لماذا لا تريد باكستان أن تسقط حكومة إيران؟
كتب : مصراوي
نيكولاس مادورو
واشنطن - (د ب أ)
عقب الاختطاف الناجح للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، تكتسب فكرة أن إيران هي الهدف المنطقي التالي لتغيير النظام "التصحيحي" دعما في الأوساط المتشددة في واشنطن.
ويتصور المؤيدون لهذه الفكرة استئصالا سريعا للنظام في الجمهورية الإسلامية، يتبعه نظام مذعن وموال للغرب، ربما بقيادة نجل الشاه المخلوع، ولي العهد رضا بهلوي، وفقا للمحلل السياسي إيلدارماميدوف.
وقال ماميدوف، وهو خبير في السياسة الخارجية مقيم في بروكسل ويشغل منصب المستشار السياسي للحزب الاشتراكي الديمقراطي في لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الأوروبي، إن مايعزز ثقة المؤيدين لهذه الفكرة الاحتجاجات المتصاعدة في إيران، التي تحولت من تعبير عن إحباط جراء الوضع الاقتصادي إلى تحد لأسس الحكم.
وأضاف ماميدوف، في تقرير نشرته مجلة ناشيونال إنتريست الأمريكية، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حذر السلطات الإيرانية من أن الولايات المتحدة سوف تتدخل "لإنقاذ" المتظاهرين إذا ما تعرضوا للقمع، دون أن يحدد طبيعة الإجراء الذي سوف يتخذه.
وتأتي التهديدات الجديدة التي أطلقها ترامب في أعقاب التهديدات السابقة بمهاجمة ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية، والتي وجهها خلال اجتماعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ولكنّ فكرة أن النجاح التكتيكي لعملية فنزويلا يُشير إلى أن الولايات المتحدة يمكن أن تنفذ تغييرا سلسا للنظام في إيران، تعد قراءة خاطئة خطيرة للحقائق الإقليمية، حيث أن الشرق الأوسط ليس أمريكا اللاتينية.
ولن تفشل معاملة إيران مثل فنزويلا فحسب، ولكنها سوف تفجر أزمة متعددة الجبهات من بلاد الشام إلى جنوب آسيا، مما يثبت الحماقة المطلقة بأن نموذجا واحدا ينطبق على كل عمليات التدخل.
وبادئ ذي بدء، إيران لا تقع في نصف الكرة الغربي، الذي تعطيه استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة أولوية. وسوف يتطلب شن عملية مستمرة ضد بلد يبعد آلاف الأميال تعبئة للموارد، وتركيزا، وإرادة سياسية ربما لا يمتلكها الرئيس، المولع فيما يبدو بعمليات خاطفة يتم القيام بها لمرة واحدة.
وأظهرت استراتيجية استئصال جربتها إسرائيل خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو من العام الماضي محدوديتها، حيث تم تعيين قادة بدلا من القادة العسكريين الذين تم اغتيالهم بسرعة.
وتابع ماميدوف أنه حتى الإطاحة بالقيادة السياسية الحالية، بما في ذلك المرشد الأعلى آية الله خامنئي، ستتعارض مع ما يطلق عليه الباحث سينا توسي، الخبير في شؤون إيران بمركز السياسة الدولية بواشنطن، "بنية الأمن متعددة الطبقات للجمهورية الإسلامية" و"الحقائق السياسة التي تجعل التخطيط للإطاحة بالنخب تحت ضغط خارجي أمرا أكثر صعوبة".
وعلاوة على ذلك، تمتلك إيران، على عكس فنزويلا، قدرات عسكرية هائلة، بصفة خاصة صواريخها الباليستية وقدرة على عرقلة تجارة النفط عبر الخليج.
والأمر الأكثر أهمية هو أن العملية الأمريكية في فنزويلا لاقت دعما في أمريكا اللاتينية من حلفاء إقليميين مثل الأرجنتين والإكوادور، حيث أشاد قادتها علانية بالعملية بصفتها انتصارا للحرية.
وعلى النقيض تماما، يعارض أقرب حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط، باستثناء إسرائيل، بشكل فعال أي خطوة نحو حرب شاملة مع إيران.
وبسبب الخوف من تداعيات إقليمية كارثية، تسرع دول الخليج العربي، كالإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر، إلى خفض التوترات، حيث تحث واشنطن على اتباع الدبلوماسية وليس الصراع.
ولا تقتصر هذه المعارضة على منطقة الخليج العربي، حيث تمتد عبر المنطقة إلى الشركاء المهمين للولايات المتحدة في جنوب آسيا، وعلى وجه الخصوص باكستان، التي تحسنت العلاقات معها بشكل ملحوظ بعد لقاء الجنرال عاصم منير رئيس أركان الجيش الباكستاني مع ترامب في البيت الأبيض في يونيو الماضي.
ولا يتعلق الخوف الأكبر في إسلام آباد، مثلما في عواصم إقليمية أخرى، بصمود نظام طهران، بل تفككه العنيف.
وسوف يؤدي الفراغ إلى تمكين المسلحين الانفصاليين البلوش الذين يتحركون عبر حدود إيران وباكستان المشتركة التي يبلغ طولها 900 كيلومتر، حيث يمنحهم ذلك ملاذا جديدا شاسعا وموردا للأسلحة. ويثير شبح تدفق اللاجئين إلى باكستان قلقا بالغا آخر بشأن الأمن القومي.
ونظرا لأنها في حالة توتر مستمر مع الهند وتتصدي للهجمات الإرهابية من أفغانستان، فإن باكستان لا يمكنها أيضا تحمل تداعيات اندلاع حرب وزعزعة الاستقرار عند حدودها الغربية.
ولا يشير هذا التحليل إلى حل عسكري، بل إلى مسار دبلوماسي سلكته إدارة ترامب في النصف الأول من عام 2025، ثم تخلت عنه لصالح توجيه ضربات عسكرية إلى المنشآت النووية الإيرانية.
ويتعين على واشنطن دعم شركائها الإقليميين الذين لديهم مصلحة راسخة في الاستقرار، وباكستان واحدة منهم.
وتبدي إيران اهتماما مماثلا. وبينما تواجه التهديدات الأمريكية والإسرائيلية، استثمرت طهران بكثافة في تحسين مكانتها الإقليمية. والجدير بالملاحظة أن إيران رحبت باتفاقية أمنية بين باكستان والمملكة العربية السعودية، رغم أن علاقاتها كانت متوترة مع كلتا الدولتين في الماضي.
ومما يعزز مبرر قيام باكستان بدور ميسر محتمل حقيقة أن الولايات المتحدة قد استبعدت بدون تبصر وحكمة سلطنة عُمان، التي قامت بهذا الدور على نحو تقليدي وبنجاح. وبدأت الضربات الأمريكية الإسرائيلية في يونيو قبل اليوم الذي كان من المقرر أن تُجرى فيه مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في مسقط، الأمر الذي قوض مصداقية سلطنة عُمان كوسيط.
ومع ذلك، فإن الحافز لواشنطن للبحث عن مخرج من التوترات مع طهران لا يزال قائما اليوم كما كان في يونيو. وبدا أن ترامب نفسه يدرك ذلك من خلال شن ضربة واحدة ورفضه أن ينخرط أكثر في حرب لتغيير النظام.
ونظرا لأن البنية التحتية النووية الإيرانية تضررت بشدة، ولم يعد يتم في إيران تخصيب اليورانيوم - وهو الخط الأحمر الأمريكي، سيكون من الحكمة بالنسبة لترامب الاستفادة من الانتصار والسعي إلى عقد اتفاق، وليس الدخول في حرب مع طهران.
ويمكن أن تساعد باكستان في هذا المسعى، حيث أنها منخرطة بالفعل في جهود سرية لنزع فتيل التوترات، تلقى تقديرا من جانب كل من واشنطن وطهران. وليس الهدف هو جعل إسلام آباد مجرد حامل رسائل لواشنطن، ولكن الاعتراف بها كطرفٍ فاعل رئيسي، يعتمد استقرارها الوطني على منع نشوب صراع واسع النطاق.
وسوف تكون أي سياسةً تدعم بنشاطٍ تواصل باكستان الدبلوماسي مع طهران أرخص وأكثر فعاليةً من نشر حاملة طائرات واحدة ومجموعتها القتالية.
وشجعت عملية فنزويلا أولئك الذين يعتقدون أن أمريكا يمكنها إعادة تشكيل العالم بالقوة وحدها. ومن المرجح أن يثبت التدخل في إيران إفلاس هذه النظرية، لأنه سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة.
واختتم ماميدوف تقريره بالقول إن الخيار الاستراتيجي القابل للتطبيق يتمثل في اتباع دبلوماسية إقليمية دؤوبة لتجنب اندلاع حرب مدمرة. ويمر المسار للمضي قدما إلى الأمام عبر حنكة صبورة في إدارة شؤون الدولة في عواصم مثل إسلام آباد، وليس عبر المزيد من أساليب الصدمة والرعب.