3 سيناريوهات للحرب الإيرانية.. ماذا ينتظر النفط والذهب والدولار؟
كتب : أحمد الخطيب
3 سيناريوهات للحرب الإيرانية.. ماذا ينتظر النفط وا
لم تعد تداعيات الحرب الإيرانية تقتصر على بعدها العسكري أو الجيوسياسي، بل تحولت إلى عامل حاسم في إعادة تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي، حيث تداخلت صدمة الإمدادات مع اضطرابات سلاسل التوريد لتفرض واقعًا جديدًا تتحرك فيه أسعار النفط والذهب والدولار وفق معادلة معقدة من المخاطر والتوقعات.
فمنذ اندلاع المواجهات في نهاية فبراير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، دخلت الأسواق العالمية مرحلة من التقلب الحاد، خاصة مع إغلاق جزئي لمضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا يمر عبره نحو 20% من الإمدادات العالمية من النفط.
وأسفر هذا التطور عن تراجع المعروض بنحو 10.1 مليون برميل يوميًا، في واحدة من أكبر صدمات الإمدادات في التاريخ الحديث، وفق تقديرات تقارير دولية صادرة عن وكالة الطاقة الدولية.
وفي ظل هذه التطورات، ارتفعت أسعار خام برنت إلى حدود 105 دولارات للبرميل بحلول أبريل 2026، وسط محاولات هدنة متعثرة وتذبذب مستمر في مسار المفاوضات، ما عزز حالة عدم اليقين وفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة لمستقبل الأسواق.
صدمة الإمدادات بين "تدمير الطلب" وانفصال التسعير
في قراءة أوسع، تشير تقارير وكالة الطاقة الدولية إلى أن ما يشهده سوق النفط لا يقتصر على نقص في المعروض، بل يمتد إلى ظواهر أكثر تعقيدًا، أبرزها ما يعرف بـ"تدمير الطلب"، حيث لا يتراجع الاستهلاك نتيجة وفرة البدائل، بل بسبب عجز الاقتصادات عن تحمل الأسعار المرتفعة.
كما تسجل الأسواق حالة "انفصال" واضحة بين أسعار العقود الآجلة وأسعار الشحنات الفعلية، وهو ما يعكس فجوة متزايدة بين التوقعات النظرية والواقع الفعلي للإمدادات، خاصة مع تراجع التدفقات عبر مضيق هرمز إلى مستويات غير مسبوقة.
وبحسب هذه التقديرات، فإن استمرار الأزمة قد يدفع الأسعار إلى مستويات تتجاوز 150 دولارًا للبرميل، في حال تفاقم العجز العالمي، بينما يظل شهر مايو نقطة فاصلة بين عودة تدريجية للاستقرار أو الانزلاق نحو أزمة طاقة ممتدة.
وفي السياق ذاته، يبرز تحليل معهد كاتو زاوية مختلفة، إذ يرى أن ما يحدث ليس مجرد أزمة جيوسياسية، بل صدمة عرض حقيقية، تتزامن مع سياسات نقدية توسعية أضعفت الدولار، ما يفاقم الضغوط التضخمية.
ويحذر التقرير من أن أي تدخل حكومي مباشر في تسعير الوقود قد يؤدي إلى نتائج عكسية، تصل إلى نقص فعلي في المعروض بدلًا من استقرار الأسعار.
اقرأ أيضًا:
بعد تقلبات هرمز.. إلى أين تتجه أسعار النفط في المدى القريب؟
وأوضح خبراء في الاقتصاد وقطاع الطاقة والقطاع المصرفي، خلال حديثهم لـ"مصراوي"، أن مسار الأسواق بات رهينًا بتطورات الحرب، حيث يظل مضيق هرمز العامل الحاسم في تسعير النفط، بينما يتحرك الدولار بدافع الطلب على السيولة في أوقات الأزمات، ويستفيد الذهب من تصاعد المخاطر كملاذ آمن، بما يعكس ترابطًا مباشرًا بين الطاقة والعملات والتضخم.
سيناريوهات الحرب.. مسارات متباينة لأسواق النفط والذهب
في قراءة تحليلية لمسارات الأزمة، يوضح أحمد معطي، خبير اقتصادي، أن الأسواق لم تعد تتحرك وفق مسار واحد، بل عبر ثلاثة سيناريوهات رئيسية، لكل منها انعكاساته المباشرة على أسعار النفط والذهب والدولار.
يرى معطي أن السيناريو الأول، والمتمثل في استمرار حالة "الحرب الباردة"، يعكس الوضع الأقرب للواقع الحالي، حيث تبقى التوترات قائمة دون انفجار شامل.
وفي هذا الإطار، تميل أسعار النفط إلى التحرك في نطاقات محدودة، مع ارتفاعات تدريجية تتراوح بين 1% و3% في حال استمرار القيود الجزئية على الملاحة، بينما يتجه الذهب للصعود البطيء باعتباره ملاذًا آمنًا في بيئة يغلب عليها عدم اليقين.
أما السيناريو الثاني، المرتبط بنجاح المسار الدبلوماسي وإنهاء الحرب، فيحمل انعكاسات أكثر وضوحًا على الأسواق، إذ يتوقع معطي تراجع أسعار النفط إلى ما دون 90 دولارًا، قبل أن تستقر في نطاق 70-80 دولارًا للبرميل، مدفوعة بعودة الإمدادات.
في المقابل، قد يشهد الذهب موجة صعود قوية تتجاوز 5%، مع احتمالات بلوغ مستويات قياسية، نتيجة إعادة توجيه الاستثمارات في ظل تغير توقعات السوق.
وفي السيناريو الثالث، وهو الأكثر حدة، المتمثل في تصعيد عسكري مباشر وإغلاق كامل لمضيق هرمز، يتوقع معطي حدوث صدمة قوية في أسواق الطاقة، تدفع أسعار النفط إلى ما يتجاوز 150 دولارًا للبرميل.
وعلى الرغم من أن الذهب يعد ملاذًا آمنًا تقليديًا، إلا أن هذا السيناريو قد يشهد تقلبات غير متوقعة في أسعاره، نتيجة ضغوط السيولة وتحولات رؤوس الأموال.
ومن زاوية أكثر تخصصًا في أسواق الطاقة، يطرح الدكتور ثروت راغب قراءة تكميلية تؤكد أن مضيق هرمز سيظل العامل الحاسم في تحديد اتجاه الأسعار، باعتباره معبرًا لنحو 20% من إمدادات الطاقة عالميًا.
ويشير راغب إلى أن سيناريو الإغلاق الكامل للمضيق قد يدفع الأسعار إلى مستويات تتجاوز 120 دولارًا، وربما تصل إلى 150 دولارًا أو أكثر في حالات التصعيد القصوى، نتيجة توقف جزء كبير من الإمدادات العالمية.
أما في حالة الإغلاق الجزئي، أو ما يعرف بـ"التصعيد منخفض الحدة"، فإن الأسواق ستشهد ارتفاعات محدودة، مع تحرك الأسعار في نطاق يقارب 98-100 دولار، مع زيادات تدريجية مرتبطة بمدى القيود المفروضة على حركة الملاحة.
وفي حال نجاح الجهود الدبلوماسية، يتوقع راغب عودة تدريجية للأسعار نحو مستويات التوازن، لتتراجع من مستويات تقارب 100 دولار إلى حدود 85 دولارًا خلال فترة قصيرة، قبل أن تستقر في نطاق 70-80 دولارًا خلال عدة أشهر، مع استعادة تدفقات الإمدادات.
اقرأ أيضًا:
كم يستغرق تعافي قطاع النفط بعد الحرب؟.. بين فاتورة 25 مليار دولار وسنوات طويلة
الدولار بين قوة الأزمات وتآكل الثقة
وفيما يتعلق بالدولار، تشير تقديرات صادرة عن معهد أبحاث تشاتام هاوس إلى أن صمود العملة الأمريكية خلال الحرب الإيرانية يعكس مفارقة لافتة؛ إذ لا يستند إلى قوة هيكلية في النظام المالي بقدر ما يرتبط بعوامل ظرفية، أبرزها تمتع الاقتصاد الأمريكي بدرجة من "العزل النسبي" عن صدمة الطاقة، بفضل كونه أحد أكبر منتجي النفط والغاز عالميًا.
ففي سيناريو التهدئة السريعة، يحافظ الدولار على تماسكه بل ويسجل مكاسب محدودة مدعومة بتدفقات السيولة العالمية وارتفاع عوائد السندات، مع لجوء البنوك المركزية إلى العملة الأمريكية كأداة دفاعية لحماية عملاتها.
غير أن هذا التماسك يظل هشًا بطبيعته، إذ يبدأ في التآكل تدريجيًا مع تحول الصراع إلى نمط ممتد من التوترات، حيث تظهر ما يمكن وصفه بـ"الندوب الخفية" في الثقة العالمية تجاه السياسات الاقتصادية الأمريكية، بالتوازي مع صعود بدائل مثل اليوان الصيني الذي يستفيد من استقرار نسبي في سوق الطاقة.
أما في سيناريو التصعيد الأوسع، فتتحول قوة الدولار إلى ما يشبه "قوة الأزمات"، حيث يرتفع بفعل الطلب العالمي على السيولة، لكنه ارتفاع يعكس حالة ذعر في الأسواق أكثر من كونه مؤشرًا على متانة اقتصادية، خاصة مع اتجاه بعض الدول إلى بيع السندات الأمريكية لتأمين احتياجاتها الدولارية، وهو ما يرفع تكلفة الاقتراض ويضع ضغوطًا إضافية على الاقتصاد الأمريكي.
اقرأ أيضًا:
ضبابية قرار واشنطن وطهران تهز الاقتصاد العالمي بين القلق والتعافي
الدولار ومؤشر الفزع في الأسواق
وفي قراءة تفسر تحركات العملة الأمريكية عالميًا، يوضح محمد عبد العال الخبير المصرفي، أن الدولار يتأثر في المرحلة الحالية بمزيج معقد من العوامل الجيوسياسية والنفسية، التي باتت تلعب دورًا متزايدًا في توجيه الأسواق.
ويشير إلى أن غياب محفزات اقتصادية جديدة واضحة جعل الأسواق أكثر حساسية للأحداث المفاجئة، مستشهدًا بحادث استهداف الإدارة الأمريكية في أحد فنادق واشنطن، والذي اعتبره مثالًا على ما يسميه بـ"مؤشر الفزع"، حيث تؤدي مثل هذه التطورات إلى ردود فعل نفسية سريعة تدفع المستثمرين لإعادة تموضعهم بشكل حاد، بما ينعكس مباشرة على حركة الدولار.
وفي هذا السياق، يلفت عبد العال إلى العلاقة الوثيقة بين الدولار وأسواق السندات والذهب، موضحًا أنه في حال تصاعد التداعيات السياسية، تميل أسعار السندات الأمريكية إلى التراجع، بما يرفع عوائدها، وهو ما يتزامن عادة مع ضغوط على الدولار مقابل صعود الذهب كملاذ آمن.
كما يؤكد أن التوترات الجيوسياسية لا تزال قائمة، خاصة في ظل استمرار الحصار المفروض على إيران، مشيرًا إلى أن الاستراتيجية الأمريكية الحالية تميل إلى "الخنق الاقتصادي" بدلًا من المواجهة العسكرية المباشرة.
ويرى أن تمديد وقف إطلاق النار يخدم هذا التوجه، إذ يمنح الولايات المتحدة مساحة زمنية لإعادة ترتيب أوراقها وتعزيز أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي، بما قد ينعكس لاحقًا على مسار الأسواق.
سيناريوهات سعر الدولار مقابل الجنيه
يرى محمد عبد العال الخبير المصرفي أن سعر الصرف يمر في المرحلة الحالية بحالة يمكن وصفها بـ"التقاط الأنفاس"، حيث يتحرك الجنيه المصري في نطاق من الاستقرار النسبي حول مستوى 52.50 جنيهًا للدولار. ويوضح أن هذا الاستقرار لا يعكس توازنًا كاملاً أو حالة ثبات حقيقية، بقدر ما يعبر عن توازن مؤقت بين قوى الدعم والمقاومة في ظل استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.
ويشير إلى أن حركة الجنيه داخل هذا النطاق محكومة بمستويات فنية واضحة، حيث تمثل منطقة 51.80 إلى 52.10 جنيهًا نطاق دعم قوي، بينما تتحرك منطقة المقاومة عند مستويات 52.80 إلى 53.30 جنيهًا، وهو ما يعكس حالة ترقب في السوق أكثر من كونه اتجاهًا حاسمًا.
وفيما يتعلق بعوامل دعم الجنيه، يوضح عبد العال أن تمديد وقف إطلاق النار أسهم في خفض علاوة المخاطر السياسية، بما انعكس إيجابًا على حركة الأسواق، إلى جانب تراجع أسعار النفط الذي خفف من الضغوط على فاتورة استيراد المواد البترولية.
كما يشير إلى أن توازن دخول وخروج الأموال الساخنة في أدوات الدين، مع استمرار جاذبية السندات وأذون الخزانة المصرية، ساهم في دعم استقرار العملة، مدعومًا بارتفاع العائد الحقيقي الذي عزز من جاذبية الجنيه أمام المستثمرين.
ويضيف عبد العال أن مرونة نظام سعر الصرف لعبت دورًا مهمًا في امتصاص الصدمات ومنع ظهور سوق موازية، بما أعاد قدرًا من الثقة إلى السوق.
في المقابل، يلفت إلى وجود مجموعة من عوامل الضغط التي تحد من قدرة الجنيه على تحقيق ارتفاعات قوية، أبرزها استمرار أسعار النفط عند مستويات تتراوح بين 90 و100 دولار للبرميل، مقارنة بتقديرات أقل في الموازنة العامة، ما يزيد من عجز الحساب الجاري وأعباء دعم الطاقة.
كما يشير عبد العال إلى أن استمرار التوترات ينعكس سلبًا على الإيرادات الدولارية، خاصة إيرادات قناة السويس والسياحة وتحويلات المصريين في الخارج، إلى جانب احتمالات إعادة النظر في السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة إذا استمرت الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع النفط.
وفيما يتعلق بالسيناريوهات المستقبلية، يطرح عبد العال ثلاثة مسارات محتملة لحركة الدولار مقابل الجنيه. يتمثل السيناريو الإيجابي في استمرار الهدنة وتراجع أسعار النفط إلى نطاق 85–90 دولارًا، مع استمرار تدفقات الاستثمارات، وهو ما قد يدفع السعر إلى نطاق 51.25-52.25 جنيهًا مع إمكانية اختبار مستوى 51 جنيهًا.
أما السيناريو الواقعي فيرتبط باستمرار حالة "الحرب الباردة" وبقاء النفط بين 90 و100 دولار مع تذبذب التدفقات الاستثمارية، ما يبقي السعر في نطاق 52.50-53.25 جنيهًا، وهو المستوى السائد حاليًا في الأسواق.
في حين يقوم السيناريو السلبي على فرضية انهيار التهدئة والتصعيد العسكري وإغلاق مضيق هرمز وخروج الاستثمارات الأجنبية، وهو ما قد يدفع الدولار إلى مستويات تتراوح بين 53.50 و55 جنيهًا.
ويختتم عبد العال رؤيته بالإشارة إلى أن المسار الأرجح على المدى المتوسط يميل إلى "استقرار مائل للضعف التدريجي"، مع احتمالات عودة السعر إلى نطاق 53-55 جنيهًا في وقت لاحق، إذا استمرت الضغوط العالمية دون انفراج واضح.
تكشف سيناريوهات الحرب الإيرانية أن الاقتصاد العالمي يقف أمام مفترق طرق معقد، حيث لا تتحدد اتجاهات الأسواق فقط بمدى التصعيد العسكري، بل بقدرة الأطراف على حسم حالة الغموض التي أصبحت في حد ذاتها محركًا رئيسيًا للأسعار.
فبين صدمة الإمدادات، وتآكل القوة الشرائية للدولار، وتصاعد دور الذهب كملاذ آمن، تتشكل معادلة جديدة للاقتصاد العالمي، يكون فيها الاستقرار مرهونًا ليس فقط بوقف الحرب، بل بإعادة بناء الثقة في توازنات الطاقة والتجارة الدولية.