• الرئيس السيسي وبيان ٣٠ مارس

    د. أحمد عمر

    الرئيس السيسي وبيان ٣٠ مارس

    د. أحمد عمر
    09:00 م الثلاثاء 01 أكتوبر 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    يقيني الشخصي أن الرئيس عبد الفتاح السيسي رجل مخلص وأمين، وحاكم وطني شريف غير قابل للفساد الشخصي، وهو صاحب دور كبير ومؤثر في تاريخ مصر المعاصر، بما تصدى له من مهام وطنية وأمنية، بداية من أحداث ثورة 25 يناير، مروراً بما حدث قبل، وأثناء ثورة 30 يونيو، وحتى اليوم.

    وكل ما يؤخذ على نظام وسياسات حكمه الآن، ويتم تكبيره والتسويق له، عبر خصومه في القنوات الإخوانية المعادية لنظامه، والمدعومة من تركيا وقطر- هو أوجه قصور غير جذرية ويمكن إصلاحها، وناتج عن اختلاف أولويات السلطة ورؤيتها وزوايًا، ونظرها لمشكلات مصر في ضوء الواقع وتحديات ومخاطر الوضع الداخلي والإقليمي والدولي، مقارنة بأولويات ورؤية بعض قطاعات الشعب والنخبة السياسية والثقافية.

    وأظن أن أوجه القصور تلك هي نتيجة غياب الحوار المجتمعي والحياة السياسية السليمة، وفشل الجهاز الإعلامي لنظام حكم الرئيس السيسي في التواصل الفعّال والمؤثر مع المصريين، وبخاصة الأجيال الجديدة منهم، للتسويق لرؤية ومشروع الرجل، وتعريفهم بخيارات وأولويات السلطة في جميع المجالات، وإقناعهم بأن فيها صلاح الحاضر وخير المستقبل، وبالتالي الرد على الخصوم والمعترضين بفكرٍ واعٍ ومنطق سليم، وعبر وجوه لها قبول عند الناس، وتملك مصداقية.

    وقد علمنا درس التاريخ أن الإخلاص والأمانة والصدق مع الله والوطن غير كافية للحاكم لضمان النجاح التام في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبلوغ الأهداف الوطنية، وكسب ثقة الشعب، وتأسيس دولة جديدة وقوية، وحماية مشروع السلطة الوطنية، بل لا بد من توفير حاضنة اجتماعية وثقافية للسلطة ومشروعها، وحد أدنى من التوافق مع الجماعة الوطنية حول رؤيتها وخياراتها، ورجال دولة مؤهلين للقيام بأدوارهم بمهارة ونزاهة وشجاعة ومصداقية.

    وعلى سبيل المثال، فقد كان الزعيم الراحل جمال عبد الناصر زعيما وطنيا كبيرا، وإنسانا وسياسيا في قمة النزاهة الشخصية والإخلاص لمصر وشعبها، ولكنه، كما قال فيه الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم: "عمل حاجات معجزة، وحاجات كتير خابت"، ولم يعصمه إخلاصه وتجرده وحسه الوطني وحُسن نواياه من قيام نظامه بأخطاء كبيرة، اعترف هو شخصيا بها بعد نكسة يونيو 1967.

    وكم أتمنى على مساعدي ومستشاري الرئيس السيسي، اليوم، العودة لقراءة بيان 30 مارس عام 1968، ومعرفة المُلابسات والظروف التي أحاطت بظهوره، وهو برنامج الأزمة الشهير الذي وضع خطة للعمل الوطني في مرحلة ما بعد نكسة 1967، والذي جاء بمثابة خريطة للإصلاح السياسي الداخلي، ولإجراء تغيير عميق في رؤية وأسلوب الحكم من أجل صنع مستقبل مزدهر لمصر والمصريين، بعد الاستفادة من أخطاء الماضي.

    وقد اعترف الرئيس جمال عبد الناصر في بيان 30 مارس، وبشجاعة منقطعة النظير بالأخطاء التي وقعت فيها ثورة يوليو 1952 بعد 16 عاما من حكمها، وقام من خلاله بالاستجابة لطموحات الأجيال الجديدة من الشباب، والوعود بإجراء إصلاح سياسي كبير، في محاولة منه لإزالة التناقض بين السلطة والجماهير، وإعادة بناء الثقة التي اهتزت بينهما.

    وفي هذا المعنى يقول الراحل الأستاذ صلاح عيسي: "أدرك عبد الناصر بذكاء سياسي أنه لا جدوى من تجاهل حقيقة أن هناك عوامل موضوعية وراء سخط الشعب، وأن عليه أن يسعى للالتقاء مع الساخطين في منتصف الطريق، فقدم رؤية للمستقبل، يمكن أن تكون أساسًا للتوافق، وهو ما أتاح له أن يضمن- إلى حد كبير- هدوء الجبهة الداخلية واصطفافها خلفه، خلال السنوات الثلاث الأخيرة من حكمه".

    وهذا يعني أن بيان 30 مارس قد قدم طوق نجاة لمشروع الدولة الوطنية في مصر التي تأسست على شرعية ثورة يوليو، وأصلح علاقتها بالمصريين، وأعاد بناء جدار الثقة المتصدع بينهما، وكان قادرًا على عصمتها من تكرار الأخطاء، وصنع مستقبل مغاير للدولة الوطنية المصرية، يُحقق طموحات وآمال الشعب فيها، ولكنه ظل بسبب ظروف وأعباء حرب الاستنزاف، ووفاة الرئيس عبد الناصر المفاجئة - حبراً على ورق.

    وفي ظني أن نظام حكم الرئيس السيسي يحتاج الآن وفي ضوء التحديات والمخاطر التي واجهت الدولة المصرية ومؤسساتها ومشروعها في الفترة السابقة إلى بيان 30 مارس خاصة به، يستفيد من بعض أفكار وطموحات بيان 30 مارس القديم، ويستعيد من خلاله روح ووحدة جبهة ثورة 30 يونيو، ويكون بداية تغيير حقيقي نحو الأفضل، وخارطة طريق واضحة للمستقبل؛ فعند مفترق الطرق وأمام تحديات المصير، يجب على الحاكم أن يُعيد بناء الثقة بينه وبين المحكومين، والتأسيس لبداية جديدة، ووعي وطني جديد.

    وهذا التغيير المنشود يجب أن يكون شبيهًا بنظيره الذي حلم به المصريون في بيان 30 مارس 1968، وهو تغيير "أكبر من أن يكون مسألة تغيير أشخاص، وإنما التغيير الذى نريده يجب أن يكون أكثر بعدًا وأكثر عمقًا من مجرد استبدال شخص بشخص.

    إن التغيير المطلوب لا بد له أن يكون تغييرًا في الظروف وفي المناخ، وإلا فإن أي أشخاص جدد في نفس الظروف وفي نفس المناخ سوف يسيرون في نفس الطريق الذي سبق إليه غيرهم.

    إن التغيير المطلوب يجب أن يكون فكرًا أوضح، وحشدًا أقوى، وتخطيطًا أدق؛ وبذلك يكون للتصميم معنى، وتكون للإرادة الشعبية مقدرة اجتياح كل العوائق والسدود، نافذة واصلة إلى هدفها.

    إعلان

    إعلان

    إعلان