إعلان

100 أكلة وأكلة.. كتاب تتذوقه

الكاتب الصحفي الدكتور ياسر ثابت

100 أكلة وأكلة.. كتاب تتذوقه

د. ياسر ثابت
07:00 م الثلاثاء 30 مايو 2023

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

هذا كتابٌ يستحق أن يقتنيه القارئ الهاوي والباحث المتخصص والطاهي المحترف على حدٍ سواء.

إن كتاب د.أسامة القفاش "100 أكلة وأكلة: فنون الطهي حول العالم" (المحرر، 2023)، الصادر في طبعة قشيبة وبغلافٍ جذاب، لا يكاد يغادر تفصيلة واحدة تحيط بموضوع كتابه إلا وشرحها وأضافها بأسلوبه الرشيق الممتع وسرده الأنيق المحبب، الذي يجعلك تسمع وترى وتتذوق في آنٍ معًا.

كتاب عن ثقافة الطعام أولًا، يجمع بين التاريخ والجغرافيا، ويقدم لك بصورة أو بأخرى نوعًا من تجارب الأسفار والرحلات التي قام بها المؤلف، واطلع منها على أشكال الأطعمة وأصنافها، وطرق طهيها، حتى أنك تقرأ له وتشعر معه بأنه يقدم لك التاريخ الشعبي للطعام في كبسولة.

والمؤلف في الأصل طبيب، لكنه أيضًا مترجم فذ بلغاتٍ كثيرة وكاتب موسوعي وباحث فريد، له مؤلفات في الفلسفة وعلم الجمال، وتحليل الأغاني، وفن الكتابة الكوميدية.. إلخ. وهو في هذا كله بارعٌ إلى أقصى حد، ولقد تشرفت بكتابة مقدمة موسعة للكتاب تحدثت فيها عن أهمية الكتاب الذي يعد امتدادًا لمؤلفات تراثية عريقة، ودراسات عصرية بلغاتٍ أخرى تجعل من الحديث عن الطعام وتاريخه وأصوله وصنوف الطهي فنًا قائمًا بذاته.

في الكتاب الذي يقع في نحو 200 صفحة من القطع المتوسط، نطالع ونتذوق ونستمتع مع كل صفحةٍ مصحوبة بصور ملونة جيدة الطباعة لنماذج الأطعمة والمأكولات التي جمعها د.أسامة القفاش، وعمد إلى تصنيفها وفق ترتيبٍ واضح وسلس، يسهل معه البحث عند اللزوم.

عبر صفحات الكتاب تعرف الفرق بين حلوى الهريسة والبسبوسة والبسيمة، وتدرك أن الأخطبوط يؤكل أساسًا كسلطة، وأن البطاطس وصلت من أميركا إلى أوروبا مع "الكونكيستادورس" أي الغزاة الإسبان ومن إسبانيا إلى باقي أوروبا، وأن الطاجين المغربي له إناء خاص يطبخ فيه من فخار أو نحاس أو حديد زهر، وأن الرقاق يمكن طهيه مع اللحم المفروم أو "اللحمة النساير" أو بالجبنة والخضراوات أو مع السجق (أو "السدق" باللهجة السكندرية) أو مع مرقة البط المحمر أو مرقة الغنم.

ولربما تستوقفك تفاصيل دقيقة يوردها المؤلف تدفعك إلى مزيد من البحث والتحري، كما فعلت لدى قراءتي أن "سلطة نيس" (تُكتب أحيانًا سلطة نيسواز) هي سلطة تنسب لمدينة نيس الفرنسية، وتتكون من تونة وأنشوجة مملحة وبيض وزيتون أسود وأخضر وطماطم وخس و"درسنج" حسب الرغبة، ويمكن خلطها أو تقديمها بدون خلط ، كما يمكن إضافة أعواد الهليون أو "الأسبرجس" والفاصولياء الخضراء المسلوقة أو الفلفل الأخضر الحار أو الملون، والبطاطس المسلوقة والبصل.

يرى المؤلف الموسوعي أن الطبخ والتعرف على الأكل من مختلف البلاد جزء من معرفة الخطاب وفهم الفعل الثقافي وأيضًا لإشباع الهواية عندي وخلق فكرة الترابط التي تكلم عنها إيفان إيليتش في كتاب "قاموس التنمية" .

في القسم الخاص بالأسماك والمأكولات البحرية، نطالع ما أطلق عليه القفاش "التاريخ السمكي لمصر"، وهو طريف ومفيد لكل قارئ يعشق المعرفة؛ إذ يقول في هذا الجزء:

"لم يكن الفراعنة من محبي الأسماك ويقال إنهم حرّموا أكل القرموط .

لا يوجد إله سمكة ويظهر إله البحر بوسيدون عند الهلنستيين القادمين من اليونان

بل إن إله النيل لم يكن أكثر من إله محلي .

لكن الأسماك شكّلت عنصرًا مهمًا في حضارة مصر القبطية، وما زال هذا العنصر مؤثرًا حتى اليوم.

مثلًا عادة أكل السمك يوم الجمعة هي عادة قبطية ذات أصول تعود لأيام السيد المسيح. بل إن شم النسيم وعادات الأكل فيه لها أيضًا أصول قبطية بعد عيد القيامة.

لم يكن العرب من هواة الأسماك؛ لذا أيضًا لا نجد الكثير من الوصفات.,

لكن لنقل إن السمكة القومية المصرية هي البلطي بكل جدارة. وكل منطقة لها نوعية البلطي الخاصة بها.

والسمكة الأخرى هي البوري، الذي يتحول إلى فسيخ يؤكل مع البصل الأخضر في شم النسيم.

آخر سمكة لها قصة سنجد السردين الذي يشكو البعض من غيابه ويعزو ذلك إلى بحيرة ناصر".

عن "جغرافيا السمك في مصر" نطالع ما يلي:

السمك في مصر له مصادر متعددة. هناك النهر بترعه وفيه أسماك المياه الحلوة وهناك البحيرات المتعددة: قارون، البرلس، المنزلة، البردويل، ماريوت.. وتصلح لزراعة جميع أنواع السمك، وأخيرًا هناك البحر المتوسط والأهم البحر الأحمر. يمكن أن يتحول الإنتاج السمكي المصري لرافد أساسي في الأمن الغذائي المصري، ولا يقتصر الأمر على السمك بل يمكن توسيعه لكل المأكولات البحرية".

عن "الاقتصاد الأزرق"، نقرأ شرحًا من المؤلف جاء فيه: "أي الاقتصاد المعتمد على الموارد المائية، ويمكن أن يكون أهم داعم للاقتصاد المصري، مع الأخذ في الاعتبار أن الثروة البحرية لا بدَّ أن تُنمى بشكل خاص، بمعنى أنها تماثل الثروة الداجنة، وأي تدخل سيؤدي إلى انهيار الثروة. الاقتصاد الأزرق يعني أيضًا السياحة المائية والرياضة المائية والدراسات البيئية المعتمدة على الماء".

ونجد المؤلف على سبيل المثال، يحكي التالي:

١-المياس Blue Fish

من أشهى أنواع الأسماك. أسنانه حادة جدًا ولذا يصعب صيده. لحمه أبيض ويُصنع بطرق عديدة ربما من أفضلها الصينية بالبطاطس

٢- الموسى أو السول Sole وفي كرواتيا اسمه الورقةList

أروع أنواع السمك. يطبخ بكل الطرق، لكن أفضل الطرق القلي ثم الشي.. الطاجن ممكن طبعًا، لكن ما أحلى الموسى المبطرخ المقلي!

٣-القاروص Sea Bass

تعجبت عندما رأيت في بلنسية أو فالنسيا في معهد علوم البحار "تنكات" مليئة بسمك القاروص لأني كنت أعرف أنه سمك متوحش تصعب جدًا زراعته، ولكن الإسبان نجحوا في زراعته. سمكة لذيذة، متوسطة الحجم. أكبر سمكة قاروص أكلناها كانت خمسة كيلوغرامات .بطروخها كان عجيبًا".

يسرد المؤلف أمثلة ونماذج لولائم السي فوود في كل مكان من العالم، فيقول:

"1-اليابان تعشق السي فوود، والسوشي الياباني تعبيرٌ عن خاصية أساسية عند اليابانيين، ألا وهي عشق السي فود وعمق الإحساس بالتناسق. السوشي الياباني مثالٌ للجمال البصري.

2-مصر وخاصة أريافها تحب سمك القط أو القراميط. وليمة القراميط مع البلطي المقلي مع الأرز مع السلطات من الولائم التقليدية في الريف المصري

3-تونس تعشق الكسكس بالحوت ومعه صلصة سميكة وسلطة طماطم .وليمة تقليدية في صفاقس والجنوب التونسي

4-كرواتيا وإيطاليا والساحل الأدرياتيكي تقدم البرودتو أو طاجن السمك أو بالأحرى الحناش مع الضفادع وسمك الدنيس وصوص الطماطم السميك الحار، والخبز الأبيض وسلطة الطماطم البلدية مع الليمون وخل العنب. أحيانًا يضاف للوليمة شوربة المحار والجمبري الضخم الجامبو .

5-أميركا وخاصة ساحلها الشرقي الأطلسي تُقدِّم وليمة سمكة الهاليبوت مع شرائح التونة والأعشاب والصوصات للغموس.

وربما تجد نفسك في الكتاب غارقًا في بحر مقدمة خاصة عن الأصداف والمحاريات بشكل عام مع إضافة عن الاستاكوزا:

يحكي د.أسامة القفاش أن

الأصداف والمحاريات من أشهى المأكولات البحرية ولها خصوصيتها في كل مكان حتى أن بعضها تتحول لإفطار في بعض البلاد (ليست أم الخلول أو الخلول "كما يقول أهل بورسعيد" فقط؛ إذ يقول المؤلف إنهم في بلاتسه على شاطئ الأدرياتيكي يأكلون شوربة الأصداف ضمن وجبة الفطور.

يقول القفاش:

"الأصداف تزرع في أماكن كثيرة في كرواتيا، توضع زريعة أصداف على حجر، ثم يُدلى الحجر في البحر ويربط بجركن بلاستيكي فارغ عليه علامة صاحب الزريعة. وهكذا نجد الأصداف تتكاثر وتتجمع.

هذه القصة ليست مقصورة على الساحل الأدرياتيكي فقط، فقد وجدت البرازيليين يصنعونها في ريسيف، وأعتقد أن أهالي البرلس يفعلون ذلك أو شيئًا مماثلًا له، وكذلك نجد تجارب أخرى في أميركا وجنوب إفريقيا".

يطوف بك المؤلف في كتابه مع المحاريات والاستاكوزا أو اللانجوست أو اللوبستر، ويقودك إلى عوالم جديدة تدرك معها أن الطعام ثقافة وأن الأسفار والرحلات والتجارب تضفي مذاقًا خاصًا على كل أكلة تحتفظ بها ذاكرتك الشخصية .

إعلان

إعلان

إعلان