- إختر إسم الكاتب
- محمد مكاوي
- علاء الغطريفي
- بسمة السباعي
- مجدي الجلاد
- د. جمال عبد الجواد
- محمد جاد
- د. هشام عطية عبد المقصود
- ميلاد زكريا
- فريد إدوار
- د. أحمد عبدالعال عمر
- د. إيمان رجب
- أمينة خيري
- أحمد الشمسي
- د. عبد الهادى محمد عبد الهادى
- أشرف جهاد
- ياسر الزيات
- كريم سعيد
- محمد مهدي حسين
- محمد جمعة
- أحمد جبريل
- د. عبد المنعم المشاط
- د. سعيد اللاوندى
- بهاء حجازي
- د. ياسر ثابت
- د. عمار علي حسن
- عصام بدوى
- عادل نعمان
- د. عبد الخالق فاروق
- خيري حسن
- مجدي الحفناوي
- د. براءة جاسم
- د. غادة موسى
- أحمد عبدالرؤوف
- د. أمل الجمل
- خليل العوامي
- د. إبراهيم مجدي
- عبدالله حسن
- محمد الصباغ
- د. معتز بالله عبد الفتاح
- محمد كمال
- حسام زايد
- محمود الورداني
- أحمد الجزار
- د. سامر يوسف
- محمد سمير فريد
- لميس الحديدي
- حسين عبد القادر
- د.محمد فتحي
- ريهام فؤاد الحداد
- د. طارق عباس
- جمال طه
- د.سامي عبد العزيز
- إيناس عثمان
- د. صباح الحكيم
- أحمد الشيخ *
- محمد حنفي نصر
- أحمد الشيخ
- عبدالله حسن
- د. محمد عبد الباسط عيد
- بشير حسن
- سارة فوزي
- عمرو المنير
- سامية عايش
- د. إياد حرفوش
- أسامة عبد الفتاح
- نبيل عمر
- مديحة عاشور
- محمد مصطفى
- د. هاني نسيره
- تامر المهدي
- إبراهيم علي
- أسامة عبد الفتاح
- محمود رضوان
- أحمد سعيد
- محمد لطفي
- أ.د. عمرو حسن
- مصطفى صلاح
- اللواء - حاتم البيباني
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع
ما زالت أسرار ثورة 1919 تتكشف، فبعد أكثر من مئة عام، ظهرت إلى النور حكايات عن بعض أبطالها المنسيين في طيات التاريخ، تتبع خطاياهم، وأزاح التراب عن خفاياها قصصهم.
ينفذ كتاب الباحث ياسر الشيمي، الذي يحمل عنوان «متاهة النكران: من سيرة أبطال ثورة 1919» (دار ريشة، 2026)، إلى العمق الإنساني لثورة 1919، متتبعًا مسارات رجال ونساء خاضوا معركة الحرية، وقدَّموا تضحيات جسيمة دفاعًا عن الوطن، قبل أن تتراجع أسماؤهم عن المشهد العام، وتُستبعد حكاياتهم من السرديات الرسمية وكتب التاريخ.
وعبر 264 صفحة من القطع المتوسط، يسعى المؤلف إلى إعادة الاعتبار لهؤلاء المنسيين، عبر توثيق أدوارهم، وكشف ما تعرَّضوا له من تهميش متعمد، وإبراز حجم التضحيات التي طُمرت مع مرور الزمن. يقدِّم «متاهة النكران» قراءة مغايرة للثورة، لا تتوقف عند النخب والأسماء المتداولة، بل تتجه إلى قلب الفعل الشعبي، حيث تشكلت البطولات الحقيقية، وتجلّت معاني التضحية الجماعية التي مهَّدت طريق الاستقلال، في محاولة لتوسيع أفق الذاكرة الوطنية واستعادتها من الاختزال.
ويمثل الكتاب دعوة صريحة إلى إعادة فحص التاريخ المصري، وإنصاف من غُيِّبوا قسرًا، واستعادة مكانتهم المستحقة في الوعي العام، بوصفهم جزءًا أصيلًا من ملحمة التحرر الوطني، لا هامشًا سقط سهوًا من الصفحات.
«من يقرأ التاريخ جيدًا يدرك أن الثورات الكبرى لا تُقاس فقط بحجم الحشود أو صدى الهتاف، بل بجرأة التوقيت وعظمة المواجهة، ومن بين كل تلك اللحظات، تقف ثورة 1919 كعلامة فارقة في تاريخ الإنسانية، لا لكونها فقط صرخة شعبية ضد الاستعمار، بل لأنها واجهت أقوى إمبراطورية في العالم في لحظة ذروة غرورها».
بهذا الاستهلال يفتتح ياسر الشيمي كتابه، الذي يمثل عملًا توثيقيًا جريئًا يعيد طرح واحدة من أكثر لحظات التاريخ المصري ثراءً وتعقيدًا، عبر زاوية مختلفة تُركز على من صنعوا الحدث ثم تواروا خلف ستار النسيان.
في باكورة أعماله، يأخذنا المؤلف في رحلة شائقة إلى تاريخ ثورة شابها الكثير من الغموض حول تفاصيلها، وحاول البعض طمس أسرارها عن الذاكرة المصرية. وبهذا يُعدّ الكتاب محاولة لإحياء وإضافة صفحات جديدة منسية في تاريخنا الحديث، وإضاءة النقاط المعتمة من وقائع وأحداث نبني عليها رؤيتنا للمستقبل.
يروي الكتاب سيرة أبطال أولى ثورات المصريين في القرن العشرين ضد الإمبراطورية البريطانية، ويسلِّط الضوء على أبطال الثورة المجهولين، وعددهم 20 بطلًا قدَّموا تضحيات في سبيل رفعة الوطن، وبدلًا من أن تُحفظ أسماؤهم في لوحات الشرف، ابتلعتهم «متاهة النكران»؛ فجاء عنوان الكتاب واصفًا لما حدث لهم من نسيان، أما المتن فجاء منصفًا لدورهم ومكانتهم الحقيقية التي يجب أن تحتل مكانًا مشرفًا في الذاكرة الوطنية المعاصرة عن ثورة استطاعت أن تشكِّل وعي أمة أدركت أن وحدتها في تنوعها.
ويرصد المؤلف مسارات عدد من الشخصيات التي لعبت أدوارًا حقيقية ومؤثرة في أحداث الثورة، لكنها وقعت لاحقًا فيما يسميه بـ«متاهة النكران»، حيث غابت عن المشهد العام، وحجبتها السرديات التاريخية التقليدية.
ويعمل الكتاب على إعادة الاعتبار لهؤلاء المنسيين، عبر توثيق حكاياتهم وكشف أدوارهم الفعلية، مُبرزًا حجم التضحيات التي بذلوها.
في الصفحات الأولى من الكتاب، يرسم الكاتب «بورتريه» عن هؤلاء الأبطال الذين فسحوا الطريق للحرية أمام الشعب الذي واجه أبشع صنوف الظلم: «نماذج قليلة من أبطال قدَّموا حياتهم في معركة الكرامة والحرية، وتلاشى ذكرهم في صفحات التاريخ حتى أصبحوا مجرد أسماء مغيَّبة، بينما يظل الجرح في ذاكرة الوطن يتألم في صمت».
يكشف المؤلف عن طبقات كثيفة من التعتيم والإقصاء، طمرت أسماء ناضلت بلا مقابل، وحرمت من الاعتراف، حتى في عهود وطنية عجزت عن إنصافهم، أو شاركت في محوهم من الذاكرة الجمعية.
في مقدمة هؤلاء عبد الرحمن بك فهمي، العقل المدبر للثورة وقائدها الحقيقي، الذي اختار العمل في الظل، فاختفى اسمه تمامًا رغم دوره الحاسم في التنظيم والقيادة. يقول الشيمي: «لم يكن اختيار عبد الرحمن فهمي لموقع الفيلا رقم 104 في حي جاردن سيتي صدفة، بل كان ضربة عبقرية في فن التمويه والمخادعة، فقد أراد أن يبدو أمام العالم كرجل أرستقراطي بعيد عن معارك الشارع، بينما في الخفاء كان يقود واحدة من أعقد شبكات المقاومة السرية في تاريخ مصر الحديث» (ص 13-14).
ويبرز في قائمة الشرف اسم أحمد عبد الحي كيرة، الفارس الذي لاحقته أجهزة الاحتلال من دولة إلى أخرى، قبل أن يسقط قتيلًا في إسطنبول بعد رحلة مطاردة طويلة. نجح كيرة، طالب الطب النابغ والكيميائي العبقري، في تحويل علمه إلى سلاح، وعقله إلى قنبلة موقوتة في وجه الاحتلال. لم يكن مجرد اسم في تقرير استخباراتي، بل كان كابوسًا يجثم على صدر المخابرات البريطانية، وأسطورة تتناقلها الأجهزة الأمنية في سرية وذعر (ص 24).
يتطرق الكتاب إلى سيرة عبد الحميد عمار (1901-1963)، الذي قضى أربع سنوات ونصف السنة في غياهب السجون، لكنه لم يكن مجرد سجين سياسي، بل أحد شرارات ثورة 1919. كان من أوائل الذين حملوا لواء ثورة 1919، متنقلًا بين القرى والمدن يحشد الجماهير ويقود المظاهرات، وحين اعتُقل قضى أيامًا عصيبة خلف القضبان، حتى أُطلق على زنزانته اسم «وادي الجحيم» (ص 34).
ويستحضر الكتاب سيرة حميدة خليل، أولى شهيدات ثورة 1919، التي رحلت في صمت مطبق، دون تكريم رسمي أو اعتراف حتى اليوم. وينبه الباحث إلى أن بعض الصحفيين والمؤرخين ذكروا أن شفيقة محمد كانت أول شهيدة خلال ثورة 1919، في حين قال آخرون إنهما استُشهِدتا معًا، لكن الحقيقة المؤكدة أن شفيقة محمد استُشهِدت يوم 11 أبريل 1919، أي بعد 27 يومًا من استشهاد حميدة خليل (ص 47).
يتوقف المؤلف أمام بطولة عريان يوسف سعد، المناضل الأرستقراطي الذي تصدَّى لمحاولة اغتيال رئيس الوزراء يوسف باشا وهبة، مُفشلًا مخططًا لإشعال فتنة طائفية لطالما لوّح بها الاحتلال عقب اغتيال بطرس غالي. حُكم على عريان يوسف سعد بالإعدام، لكنهم خففوا الحكم إلى الأشغال المؤبدة، وبقي في السجن عشر سنوات، حتى أُفرج عنه، وكان كل زملائه قد أصبحوا رؤساء وزارات ورؤساء مجلس نواب ووزراء، لكنه قنع بوظيفة صغيرة إلى أن أُنشئت الجامعة العربية، فكان أحد موظفيها (ص 70).
ولا يمكن إغفال اسم القمص سرجيوس، الذي قال: «إذا كان الاحتلال البريطاني لمصر هو حماية الأقباط، فليمت جميع الأقباط وتبقى مصر، ولا يحتلها الإنجليز». قرر سرجيوس اقتحام معركة السياسة بكل جسارة، ليصبح أول كاهن يترشح لانتخابات البرلمان، متحديًا كل القيود والتقاليد البالية التي أرادت إقصاء الثوار عن مواقع صنع القرار. ترشح عن دائرة الشماشرجي في شبرا، حاملًا شعارًا ثوريًا يضرب في عمق الفساد السياسي آنذاك: «من غير فلوس يا سرجيوس». لم يكن يملك الأموال لشراء أي صوت، لكنه كان يملك رصيدًا وطنيًا هائلًا جعل الجماهير تلتف حوله، وكان على بُعد خطوة من تحقيق الانتصار، لولا أن مصطفى النحاس باشا، زعيم الوفد، طلب منه التنازل لمصلحة مرشح الحزب (ص 79).
ومن بين الأسماء التي أُقصيت عمدًا من الذاكرة الوطنية تبرز عزيزة خضير، المناضلة التي قدَّمت كل ما تملك من أجل الثورة، حتى مُحي اسمها من سجلات التاريخ ومن ذاكرة قريتها نزلة الشوبك (ص 202). ويستعيد الكتاب أيضًا سيرة الحاج أحمد رمضان زيان، شيخ الفدائيين في الإسكندرية، الذي واجه الاحتلال حتى آخر لحظة في حياته، وبقي مجهولًا حتى لأبناء مدينته (ص 176).
كما يتناول المؤلف تجربة قرياقص ميخائيل، الصحفي الثائر الذي حمل قضية الاستقلال إلى قلب لندن، ونظَّم مظاهرات أربكت صناع القرار البريطانيين، جامعًا بين الكلمة والفعل، ومساندًا الوفد المصري في معركته الدبلوماسية بالخارج (ص 225). ولا يُغفل الكتاب قصة «ابن القباقيبي»، الطفل الذي واجه المحتل بشجاعة لافتة، ودعا يحيى حقي إلى تكريمه منذ عقود، دون أن تجد الدعوة صدى، ليظل رمزًا لبطولة أُهمِلت عن عمد (ص 249).
هذه النماذج، وغيرها، تشكِّل جوهر «متاهة النكران»، الذي يزيح الغبار عن أبطال دفعوا ثمن الحرية، في حين ظل الوطن يحمل جراحهم في صمت، منتظرًا من يعيد لهم أسماءهم ومكانتهم في الذاكرة والتاريخ.
يمزج ياسر الشيمي بين التوثيق والسيرة كفن أدبي في كتابه، ليقدِّم لنا قصصًا من التاريخ بأسلوب إبداعي، عاكسًا صورة حية لصرخة شعبية ملأت الدنيا وقالت للإمبراطورية البريطانية: «ارحلي»، كي تعرف الأجيال من أين يبدأ الطريق إلى الحرية.
ويمكن القول إن «متاهة النكران: من سيرة أبطال ثورة 1919» يقدِّم قراءة مختلفة لثورة 1919، تنفذ إلى عمقها الشعبي، حيث تشكَّلت البطولات الحقيقية وتجسَّدت معاني التضحية الجماعية التي مهَّدت طريق الاستقلال، بعيدًا عن الاكتفاء بالأسماء المتداولة في الروايات التاريخية السائدة.
ويُمثل الكتاب دعوة مفتوحة لإعادة قراءة التاريخ الوطني، واستعادة مكانة أولئك الذين جرى تهميشهم، باعتبارهم جزءًا أصيلًا من ملحمة التحرر المصري، لا مجرد أسماء غابت عن الصفحات مع مرور الزمن.