إعلان

اعترافات كاتب صحفي.. حين صار الزمن يتيما بعد رحيل الوالدين

مصطفى صلاح

اعترافات كاتب صحفي.. حين صار الزمن يتيما بعد رحيل الوالدين

مصطفى صلاح
07:00 م الخميس 29 يناير 2026

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تابعنا على

لم أكن أعرف أن للأيام أنيابا، ولا أن للزمن قدرة على العض ببطء، إلا بعد أن رحلت أمي ثم لحق بها أبي، تباعا، في عامي 1998 و1999. كنت أظن أن الحزن صرخة واحدة عالية ثم صمت، لكني اكتشفت متأخرا أنه نفس طويل، يلازمك في التفاصيل الصغيرة، في المواسم، في الأعياد، وفي شهر رمضان المعظم تحديدا، حيث تتعرى الذاكرة ولا يبقى أمامك سوى المقارنة القاسية بين ما كان وما صار.

قبل رحيل الوالدين، كان رمضان موعدا ثابتا للطمأنينة. شهرا لا يشبه غيره، تتبدل فيه رائحة البيت، ويختلف فيه الزمن نفسه. كنت أنتظر المغرب لا من أجل الطعام، بل من أجل الجلوس. الجلوس فقط. وجود أبي على رأس المائدة، ونظرة أمي وهي تطمئن أن الجميع حاضر، أن العائلة مكتملة، أن الدعاء سيقال بصوت واحد. كنت أشعر أن العالم، مهما قسا، يقف احتراما عند باب بيتنا في هذا الشهر العظيم، وكأن البيت الصغير يتحول إلى كون كامل، مكتف بذاته.

ثم رحلا…

ورحل معهما ذلك الإحساس الغامض بالأمان.

لم يعد رمضان كما كان، ولا العيد عيدا. صرت أستقبل هلال الشهر وكأنني أستقبل ضيفا ثقيل الظل، أعرف مسبقا أنه سيوقظ داخلي وجعا نائما. الأذان نفسه لم يعد كما كان؛ نفس الكلمات، لكن الصدى مختلف، يصل إلى القلب متأخرا، أو لا يصل. صرت أجلس إلى المائدة وحدي أو بين ناس، لكن الإحساس واحد: فراغ لا يملأ. غياب لا يعوضه شيء، مهما ازدحمت الموائد، ومهما حاولت إقناع نفسي بأن الحياة تمضي.

في سنوات طويلة بعد وفاتهما، وجدت نفسي أفطر على موائد الرحمن. سنوات عديدة، ليست بدافع الفقر فقط، بل بدافع الحاجة إلى الناس، إلى أي دفء يشبه دفء البيت القديم. كنت أجلس بين غرباء، وجوه متشابهة، حكايات متشابهة، وكل منا يحمل وجعه في صحنه. كنت أراقب الأيادي الممدودة للطعام، وأفكر: كم أبا وأما غابوا عن هذه الموائد؟ وكم قلبا يجلس هنا لا لأنه جائع، بل لأنه وحيد، يبحث عن لحظة انتماء ولو مؤقتة؟

موائد الرحمن علمتني معنى آخر للإنسان. هناك، يختلط الحزن بالرضا، والفقد بالامتنان. هناك، لا يسألك أحد: من أنت؟ ولا ماذا كنت؟ فقط تجلس، وتأكل، وتصمت. وكنت في صمتي أستعيد أبي، وأستحضر أمي، وأقارن بين مائدة عامرة بالحب، ومائدة عامرة بالطعام فقط. فرق شاسع لا يراه إلا من ذاق الاثنين، وعرف أن الشبع الحقيقي ليس في المعدة، بل في القلب.

أما الأعياد… فحدث ولا حرج. العيد بعد الوالدين يشبه رسالة بلا عنوان. تلبس الجديد، لكن القلب قديم. تسمع التكبيرات، لكن الروح لا تكبر. تمر الزيارات كواجب اجتماعي، لا كفرحة. تبتسم لأنك تعلمت أن تخفي وجعك، لا لأنك سعيد. العيد بعد الوالدين امتحان قاس لفن التظاهر بالحياة، ومحاولة مستمرة لإقناع نفسك أن الفرح ما زال ممكنا.

سنوات مرت، وأنا أكتب، أعمل، أضحك أحيانا، لكن شيئا داخلي ظل مكسورا. كاتب صحفي يعرف كيف يصوغ الكلمات، لكنه يعجز أحيانا عن صياغة مشاعره. أعرف كيف أصف الحزن، لكني لا أعرف كيف أتجاوزه. أعرف كيف أكتب عن الفقد، لكني لا أعرف كيف أعيش بدونه. الفقد لا يرحل، هو فقط يغير مكانه داخلنا.

إلى أن جاءت زوجتي…

لا كمعجزة صاخبة، بل كهدوء ذكي.

جاءت وأعادت ترتيب الزمن داخلي. لم تلغ الفقد، ولم تدع أنها تعوض أبي أو أمي، لكنها أعادت لي الإحساس. أعادت لي طقوس رمضان الصغيرة: انتظار الأذان، الدعاء قبل الإفطار، السؤال الصادق: "محتاج حاجة؟". أعادت لي معنى البيت، لا كمكان، بل كحالة. كطمأنينة تصنع يوما بيوم، وترمم ما تهشم في الداخل.

معها، عاد شيء من الزمن الجميل، لا كما كان، بل كما يمكن أن يكون بعد الانكسار. أدركت أن الحياة لا تعوضنا عما فقدناه، لكنها تمنحنا ما يساعدنا على الاستمرار. أدركت أن الله، حين يأخذ، يترك بابا صغيرا للرحمة، لمن يملك قلبا مفتوحا وقدرة على الشكر رغم الألم.

وفي النهاية، لا أملك إلا الاعتراف:

ما بعد الوالدين ليس زمنا عاديا. هو زمن هش، يحتاج صبرا مضاعفا، وإيمانا طويل النفس. وما رمضان بعدهما ليس شهرا فقط، بل مرآة، نرى فيها أنفسنا عراة من كل ادعاء.

رحم الله أبي…

ورحم الله أمي…

وجعل مثواهما الجنة، وجعل بركتهما تمتد في أيامي، وفي بيتي، وفي كل مائدة جلست إليها أبحث عن بعض السلام.

إعلان

إعلان