الأفعال لا تزال محدودة.. حلفاء إسرائيل يطلقون تصريحات نارية بشأن غزة
كتب : مصراوي
قطاع غزة
لندن- (أ ب)
استخدم ثلاثة من حلفاء إسرائيل كلمات مثل "بغيض" و"وحشي" هذا الأسبوع لوصف أفعالها في غزة.
فقد عبر قادة بريطانيا وفرنسا وكندا، الذين دافعوا باستمرار عن حق إسرائيل في الرد على هجوم حماس في أكتوبر 2023، عن استيائهم من ارتفاع عدد الشهداء المدنيين في غزة والحصار المستمر منذ أشهر، والذي أدى إلى تحذيرات من مجاعة.
ورغم أن لهجتهم كانت قوية بشكل لافت، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن خطوات صارمة ستتبعها.
ماذا قالت فرنسا وبريطانيا وكندا؟
وصف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الهجوم الإسرائيلي المتجدد على غزة بعد هدنة استمرت شهرين بأنه "غير متناسب تماما". وهددوا باتخاذ "إجراءات ملموسة" إذا لم توقف حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هذا الهجوم وتخفف القيود المفروضة على المساعدات الإنسانية.
كما أدانوا بعض التصريحات الصادرة عن أعضاء في الحكومة الإسرائيلية والتي تشير إلى أن تدمير غزة سيؤدي إلى دفع الفلسطينيين نحو مغادرتها، ووصفوا تلك التصريحات بأنها "بغيضة".
وقال ستارمر إنه "مذعور" من تصعيد إسرائيل للصراع، الذي أسفر عن مقتل أكثر من 53 ألف شخص في غزة، أكثر من نصفهم من النساء والأطفال، وفقا لمسؤولين محليين في القطاع الصحي، الذين لا يميزون في إحصاءاتهم بين المدنيين والمقاتلين.
ووصف وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي إجراءات إسرائيل في منع إيصال المساعدات إلى غزة وتجديد هجومها العسكري بأنها "وحشية"، في حين وصفت وزيرة بريطانية أخرى، جيني تشابمان، تلك الخطوة بأنها "بغيضة". أما وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، فقال إن "العنف الأعمى" لإسرائيل حوّل الأراضي الفلسطينية إلى "مكان للموت".
لماذا تتحدث هذه الدول الآن؟
لقد بدأت هذه الدول، الحليفة التقليدية للولايات المتحدة، بالتنسيق فيما بينها بشكل متزايد منذ أن أحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اضطرابا في النظام العالمي، بفرضه تعريفات جمركية واسعة، وانتقاده للاتحاد الأوروبي، الذي تُعد فرنسا عضوا رئيسيا فيه، وإعرابه عن رغبته في جعل كندا الولاية الأمريكية رقم 51.
جميع هذه الدول الثلاث يقودها قادة من التيار الوسطي، وتتقارب أهدافهم ورؤاهم للعالم. كما يسعون إلى توحيد مواقفهم قبيل قمة مجموعة السبع التي يستضيفها مارك كارني في ألبرتا بكندا في يونيو/حزيران المقبل.
وقالت برونوين مادوكس، مديرة المعهد الملكي للشؤون الدولية "تشاتام هاوس" في لندن، إن الغضب من الحرب في غزة يتراكم تدريجيا، حتى من بعض المسؤولين في الولايات المتحدة، الحليف الأقرب لإسرائيل.
وأوضحت أن بيان بريطانيا وكندا وفرنسا ربما جاء "مدفوعا على المستوى السياسي بتصور أن الولايات المتحدة بدأت تغير موقفها قليلا، وأن دونالد ترامب نفسه أصبح أكثر تشددا تجاه إسرائيل، وخصوصا فيما يتعلق بمطالبته لها بالسماح بدخول المزيد من المساعدات."
هل تبعت بريطانيا وفرنسا وكندا أقوالها بأفعال؟
أوقفت بريطانيا محادثات اتفاقية التجارة مع إسرائيل، واستدعت السفيرة الإسرائيلية في لندن، تسيبي حوتوفلي، في محاولة لزيادة الضغط على حكومة نتنياهو. كما فرضت الحكومة البريطانية عقوبات على ثلاثة مستوطنين في الضفة الغربية، وعلى بؤرتين استيطانيتين غير قانونيتين، بالإضافة إلى منظمتين متهمتين بـ"دعم العنف ضد المجتمع الفلسطيني".
لكن مديرة معهد تشاتام هاوس، برونوين مادوكس، قالت إن العقوبات التي أعلنتها بريطانيا محدودة الأثر، ووصفتها بأنها "تقع بوضوح في أدنى درجات سلم الإجراءات الممكن اتخاذها".
أما كندا وفرنسا، فلم تعلنا عن أي خطوات جديدة محددة حتى الآن.
وقال مكتب كارني إن الحكومة "تُقيّم خياراتنا بالتشاور مع الشركاء". وكانت أوتاوا قد فرضت العام الماضي عقوبات على مستوطنين متطرفين في الضفة الغربية وأوقفت صادرات الأسلحة إلى إسرائيل.
لماذا لا يذهبون إلى أبعد من ذلك؟
يضطر القادة إلى الموازنة الدقيقة بين تصريحاتهم وإجراءاتهم وسط ضغوط متعارضة. فلم يصف أي منهم أفعال إسرائيل بأنها "إبادة جماعية"، رغم الضغوط القوية من مؤيدي القضية الفلسطينية لاتخاذ هذا الموقف.
ويواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون معضلة حساسة في ظل الانفعالات والغضب اللذين أثارتهما الحرب داخل الجاليتين اليهودية والمسلمة في فرنسا، وهما الأكبر في أوروبا الغربية.
وقال ديفيد ريجوليه-روز، الباحث في المعهد الفرنسي للتحليل الاستراتيجي، إن فرنسا تحاول الحفاظ على توازن بين الجاليتين، لكنها تجد نفسها أحيانا في وضع "توازن هش وغير مستقر".
ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، "يُفسّر هذا التأرجح من طرف إلى آخر، بحثا عن نقطة التوازن التي يصعب العثور عليها"، على حد تعبيره.
وترى فرنسا أيضا أنها مدافعة عن القانون الدولي، وأصبح من الصعب على الحكومة تجاهل الاتهامات الموجهة لإسرائيل بشأن سلوكها في غزة، خصوصا في الوقت الذي تمارس فيه ضغوطا على روسيا لاحترام القانون الدولي في أوكرانيا.
ويولي كير ستارمر، المحامي السابق في مجال حقوق الإنسان، أهمية كبيرة لاحترام القانون الدولي.
وواجه حزب العمال، الذي يتزعمه ستارمر ويتخذ موقفا وسطا يساريا، ضغوطا من الناخبين المسلمين الذين كانوا تاريخيا من مؤيدي الحزب بأعداد كبيرة. وخسر الحزب عدة مقاعد في الانتخابات الوطنية الأخيرة لصالح مرشحين مستقلين مؤيدين للفلسطينيين، وذلك بعد أن رفض ستارمر في البداية الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة.
وفي الوقت نفسه، يبدي ستارمر حساسية تجاه الاتهامات بمعاداة السامية داخل حزبه. وعمل جاهدا على إصلاح العلاقات مع الجالية اليهودية التي توترت خلال قيادة سلفه المؤيد بقوة للفلسطينيين، جيريمي كوربين.
ما الذي سيحدث بعد ذلك؟
أفادت صحيفة فايننشال تايمز بأن المملكة المتحدة تدرس فرض حظر سفر وتجميد أصول بحق اثنين من الوزراء المتطرفين في حكومة نتنياهو، وهما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن جفير.
ولم يعلق ديف بيرس، المتحدث باسم ستارمر، على التقرير، لكنه قال: "نحن دائما نُبقي نظام العقوبات قيد المراجعة".
وتعد العقوبات المستهدفة التي تفرضها بريطانيا، مثل تعليقها لمحادثات التجارة مع إسرائيل، رمزية إلى حد كبير. ويقوم الاتحاد الأوروبي، الذي يعد كيانا أكبر بكثير، بمراجعة اتفاقه التجاري الطويل الأمد مع إسرائيل أيضا.
وقال ريجوليه-روز، المحلل الفرنسي: "لن يغير ذلك سياسة نتنياهو، لكنه يمثل إشارة من الاتحاد الأوروبي بأكمله بأنه توجد، في الواقع، حالة من التحدي تجاه الحكومة الإسرائيلية".
لكن التكتل المكون من 27 دولة ليس موحدا. فألمانيا، التي تعد حليفا قويا لإسرائيل، لم تنضم إلى جيرانها في تصعيد النقد، وتمسكت بخطاب يقر بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، مع توجيه انتقادات لسلوكها في غزة والدعوة إلى تقديم مساعدات إنسانية. لكنها تجنبت استخدام لغة حادة.
من جانبه، قال رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، دومينيك دو فيلبان، إن البيان الثلاثي للدول، رغم لغته القوية، يفتقر إلى الإجراءات الفعلية، ويعكس عجزا دوليا في مواجهة ما تقوم به إسرائيل. ودعا إلى تعليق الاتفاقات التجارية الأوروبية مع إسرائيل، وفرض حظر على تصدير الأسلحة، وتقديم القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين إلى المحكمة الجنائية الدولية.
وأضاف خلال حديثه لإذاعة فرانس إنفو: "ما الذي يجب أن يحدث لكي يتحرك القادة الأوروبيون والغربيون عمليا؟ هناك جرائم حرب، وهناك جرائم ضد الإنسانية، وهناك خطر بوقوع جريمة إبادة جماعية. لا يمكننا الانتظار".