• "محاكمة الدواعش".. هل تشتري فرنسا راحتها من العراق؟

    09:28 م الأحد 16 يونيو 2019
    "محاكمة الدواعش".. هل تشتري فرنسا راحتها من العراق؟

    محاكمة الدواعش

    كتب - هشام عبد الخالق:

    يقف مصطفى مرزوقي داخل محبسه بإحدى قاعات المحكمة في العراق، ذائغة عيناه، يرتجف جسده في انتظار نطق الحكم الذي سيحدد مصيره.

    بدأ الاستجواب بينما كان مرزوقي يرد بلغة عربية ركيكة غلبها الصمت في أحيان كثيرة، قبل أن ينفجر في القاضي قائلاً بالفرنسية: "لا يوجد جدوى من الحديث. فمهما قلت ستحكم عليّ بالإعدام"، وهو ما حدث بعد ما يقرب من الساعة، بحسب ما تذكر مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية في تقرير لها.

    تقول المجلة إن مصطفى المرزوقي، هو أحد الفرنسيين الـ 11 الذين حكمت عليهم محاكم عراقية بالإعدام شنقًا في سلسلة من المحاكمات، استمرت في الفترة من 26 مايو حتى 3 يونيو، بعد القبض عليه في سوريا على أيدي قوات سوريا الديمقراطية.

    توضح المجلة، في تقريرها الذي نُشر السبت، أن قضية مصطفى وزملائه الـ 10 الآخرين، كانت أولى القضايا التي شهدت عملية نقل مواطنين أجانب من العراق إلى سوريا لمحاكمتهم، في حل تجريبي للمشكلة التي تواجه العديد من الدول الأوروبية التي تركها مواطنوها للقتال لصالح تنظيم داعش، ولا تريد عودتهم، في الوقت الذي لا تتمتع فيه قوات سوريا الديمقراطية بالسيادة القانونية الكافية لمحاكمة هؤلاء.

    وترى المجلة أن نقل المقاتلين الأجانب إلى العراق يسمح لأوروبا بتهميش هذه المشكلة، لكن بعض المصادر من الجانبين العراقي والأمريكي تزعم أن العراق يريد أن يحصل على المال مقابل محاكمة الأجانب.

    وبحسب المجلة الأمريكية، فإن مسؤولين غربيين كبار قالوا إن العراق يريد مبلغ 10 مليارات دولار مقدمًا، بالإضافة إلى مليار دولار إضافي سنويًا لاستقبال المحتجزين، بالإضافة إلى مليوني دولار عن كل مشتبه به كل عام.

    وأنكرت الحكومة الفرنسية أنها دفعت أي أموال للعراق، بحسب ما ذكره تقرير لوكالة "رويترز" هذا الأسبوع.

    وتقول المجلة إن ما يقرب من 800 إلى 1500 مقاتل أجنبي من دول عدة من ضمنها فرنسا، المملكة المتحدة وألمانيا، لا يزالون محتجزين لدى قوات سوريا الديمقراطية في سوريا.

    ويرى جين تشارلز بريسارد رئيس مركز تحليل الإرهاب في فرنسا، أنه طالما كان الرأي العام ضد عودة هؤلاء المقاتلين الأجانب، فإن بقاء هؤلاء في سوريا ونقلهم للعراق يمثل بداية عصر جديد من الظلم.

    ويضيف بريسارد للمجلة: "أعتقد أن هذه هي الموجة الأولى فقط من المحاكمات وأتوقع موجات أخرى في المستقبل، ومما نعرفه فإن المحاكمات كانت سريعة للغاية، ولم يكن هناك سوى القليل من الوقت فقط أمام الدفاع. وهذا ضد قيمنا الخاصة بالعدالة".

    وبالنسبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لم يكن حل مشكلة عودة مقاتلي داعش الأجانب سهلاً، خاصة بعد أن واجه ثورات غضب تطالبه بعدم استقبالهم بعد أن تذكر الفرنسيون الهجمات المميتة التي وقعت في فرنسا وخلفت 130 قتيلًا في 2015.

    والتقى ماكرون الرئيس العراقي برهم صالح، وبعد مناقشات ومؤتمر صحفي مشترك، تعهد الأول بزيادة دعم فرنسا العسكري والاقتصادي للعراق.

    وتقول ميريام بينراد، باحثة بمعهد البحوث والدراسات حول العالمين العربي والإسلامي في فرنسا: "أعتقد أن هذه الصفقة تمت الموافقة عليها أثناء لقاء ماكرون وصالح. وقال العراقيون للفرنسيين حينئذ نحن مستعدون لإبقاء المقاتلين الأجانب لدينا، ولكن هذا سيكلف الكثير من الأموال، ومساعدات خاصة في المجالات العسكرية".

    وأعلن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، بعد انقضاء المحاكمات، أن المتهمين نالوا عقوبات عادلة ومحاكمات نزيهة، وهي التصريحات التي أدانها الكثير من نشطاء حقوق الإنسان والمحامون في فرنسا، ولكن على ما يبدو -بحسب المجلة- فإن الرأي العام الفرنسي يتفق مع الحكومة على ضرورة إبقاء المقاتلين الأجانب بعيدًا عن الحدود الفرنسية. حيث صوت 89% ممن شملهم الاستطلاع على أن الحكومة الفرنسية لديها كل الحق في إبقاء محاكمة المتهمين داخل العراق.

    وترى بينراد، الباحثة الفرنسية، أن هذه التصريحات التي أدلى بها لودريان "سياسية بحتة"، وأنه يعرف أن الشعب الفرنسي لا يرغب في عودة المقاتلين الأجانب مرة أخرى، كما أن الفرنسيين يرون إعدام هؤلاء بمثابة انتقام للضحايا الذين سقطوا في 2015.

    وتقول المجلة إن النظام القضائي في العراق يشتهر بانتهاكاته، وتستمر المحاكمات لـ10 دقائق فقط بل إعلان الحكم، كما أن التعذيب والاعترافات المنزوعة قسرًا كلها أمور تم الإبلاغ عنها من قبل، مشيرةً إلى أنه إذا دفعت دولة ما مبلغ من المال لمحاكمة رعاياها داخل العراق، فإن هذا يعد انتهاكًا للقانون الدولي بشكل يجعل فرنسا -في حال دفعت أموالاً للعراق- متواطئة في عمليات التعذيب.

    وترى المجلة أنه حتى إذا لم تكن فرنسا دفعت أموالاً للعراق لمحاكمة مواطنيها، فهي لم تعترض على نقلهم إلى الدولة المعروفة بتطبيقها عقوبة الإعدام في قضايا الإرهاب على نطاق واسع.

    ويقول أحد محاميي حقوق الإنسان -رفض ذكر اسمه- للمجلة، إن انتزاع المعلومات عن طريق التعذيب أمر شائع في هذه الحالات. فيما نقلت المجلة عن أحد القضاة الذين يصدرون أحكام الإعدام، قوله: "لا أعرف كيف عومل هؤلاء في النيابة أو الحبس، لكنهم اعترفوا هنا في المحكمة، وهذا كاف بالنسبة لي".

    وتضيف المجلة أن المحامين أنفسهم الذين تم توكيلهم للدفاع عن المتهمين لا يحظون بفرص لقاء موكليهم، وأن أطول فترة لقاء بين محامي وموكله لا تتخطى 30 دقيقة، وكانت في نفس يوم المحاكمة.​

    إعلان

    إعلان

    إعلان