي ضمان أمني أمريكي لأوروبا أي قيمة بعد ذلك، حتى لو حاول بعض الأوروبيين التشبث ببقايا الناتو، فإنه سيغرق في نهاية المطاف تحت أمواج شمال المحيط الأطلسي.

وأضافت فايننشال تايمز، من الواضح أن الخيار الأول للحكومة الأمريكية هو إجبار الدنماركيين على بيع جرينلاند. لكن حتى هذا سيمثل عملًا عدوانيًا غير مسبوق ضد حليف، وهو ما سيواجه حلف الناتو صعوبة في النجاة منه، لافتة إلى أنه لحسن الحظ، ورغم تهديدات ترامب، فإن أسوأ السيناريوهات لا تزال بعيد، فقد تُحوّل الأحداث في إيران وفنزويلا انتباه البيت الأبيض عن جرينلاند.
وفي حالة انهيار حلف الناتو إذ غزت الولايات المتحدة جرينلاند، فإنه سيكون على أوروبا توضيح ما يعنيه ذلك بالنسبة لواشنطن، حيث سيُثار التساؤل فورًا بشأن استمرار وجود القواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا، وقد يرحب البعض في أوساط ترامب بذلك، إذ يرون أن الدفاع عن أوروبا عبءٌ يمكن للولايات المتحدة الاستغناء عنه، حسبما أفادت فايننشال تايمز.
كما أن قطع العلاقات الأمنية الأمريكية مع أوروبا سيعني أن الاتحاد الأوروبي لن يشعر بالحاجة إلى الرد السلبي على تعريفات ترامب الجمركية، ويمكن حينها فرض تعريفات مضادة تُضاهي النسبة الأمريكية البالغة 15% المفروضة على أوروبا، إضافة إلى انهيار مبيعات الأسلحة إلى أوروبا، التي تُعدّ بالغة الأهمية لمصنّعي الدفاع الأمريكيين، مع تزايد حذر الدول الأوروبية من استخدام المنتجات الأمريكية في بنيتها التحتية الحيوية.
وقد تفرض شركات التكنولوجيا العملاقة في وادي السيليكون ضرائب ولوائح تنظيمية أشدّ صرامة، فضلًا عن انتشار مقاطعة المستهلكين للمنتجات الأمريكية، الشائعة بالفعل في كندا، في أوروبا - أكبر سوق خارجية للولايات المتحدة. ولن يكون تعزيز وصول الولايات المتحدة إلى السوق الروسية سوى تعويض ضئيل.

وأكدت الصحيفة أن مخاطر انفصال الدول الأوروبية عن الولايات المتحدة ستكون مرتفعة للغاية بالنسبة لواشنطن التي سيتعين عليها التحرك بسرعة لإبرام حلف أمني جديد يحل محل حلف الناتو، ويمكن للدول التي وقعت على رسالة مشتركة لدعم الدنمارك - بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا - أن تشكل أساس هذا التحالف، إلى جانب دول الشمال الأوروبي، حيث يمتلك الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة مجتمعين الثروة والعدد الكافي من السكان لردع روسيا. لكن ذلك سيكلف مبالغ طائلة وقد يتطلب خطوات مؤلمة، مثل فرض الخدمة العسكرية الإلزامية.
لكن في المقابل تمتلك أمريكا أيضًا أدواتٍ عديدةً لإثارة القلق في أوروبا ما بعد الناتو، فمن المؤكد أن إدارة ترامب سيسعى إلى تقسيم الاتحاد الأوروبي وإقامة شراكاتٍ خاصة مع أعضائه، أما الدول التي قد تقع في الفخ، كالمجر مثلًا، فستجد نفسها أمام خيارٍ صعب: إما الانحياز إلى الولايات المتحدة أو الاستمرار في عضوية الاتحاد الأوروبي، كما أن عقودًا من التعاون عبر الأطلسي قد خلقت تبعياتٍ اقتصاديةً يُمكن للولايات المتحدة استغلالها، من خلال توظيف كل شيءٍ، بدءًا من تحديثات البرامج وصولًا إلى الوصول إلى بطاقات الائتمان، كسلاحٍ سياسي.
تُعتبر بريطانيا عرضةً للخطر بشكل خاص نظرًا لعمق علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، فأجهزة الاستخبارات البريطانية والأمريكية مترابطة بشكل وثيق، ويستخدم الردع النووي البريطاني برمجيات وصواريخ أمريكية. وتبيع شركة بي إيه إي سيستمز، أكبر شركة دفاعية في بريطانيا، منتجاتها للولايات المتحدة أكثر مما تبيعه للمملكة المتحدة.
لذا، يعتبر الكثيرون في المؤسسة البريطانية نهاية حلف الناتو حدثًا غير مسبوق وخطيرًا، ليس فقط على بريطانيا، بل على أوروبا والولايات المتحدة أيضًا، لكن التاريخ شهد أحداثًا غير مسبوقة وخطيرة مرارًا وتكرارًا. وللأسف، فيما يتعلق بحلف الناتو، فقد حان الوقت للتفكير في ما لا يُتصور.