فاروق حسني في حوار لـ"مصراوي": الهجوم عليَّ يعني أنني موجود
كتب- محمد عاطف:
-
عرض 4 صورة
-
عرض 4 صورة
-
عرض 4 صورة
-
عرض 4 صورة
يحمل فاروق حسني في ذاكرته جزء كبير من تاريخ مصر الطويل؛ نظرًا لتوليه وزارة الثقافة لمدة تجاوزت 23 عامًا، كان خلالها الأكثر إثارة للجدل في تاريخ وزارة الثقافة.
"مصراوي" التقى بالفنان الوزير الأسبق فاروق حسني لاستطلاع رأيه في الكثير من القضايا المطروحة على الساحة، وإلى نص الحوار:
- بدايةً، كيف تقرأ المشهد الثقافي حاليًّا؟
حتى نقرأ المشهد بشكل صحيح، علينا أن نحدد حجمه بشكل دقيق وهذا صعب، ولذا علينا أن نقارن بينه وبين فترات تاريخ مصر، والمشهد الثقافي معناه كم الإبداع الموجود ونوع السلوك البشري، والتناول الاجتماعي للقضايا المطروحة، وسنجد تغيرًا كبيرًا جدًّا؛ خصوصاً أن الفترة السابقة كانت تحفل برجال الفكر والفن والإبداع، وكل الفنون منتعشة لوجود المواهب، وأن تكون هذه المواهب على الساحة؛ فهي وظيفة المحرك الثقافي، والمشهد ليس مشهدًا واحدًا وإنما مشاهد متعددة ومتنوعة، ولكل عصر وزمان مشهد، وهو يتوقف على كم ونوع الإبداع فيه، بالإضافة إلى مفهوم المشهد نفسه.
- كيف ترى الدور الثقافي في الحرب على الإرهاب؟
الثقافة لها دور مهم؛ ولكنها ليست كل الأدوار؛ وهناك تعليم وإعلام وشباب وأوقاف، ووزارات أخرى مسؤولة مسؤولية تضامنية مع الثقافة عن هذه الظاهرة، حتى تتم المجابهة من مناطق عديدة وليست منطقة واحدة، والثقافة تمثل عملية متعة ذهنية، وعندما تتحدث عنها؛ فأي إنسان لديه متعة ذهنية، حتى الإرهابيين أنفسهم، وحتى تقيم وحدة ذهنية متكاملة للمجتمع تحتاج إلى دراسة كبيرة، وأرى أن المجابهة الأمنية تكون آخر شيء، ومن المهم أن تبدأ المجابهة الفكرية.
- وما رأيك في الهجوم على اختياراتك لقيادات الوزارة؟
كل شخص اخترته تمت مهاجمته؛ حتى أنا تمت مهاجمتي، وكل عمل جديد ستتم مهاجمته، ومعنى الهجوم أنني موجود؛ فالتنشين لا يكون على لا شيء أو فراغ، وبالتالي لم أنشغل بالهجوم، بينما كنت أنتبه للنقد العلمي السليم، وإذا لم تفعل ذلك سيكسبك المهاجم.
- هل صُدمت في بعض الشخصيات التي اخترتها؟
قلائل جدًّا، ونسبة لا تتعدى 2%.
- هل اختلفت مع سياساتهم بعد تركك الوزارة؟
للأسف عيب أقول هذا الكلام؛ ولكن لم تكن هناك طاقة الخيال واستيعاب العمل أو طاقة العطاء، والوزير ليس وحده، ومعاونوه يتحملون جزءًا كبيرًا؛ خصوصًا إذا كانوا غير متعاونين أو مقصرين، فلن تنجح النجاح المطلوب، والنجاح الثقافي يتوقف على خيال الوزير وقدرته على وضع تصور، وكل وزارة لها سمات تكتسبها من الوزير، ولذا رأينا ملامح لوزارة ثقافة عبدالناصر والسادات ومبارك وميتران وديجول.. وهكذا.
- هل ترى أن هناك ندرة في اختيار الكفاءات؟
الكفاءات موجودة؛ ولكن مَن يبحث، بالعكس الكفاءات كثيرة وموجودة وهناك أشخاص كثيرون يعملون في الظل ولا يبحثون عن الأضواء إلا إذا وجدوا سعادتهم في العمل العام.
- بعد حالة التشوه البصري الواضحة بمصر.. هل ترى أن جهاز التنسيق الحضاري الذي أنشأته فشل في أداء مهمته؟
الجهاز يحتاج إلى ميزانية ضخمة؛ حتى يقوم بعمل أمثلة عملية على مدن مصرية، لأنه لن يستطيع أن يصحح الأوضاع الخاطئة معماريًّا في مصر كلها، وإنما يقتصر دوره على مناطق معينة يؤكد خلالها القيم الجمالية المفتقدة.
- ما رأيك في أزمة تماثيل الميادين التي تتفجر بين الحين والآخر؟
ليست المشكلة في التماثيل بقدر ما هي أزمة في الخيال، ومن الممكن أن تضع تمثالاً في مكان ما يسيء إلى الميدان ولا يضيف له، ومن ثم يسيء إلى التمثال نفسه؛ لأن الأمر يحتاج إلى شخص يدرك نوع العمارة ونوع التمثال، والفلسفة من وضعه في مكانه، وبما أننا بلد النخيل؛ فإنني أقترح أن نملأ جوانب الميادين بحزم من النخيل، وكأنها تماثيل ربانية عظيمة، وفي بعض الميادين نحتاج إلى أنواع أخرى من النباتات.
- ما رأيك في اللافتات التي توضع على البيوت؟
شيء مزعج، وتصنع شوشرة بصرية، وبالتالي شوشرة نفسية، ولا يوجد في العالم كله حرية في هذا الموضوع؛ فهناك "هارموني متكامل" وقيمة بصرية يجب مراعاتها، وإذا تركتها بهذا الشكل الفوضوي وكل شخص يفعل ما يحلو له فإن الفوضى ستكون سيدة الموقف، ولو مشيت في وسط البلد ستجد لافتة محل أحذية ترتفع لتغطي واجهة منزل للطابق الأول، وكل العرانيس والكرانيش والقيم الجمالية حلت محلها الأحذية، كما أن الإنارة العشوائية أفسدت الذوق العام، وكان من المفترض أن يتم حساب درجة الإنارة؛ بحيث تكون موحدة، حتى لا تصنع درجة من درجات الإرباك البصري، أما بانرات الإعلانات فيمكن السماح بها لأنها عادة ما تكون في أماكن خالية كما أنها تغطي قبحاً.
- ما سر الاستعانة بالشباب في وزارتك؟
الشباب دائماً لديه طموح وجرأة الإقدام وحب النجاح، ضعها في العمل ولو استعنت بشاب لديه خيال وبناء فستنجح بشرط أن تربي الشباب ثم تدعه يعمل، ولو استعنت بشاب غير متربٍّ لن يصنع شيئاً، ولذا أنشأنا صالون الشباب وقُلنا لهم انطلقوا بلا حدود، وقد انتقدت من الرجعيين، والمتمسكين بالماضي والشكل القديم، وأستطيع أن أبني شكلاً ينهض بالبلد، ولا بد أن أجرجر الغد إلى اليوم وأضعه أمامي وذلك بما تصنعه اليوم، فقط قوّمه ودعه يعمل.
- رغم ذلك رأيناك تسند الهيئات الكبيرة إلى كبار مثقفين؛ مثل جابر عصفور الذي تولى رئاسة المجلس الأعلى للثقافة لأكثر من 12 عاماً، وكذلك الدكتور سمير سرحان الذي تولى رئاسة هيئة الكتاب لسنوات طويلة، والمخرج عبد المنعم كامل في الأوبرا.. وغيرهم؟
في بداية عملي وجدت أن أمين عام المجلس الأعلى للثقافة هو إداري بمنصب وكيل أول وزارة، وهذا وضع لا يصح، فكيف سيتعامل مع الجهابذة من المثقفين أعضاء اللجان المختلفة، وكيف سيدير نقاشاً معهم، وكنا ننتقي القامات والشموخ وأعتى الأسماء، إذن كان لابد من الاستعانة بمثقف يدير الحوارات معهم، وكذلك وجدت هيئة الكتاب تحتاج إلى ناقد أو مبدع؛ لأن تعاملاته ستكون مع الكتاب والمثقفين في مجال النشر.
- لو عرض عليك تولي الوزارة، هل ستقبل؟
بالطبع سأرفض؛ لأن الظروف اختلفت والأوضاع تغيرت وأصبح للثقافة وزير وللآثار وزير آخر، والمنصب يريد اليوم روحاً شابة قوية حتى تتابع من قريب وبعيد.
وأضاف ضاحكًا: لو قُلت لي ماذا ستفعل في الوزارة، سأقول لك سأكمل ما بدأته يعني هنعمل شوية متاحف زيادة أو شوية مكتبات زيادة، الأمور مش هتمشي كده.
- هل توليك الوزارة كل هذه الفترة أفادك أم أضرك؟
أفادني وأضرني في نفس الوقت؛ فقد تعلمت الكثير وأدركت مصر بشكل حقيقي، بسبب المسؤولية، التي دفعتني للتفتيش في كل تفصيلة صغيرة، حتى أبحث عن حلول للمشكلات وكوادر جديدة، واكتشفت أشياء عظيمة وكوادر مهمة، فضلًا عن الجسارة والتنافس مع الدول الأوروبية الكبرى ثقافيًّا، وكانت كل الفعاليات أشرف عليها بنفسي حتى تخرج بالشكل اللائق.
- بمناسبة الدور المصري وأهميته في المنطقة والعالم.. كيف ترى الموقف بعدما بدأت بعض الدول تتولى قيادة المنطقة كما يُقال؟
قيادة المنطقة ليست بالفلوس؛ هل يمكن أن تعتبر الغني يفهم أكثر من الفقير؟ الفلوس ليست هي الفيصل والحكم، واقتصادهم طبعًا قوي جدًّا وعظيم، ونحن اقتصادنا في محنة؛ ولكن محصلة التاريخ قاعدة تنطلق منها ويجب أن تكون سياستك مرسومة على القاعدة التاريخية لك، حتى يعمل لك العرب حساباً، وأغلبهم يعمل لنا حساب؛ لأنهم تعلموا في مصر، والآن اتجهوا إلى أوروبا وأمريكا وغيرهما، وتخلفنا في بعض الأشياء التي جعلت تأثيرنا أقل، عندما انغلقنا على أنفسنا، في هذه الفترة ، والدولة سياسيًّا واقتصاديًّا يجب أن تكون منفتحة، ولها كيان وحرية؛ فنحن دولة قديمة وراسخة لديها بعض المشكلات لكنها فترة وهتعدي.
- بعد ثورة التكنولوجيا اختفى دور قصور الثقافة التي اعتمدت على آليات قديمة.. كيف ترى دورها حاليًّا؟
لابد أن يتعاظم دور قصور الثقافة والوزارة كلها بعد الثورة التكنولوجية، وأن تكون الثقافة "أون لاين"، على الموبايل؛ فالمؤسسات تنتقل إلى العالم الافتراضي حتى تصل إلى كل إنسان، وعبر التليفزيون الذي أغفل الثقافة وصار يهتم بشوية المسلسلات، وحتى تستعيد تأثيرك يجب أن تساير العصر حتى يستفيد المواطن أو ينشغل ببعض ما تقدمه الوزارة في ثوبها الجديد، ثم يتعاظم الدور مع الوقت، ولو كل قصر ثقافة طرح برنامجه على مواقع التواصل الاجتماعي، سيكون له دور فاعل، ولن تتخلف عن العصر.
- أنشأت صندوق التنمية الثقافية لإنقاذ قطاعات الثقافة من الروتين.. ولكنه الآن بلا موارد تقريبًا وأوشك على الإفلاس، فكيف ترى الأمر؟
الثقافة استثمار ويجب تصنيع الثقافة، بمعنى أنني يجب أن أصنع الأفكار حتى أجد الموارد، وعندما أنشأت الصندوق جعلت من موارده نسبة 10% من موارد قطاعات الوزارة، بقرار جمهوري؛ حتى لا تذهب فلوس الوزارة بعيدًا عن إنفاق الوزارة، وكنت أستخدم هذه الميزانية في الإنفاق على كل مؤسسات الوزارة ودعم أية مؤسسة خاصة، وكذلك اتحاد الكتاب والجمعيات الأهلية، ولو وجدت بائعة جرجير تحتاج إلى دعم لدعمتها، ووجدت أنني لو اعتمدت على الدولة فلن أتحرك خطوة إلى الأمام.
- هل لهذا السبب سعيت لتدشين مؤسسة فاروق حسني؟
أنشأت مؤسسة فاروق حسني؛ لأن لديّ مقتنياتي ومقتنيات كثير من الفنانين مصريين وعرب وأجانب، وهذه المؤسسة لتحمي هذا المتحف وتقوم بنشاط ثقافي موازٍ، ولا بد أن يكون النشاط محكومًا بالميزانية المحدودة والمستهدف منها، وأرجو أن تنجح كما نجحت في الوزارة.
- ما المشروع التي تتمنى وزارة الثقافة تبنيه حاليًّا؟
هو استكمال ما تركته من مشروعات في كل قطاعات الوزارة ومواصلة المسيرة، ولدينا 5000 قرية، ولا بد أن تصل إليهم الثقافة، وأتمنى أن يتم البناء على ما تركته؛ لأن القاعدة تمت .
- هل انحزت للفن التشكيلي على باقي الفنون في الوزارة؟
الفن التشكيلي كان في الأرض، وانحزت له بقدر وليس في المطلق؛ حتى يكون بمساواة باقي الفنون، لتطبيق نظرية الأواني المستطرقة، ولا أعرف لماذا غضب البعض من ذلك واتهموني بأنني أنحاز للفنون التشكيلية، رغم أن هذا الأمر دور أصيل لي، ولو رأيت أي شيء ناقصاً في أحد الفنون سأعليه وأستكمله وفعلت ذلك كثيراً، ولكنهم لا يرون سوى ما يريدون أن يروه.