11 سبتمبر و الأزمة الأمريكية المركبة مع الحداثة

طارق أبو العينين

11 سبتمبر و الأزمة الأمريكية المركبة مع الحداثة

طارق أبو العينين
09:00 م السبت 07 سبتمبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

على الرغم من مرور 18 عاما على أحداث 11 سبتمبر، فالولايات المتحدة الأمريكية لم تتمكن في اعتقادي من تجاوز تلك الأزمة على مستوى سياقيها الفكري والسياسي؛ لأن اندفاعها باتجاه الحل العسكري كغزو العراق وأفغانستان لم يحُل دون تنامى موجة الإرهاب الأصولي ممثلة في تنظيم داعش الذى شكل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة والغرب وهو ما يعنى- ببساطة- أن الأزمة على مستوى السياقين الفكري والسياسي تتفاقم بفعل إهمالها من جانب الساسة وصناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية طلية 18عاما.

فمحاولات التعاطي الفاشلة مع أحداث 11 سبتمبر من قبل المفكرين الاستراتيجيين وصناع القرار داخل الولايات المتحدة قد بلورت ملامح الأزمة الأمريكية المركبة مع منظومة الحداثة على مستويين، المستوى الأول هو المستوى المتعلق بالأيديولوجيا الحداثية كمعتقد سياسي مؤسس للنظم السياسية الديمقراطية فمنظومة الحداثة كانت ولا تزال تعبيراً جلياً عما يطلق عليه في أدبيات الفلسفة السياسية التصور البرجوازي للدولة المستند إلى مفهوم العقد الاجتماعي المرتبط بأفكار ومبادئ كالحرية والفصل بين السلطات وسيادة القانون التي عبرت بجلاء عن الإرث الفكري والسياسي للنموذج الليبرالي التنويري الذى ساد أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر عبر أعمال فلاسفة مثل جون لوك وجان جاك روسو وكانط ومونتسكيو لكن الفكر السياسي داخل الولايات المتحدة قد نزع منذ أحداث 11 سبتمبر وحتى نهاية العقد الأول من الألفية الثانية باتجاه تبنى أفكار المحافظين الجدد التي ترفض بشكل قاطع هذا التصور البرجوازي للدولة القائم على حق الناس الطبيعي في حكم أنفسهم بأنفسهم متبنية على العكس منه تصور الفلسفة اليونانية التي تُقسم الناس إلى نخبة حكيمة قائدة وجماهير منقادة من الغوغاء.

أما المستوى الثاني، فيتعلق بالأيديولوجيا كإطار عام وشامل تنتظم داخلة الممارسة السياسية والذى ارتبط تاريخياً بالحداثة مشكلاً ظاهرة (الدولة الفلسفية) بحسب مقولة الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، فالفلسفة السياسية هنا ترتبط بعلاقة عِليّه مع نشأة الدولة الحديثة فالفلسفة سبب والدولة أثر وهو ما خرجت عن سياقة السياسات الأمريكية في عهد الرئيس ترامب، فبرغم وجود تقارب فكري بين أفكار ترامب اليمينية المتشددة وأفكار المحافظين الجدد أدت إلى وجود جون بولتون أبرز رموز التيار كمستشار للأمن القومي داخل إدارته، لكن ذلك لا يعنى أن ترامب رئيس مؤدلج فهو بحسب وصف الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما رجل براجماتي وليس أيديولوجيا ومن ثم فسياساته كانت تستهدف منذ البداية المواطن الأمريكي غير المسيس الذى لا يعتنق أجندات حزبية والذى يمثل نمو الاقتصاد الأمريكي هاجساً أساسياً وربما وحيداً بالنسبة له وبرغم ذلك لا يمكن القول أيضاً بأن الرئيس ترامب معنيٌّ بقضية الديمقراطية مثل خصومه من الديمقراطيين لأنه بكل تأكيد تجسيد لموجة من الفاشية والأفكار اليمينية المتطرفة التي غزت الولايات المتحدة وباقي دول الغرب منذ انتخابه وحتى الآن.

وهو ما يعنى أن دوائر التفكير الاستراتيجي وصناعة القرار داخل الولايات المتحدة الأمريكية وإن كانت قد توقفت عن التحرك إلى الخلف صوب التصور اليوناني القديم للدولة والسياسة كما حدث في عهد المحافظين الجدد فهي أيضاً لم تتحرك إلى الأمام باتجاه استعادة قيمها الديمقراطية في عهد ترامب بل إن ما حدث هو قفزة في الفراغ الحداثي علي صعيديه العقائدي والسياقي وهو فراغ تدور في فلكه أعتى ديمقراطية في القرن العشرين منذ أحداث 11 سبتمبر وحتى الآن.

ولذلك فإن توجهات الرئيس الأمريكي المتعلقة بتخفيف النزعة العسكرية التي كلفت الولايات المتحدة ملايين الدولارات كرد فعل على أحداث 11 سبتمبر، وتوجهات مستشاره جون بولتون بشأن الحرب الأيديولوجية ضد الإرهاب التي تستهدف معتقدات الجماعات المتطرفة، وتحول ضد انضمام المزيد من الإرهابيين إلى صفوفها- لن تشكل في النهاية استراتيجية ناجعة لمحاربة الإرهاب، ما لم تقترن بمصالحة تاريخية بين تلك الإدارة وقيم المنظومة الديمقراطية، فتلك المصالحة وحدها هي الكفيلة بإخراج الولايات المتحدة الأمريكية من مرحلة التيه الفكري والعقائدي التي دخلتها منذ أحداث 11 سبتمبر ومن ثم حل أزمتها المركبة مع الحداثة التي شكلت حجر عثرة في تعاطيها مع ملف الإرهاب؛ لأن العسكرة والأفكار اليمينية المتطرفة تظلان في النهاية وجهين لعملة واحدة تخاصم الحداثة، وتساعد على تنامى الفكر الأصولي المتطرف.

إعلان

إعلان

إعلان