في تجربة من أجرأ الاكتشافات في تاريخ الطب الحديث، ابتلع الطبيب الأسترالي باري مارشال بكتيريا "هيليكوباكتر بيلوري" (H. pylori) بنفسه، لإثبات ارتباطها بالتهاب المعدة والقرحة الهضمية، بعدما قوبلت هذه الفكرة بتشكك كبير من الأوساط الطبية في ذلك الوقت.
وتعد هذه التجربة واحدة من أشهر القصص في تاريخ الطب الحديث، إذ ساهم مارشال مع مواطنه عالم الأمراض روبن وارن في اكتشاف العلاقة بين بكتيريا "هيليكوباكتر بيلوري" وأمراض المعدة، وهو الاكتشاف الذي غير فهم الأطباء للقرحة وطرق علاجها.
وبحسب مؤسسة نوبل، اكتشف وارن ومارشال أن البكتيريا يمكن أن تستعمر المعدة وترتبط بالتهاب المعدة والقرحة الهضمية، وهو ما أحدث تحولا مهما في التعامل مع هذه الأمراض.
فكرة لم يصدقها كثيرون
في بداية أبحاثهما، كان الاعتقاد السائد أن البكتيريا لا تستطيع العيش في البيئة شديدة الحموضة داخل المعدة.
لكن روبن وارن لاحظ وجود بكتيريا غريبة في عينات من بطانة معدة مرضى يعانون من التهاب المعدة، ثم تعاون مع باري مارشال لدراسة هذه الملاحظة بشكل أكثر تفصيلا.
وسرعان ما واجه الباحثان تشككا كبيرا، خصوصا أن فكرتهما كانت تتعارض مع الاعتقاد الطبي السائد آنذاك، والذي لم يكن يعتبر البكتيريا سببا رئيسيا للقرحة الهضمية.
تجربة على نفسه
ومع استمرار التشكيك في نتائج أبحاثهما، قرر باري مارشال اختبار الفكرة على نفسه.
وفي عام 1984، تناول مزرعة تحتوي على بكتيريا "H. pylori"، وبعد فترة ظهرت عليه أعراض التهاب في المعدة، وأكدت الفحوص وجود البكتيريا.
وتلقى مارشال بعد ذلك علاجا بالمضادات الحيوية، وتحسنت حالته.
ورغم أن تجربته على نفسه لم تكن الدليل الوحيد على صحة النظرية، فإنها أصبحت محطة شهيرة في قصة اكتشاف العلاقة بين "هيليكوباكتر بيلوري" وأمراض المعدة، ثم جاءت دراسات وأبحاث أخرى لاحقا لتدعم هذه النتائج.
اكتشاف غير علاج القرحة
قبل اكتشاف دور "H. pylori"، كان علاج القرحة يركز بدرجة كبيرة على تقليل حموضة المعدة والسيطرة على الأعراض.
لكن بعد إثبات ارتباط البكتيريا بالمرض، أصبح من الممكن استهداف السبب لدى المرضى المصابين بالعدوى، من خلال أنظمة علاج تعتمد على المضادات الحيوية إلى جانب أدوية تعمل على تقليل حمض المعدة، وفقا لحالة المريض وتوصيات الطبيب.
جائزة نوبل تتوج الاكتشاف
وفي عام 2005، حصل باري مارشال وروبن وارن على جائزة نوبل في الطب تقديرا لاكتشافهما بكتيريا "هيليكوباكتر بيلوري" ودورها في التهاب المعدة والقرحة الهضمية.
ولا تقتصر أهمية القصة على تجربة طبيب قرر اختبار نظريته على نفسه، بل تكشف أيضا كيف يمكن لملاحظة علمية صغيرة أن تغير فهم الأطباء لمرض واسع الانتشار، وتؤدي إلى تغيير جذري في طرق علاجه.
ومنذ ذلك الاكتشاف، أصبحت "هيليكوباكتر بيلوري" واحدة من أبرز البكتيريا المرتبطة بأمراض الجهاز الهضمي، فيما ينظر إلى أبحاث مارشال ووارن باعتبارها مثالا بارزا على أهمية البحث العلمي وتحدي الأفكار الطبية السائدة بالأدلة.
اقرأ أيضًا: