• أولاد البيض في أمريكا: كيف أثر التطرف على الإنترنت في عقولهم؟

    12:29 م الخميس 22 أغسطس 2019
    أولاد البيض في أمريكا: كيف أثر التطرف على الإنترنت في عقولهم؟

    صورة تعبيرية

    لندن (بي بي سي)

    عبرت أم عن قلقها من المحتويات المتطرفة المسممة لعقول الأولاد الذين يستخدمون الإنترنت، في تغريدة نشرتها على موقع تويتر وحظيت بانتشار كبير.

    ويبدو الأولاد البيض في الولايات المتحدة، في هذا العصر الذي يستطيع فيه أي شخص الوصول إلى أي شيء تقريبا على الإنترنت، معرضين لخطر التطرف أكثر من غيرهم.

    وهناك ثلاثة أشياء تجمع بين المشتبه بهم في حوادث إطلاق النار الجماعي في الولايات المتحدة، وهي: أنهم شباب، وأنهم بيض، وأنهم ذكور.

    ويعتقد أن المشتبه به في حادثة إطلاق النار في (ال باسو)، التي قتل فيها 22 شخصا في ولاية تكساس، نشر (مانيفيستو) بيانا عنصريا على الإنترنت.

    وقالت الشرطة التي تحقق في الهجوم الدموي الذي حدث في دايتون في اليوم التالي إن المسلح تأثر بـ"أيديولوجية عنف"، وإن لم يكشف عن الدافع وراء الحادثة.

    ولا تعد مخاطر الإنترنت موضوعا جديدا بالنسبة إلى الآباء والأمهات والمعلمين، لكن الحوداث المأساوية الجديدة أثارت الجدل مرة أخرى بشأن ما يمكن أن تفعله الأسر، وما يجب أن تفعله، خاصة فيما يتعلق بتربية الأولاد البيض في الولايات المتحدة.

    وتقول جوانا شرودر، وهي أم لثلاثة أطفال، وكاتبة وناقدة إعلامية: "بدأت النذر تظهر قبل عام أو نحو عام، حينما أخذ أولادنا يطرحون أسئلة تدل على وصولهم إلى موضوعات يتناولها اليمين المتطرف".

    وقالت لبي بي سي إن أحد ولديها بدأ يتناول "بسخرية وفي نكات مواقف اليمين المتطرف"، متسائلا مثلا عن سبب تقليد السود "لثقافة البيض، مع عدم إمكانية نقل البيض لثقافة السود". وبدأت شرودر تعرف كيف يشارك الأولاد الآخرون بعض المواد العنصرية والمناهضة للمثليين، وتدرك أيضا أنها على أكثر احتمال مستقاة من منتديات على الإنترنت.

    وفي الأسبوع الماضي انتشرت التغريدة التي نشرتها شرودر عن دور آباء وأمهات الأولاد البيض، في عالم يسهل فيه الوصول إلى وجهات النظر المتطرفة، وأن هؤلاء الآباء يجب أن يراقبوا وسائل التواصل الاجتماعي التي يستخدمها أولادهم، وأن يعلموهم التعاطف مع الآخرين.

    وأصبحت التغريدة مثار نقاشات واسعة، وبلغ عدد المعجبين بها 180000 شخص، ووصل عدد التعليقات ومن شاركوها إلى 8500 عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة.

    وتقول شرودر: "لا تدل جميع النكات التي يستخدمها الأولاد على تعرضهم إلى خطر أيديولوجي. لأن السؤال الأكبر الذي يجب أن يطرحه الآباء والأمهات على أنفسهم هو: حينما يطرح أبناؤهم نكاتا عنصرية أو مناهضة للمثليين، هل يفهم أولادهم العواقب العميقة المترتبة على ما يقولونه؟".

    لكن بعض الناس سخر من اقتراحها مراقبة وسائل التواصل التي يستخدمها الأولاد، لأن فيه تدخلا في خصوصياتهم ومبالغة في رد الفعل.

    وقال آخرون إن ما تقوله لا يقتصر فقط على الأولاد البيض، وإن التركيز على عرق واحد يجعل المشكلة أقل عمومية. وأشاروا أيضا إلى دور وسائل الإعلام الكبيرة في الخلط بين وجهات نظر وقيم المحافظين، أو غير المتحررين فكريا، بالتعصب الأعمى واستعلاء البيض.

    ويقول بعض الخبراء إن لوغاريتمات وسائل التواصل الاجتماعي تلهب انتشار وجهات النظر المتطرفة أو التي تتسم بالتآمر، عن طريق إيجاد ما يعرف بغرف الصدى على الإنترنت، أي الغرف التي تردد ما يطرح. ومع التأكد من أن تأثير دعايات الإنترنت ليس مقصورا على الأولاد فقط، في الولايات المتحدة على الأقل، فإنه يبدو أن هذا يدفع الشباب بوجه خاص إلى الرد بعنف، دفاعا عن أنفسهم.

    وقال أحد الشباب في رده على شرودر: "رأيت هذا يحدث لأناس كانوا يحيطون بي في المدرسة. وشاهدت الانقسام بين من تأثروا بشدة، ومن لم يتأثروا".

    وربما يتضمن فيديو ألعاب على يوتيوب إشارة إلى شيء سياسي، على سبيل المثال. وربما يكون هذا موضوعا بعناية لاجتذاب الشباب، بحسب ما تقوله شرودر، مضيفة: "بعد مشاهدة هذا الفيديو، ربما يكون الفيديو التالي أكثر من سابقه تطرفا".

    وفي أوائل هذا الشهر نشرت صحيفة نيويورك تايمز تحقيقا عن الطرق التي يستخدمها يوتيوب في تمكين اليمين المتطرف في البرازيل، عن طريق التوصية ببعض القنوات المشجعة على نظرية التآمر، والمروجة لمحتويات اليمين المتطرف لمستخدميها.

    وأفادت صحيفة التايمز بأن تأثيرات توجيه وجهات النظر إلى تلك المحتويات شوهد في مدارس البرازيل، وفي أنظمة الصحة العامة، وفي السياسة بطبيعة الحال. وكان جائير بولسونارو، قبل انتخابه، نجما لليمين المتطرف على يوتيوب.

    ويقول توم ريديماتشر، المعلم في المرحلة الثانوية في مينيسوتا إن المدارس تستطيع بذل المزيد من الجهد لـ"وقف مثل هذا التطرف" بدون القضاء على أي مجموعة سياسية أو أيديولوجية خاصة.

    ويضيف: "يجب أن ندرّس التفكير النقدي والتعاطف. ولا ينبغي أن ندرس الأطفال ما الذي يفكرون فيه، بل كيف يستمعون إلى الآخرين الذين يفكرون بطريقة مختلفة عنهم".

    لماذا الأولاد البيض؟

    يقول تقرير لمكتب التحقيقات الفيدرالي يحلل حوادث إطلاق النار من عام 2000 إلى 2013 إن 63 في المئة من المسلحين كانوا بيضا وصغار السن، أو في منتصف العمر. ومقارنة بذلك، يأتي السكان الأمريكيون من أصول إفريقية، في المرتبة التالية، بنسبة 16 في المئة.

    ويشير تحقيق أجرته شركة (ماذر جونز) على حوادث إطلاق النار من عام 1989 وحتى عام 2019 إلى نتائج مماثلة، من حيث إن مرتكبيها كانوا بيضا من صغار السن.

    وقال رئيس مكتب التحقيقات، كريستوفر راي، في يوليو/تموز أمام مجلس الشيوخ إن أغلب حالات الإرهاب المحلي "كان دافعها بعض أنواع ما يمكن أن نصفه بعنف استعلاء البيض".

    وأمضت البروفيسورة مارغريت هاغرمان في جامعة ميسيسيبي سنتين وهي تدرس مجموعة أسر من البيض الأغنياء، والطرق التي تناقش بها تلك الأسر موضوع العرق وتعلمه.

    وتقول هاغرمان إنها اندهشت عندما عرفت أن كثيرا من الآباء والأمهات يعتقدون أن أطفالهم لا يعرفون عن العرق وأنهم "عمي بالنسبة إلى موضوع اللون".

    وأضافت: "عندما قضيت وقتا وجها لوجه مع الأطفال، أو مع أصدقائهم، كان من الواضح أن لديهم فكرة عن العرق، والعنصرية وعدم المساواة".

    وتقول: "يتعلم الأطفال عن العرق في أمريكا من خلال جوانب مختلفة من حياتهم اليومية".

    وتشير إلى أن الآباء والأمهات يجب أن يفكروا في الطرق التي يربون بها أبناءهم، وكيف أن معيشتهم في أجواء يهيمن عليها البيض، وذهابهم إلى مدارس للبيض، قد "يرسخ في أذهانهم رسالة" تجعلهم غير مهيئين للتعامل مع بعض المحتويات، من قبيل ما يروج له أصحاب أيدويولوجيات استعلاء البيض.

    وتقول: "غالبا ما أسمع آباء وأمهات يقولون لي إنهم غير مرتاحين للحديث عن العنصرية مع غيرهم من الكبار. وهذا يدهشني، لأنه إذا كان البيض الكبار لا يستطيعون إجراء حديث عن العنصرية في أمريكا مع كبار آخرين من البيض أيضا، فلست أفهم كيف يفكرون في الاستعداد لمثل هذه الأحاديث مع الأطفال".

    ووصف ريديماتشر مجموعة من الأولاد البيض في فصل يدرسه بأنهم كانوا غالبا ما يسخرون من العرق، والجندر، والميول الجنسية للأشخاص، بطريقة يعتقد أنها نابعة من منتديات الإنترنت.

    ولم يؤد التوبيخ إلى كبح هذا السلوك لديهم، ولذلك دعا ريديماتشر هؤلاء الأولاد إلى مناقشة على الغداء.

    وقال له أحد الطلاب إن "الأولاد البيض يقلقون باطراد من وصفهم بأنهم عنصريون إلى درجة أنهم يسخرون فيما بينهم من ذلك بإطلاق النكات، كوسيلة للتعامل مع ما يخافون منه".

    ويقول ريديماتشر إن بعض الأولاد، بعد انتهاء النقاش، انضم إلى مجموعة قيادية لمناهضة العنصرية في المدرسة.

    ويضيف أنهم "لا يزالون صغار السن. لكنهم يحاولون التعرف على الحدود الفاصلة بين القضايا. وكيف تكون هناك أمور مثيرة للفكاهة، وأمور أخرى يتسم التعرض لها بالهجوم والعدوان".

    ويقول إن صغار السن من البيض "في سن تجعلهم عرضة للانخراط في التطرف"، ولكنهم الآن يعيشون تغييرات ثقافية واسعة النطاق تجعلهم "يشعرون أنهم يتعرضون للهجوم" من التيار العام في المجتمع.

    ويضيف أن ثقافة التقليد، وثقافة الألعاب، وثقافة القومية البيضاء، قد تتداخل جميعا، وأنه من السهل جدا أن يبدأ الصغار بإحداها وينتقلون إلى أخرى دون أن يدركوا ذلك.

    ما الذي يمكن فعله؟

    تقول شرودر إن الآباء والأمهات بحاجة إلى أن يتدخلوا لأن أطفالهم لن يتوقفوا عن الفحص المدقق للمناقشات التي يسمعونها على الإنترنت. وعلى الآباء أن يسألوا أولادهم أين سمعوا ذلك، وأن يعرضوا عليهم تفسير السياق لهم إن أرادوا.

    وتضيف: "غالبا ما أبدأ حديثي معهم هكذا (أعلم أنك لا تريد إيذاء أحد، لذلك أود أن أشرح لك كيف أن نكتة مثل هذه غير مناسبة بالمرة، وأنها مؤذية للمشاعر. بهذه الطريقة ستعرف لماذا لا نريدك أن تقولها مرة أخرى".

    ويقول ريديماتشر إنه من المهم بالنسبة إلى المعلمين أن يظلوا متذكرين أن الآباء قد يلجأون هم أيضا إلى وسيلة الدفاع إذا تعرض أطفالهم إلى موقف مخجل. (وقولك في رسالة بريد إلكتروني لوالد أو أم، إن طفلك سيكون من القوميين البيض، ليس كلاما فيه تحمل للمسؤولية".

    ولكن كثيرا من الآباء والأمهات قلقون جدا من المواد المتاحة أمام أولادهم على الإنترنت.

    ويقول ريديماتشر: "ما كنا نرتكبه من أخطاء غبية هو الأخطاء الغبية التي ستجعلك مثار الأخبار لفترة. ولذلك من الأفضل دائما مشاركة والديك في أي موقف تتعرض له إن استطعت".

    ويضيف أن تطبيق مثل تلك الأفكار خلال المنهج الدراسي طوال العام، قد يكون سبيلا سهلا لعلاج مسألة التطرف على الإنترنت. ولكن الآباء الذين يخشون من أن هذا قد يكون "ضد البيض" مخطئون.

    ويقول" "ما أعنيه هو أن الفصل الدراسي يمكن أن يكون مكانا يستطيع الأطفال فيه استكشاف الأمور دون أن يتعرضوا إلى أي خجل. إذ إننا إن عرضنا مجموعة إلى الخجل، فإننا ندفعها إلى طريق سلبي".

    وتقول الكاتبة والناقدة الإعلامية شرودر: "أطفالنا بحاجة إلى أن يعرفوا أننا نتوقع منهم أن يكونوا لطفاء، ومحترمين، وأمناء، ليس لأننا نعتقد أنهم ليسوا كذلك بالفعل، بل لأننا نعرف أنهم بالفعل في داخلهم جيدون".

    هذا المحتوى من

    إعلان

    إعلان

    إعلان