من شاشة "صحاب الأرض" إلى الواقع.. طبيب مصري يروي ما عايشه في غزة
كتب : عبدالله محمود
مسلسل صحاب الأرض
كتب- عبدالله محمود:
عبر الشاشة الصغيرة حاول أبطال مسلسل "صحاب الأرض"، الذي يُعرض ضمن ماراثون رمضان 2026، تجسيد أحداث حرب الإبادة في غزة التي اندلعت في 7 أكتوبر 2023.
وبينما نال المسلسل المصري، إعجاب الجمهور العربي بمن فيهم سكان القطاع الذين رأوا فيه مرآة لواقعهم، فإنه أثار غضب إسرائيل، ودفع إعلامها الرسمي إلى شن هجوم حاد على المسلسل الذي لم يكتف باستعادة الوجع، بل اقترب من تفاصيله الدقيقة.
مفاجأة "صحاب الأرض" لم تكن فقط في واقعية المشاهد، بل في ظهور الأبطال المصريين الحقيقيين الذين عاشوا أهوال الحرب وقدموا يد العون لسكان غزة.
الدكتور المصري محمد أحمد توفيق، وهو طبيب عيون، الذي خرج من خلف الكواليس ليؤكد أن ما عرض على الشاشة لم يكن حبكة درامية، بل تفاصيل حقيقية عاشها يوما بيوم، منذ اللحظة التي قرر فيها دخول غزة عبر معبر رفح في أوّج الحرب.
بعد قرابة 7 أشهر من اندلاع الحرب، وتحديدا في مايو 2024، ترك توفيق أسرته خلفه، متجها إلى القطاع بينما كان القصف الإسرائيلي الغاشم في ذروته، ليقضي شهرا كاملا في مداواة المرضى والمصابين في ظل انعدام شبه كامل للأداوت والمستلزمات الطبية، قبل أن يعود إلى القاهرة مجددا.
لكن توفيق الذي كان ضمن وفد تابع لمنظمة الصحة العالمية، لم يستقر طويلا في القاهرة، إذ عاد إلى غزة مجددا في أكتوبر من العام نفسه، ليقضي ما يزيد عن الشهر بأسبوع.
خلال الرحلة الأولى، كان الجانب الفلسطيني من معبر رفح لا يزال خاضعا لسلطة حماس، قبل أن يُغلق لاحقا بعد سيطرة قوات الاحتلال الإسرائيلي عليه، ورفض القاهرة التعامل مع أي وجود إسرائيلي فيه.
يقول توفيق في حديثه لـ"مصراوي"، إنه اضطر في زيارته الثانية إلى غزة، لدخول القطاع عبر معبر كرم أبو سالم الذي تسيطر عليه قوات الاحتلال الإسرائيلي، وسط إجراءات مشددة شملت التفتيش وتقييد إدخال أي متاع سوى الملابس فقط.
تقابل أحد المشاهد في "صحاب الأرض"، مع تجربة الطبيب المصري؛ ففي أحد مشاهد المسلسل ظهرت الفنانة منة شلبي والتي تؤدي دور طبيبة، بينما تحاول إدخال جهاز طبي نادر لم يكن متوفرا في القطاع من أجل إنقاذ المصابين.
يقول توفيق: "كانت تجربة حقيقية عشتها خلال عبوري إلى غزة من معبر رفح عند نقطة تفتيش مصرية بعد أن سمح لي الضابط بالمرور مع الجهاز، المسلسل نقل الحقيقة، ممكن تكون وصلت لصنّاع العمل ممن كانوا في المستشفى".
يوضح توفيق، أن الجهاز الذي سُمح له بالعبور به كان مسؤولا عن جراحات الشبكية الدقيقة لاستخراج الشظايا من داخل العين.
وأضاف الطبيب المصري: "لغاية ما دخل الجهاز، ما كانش في ولا جهاز شغال في غزة لأن الأجهزة اللي كانت موجودة اتدمرت في القصف الإسرائيلي للمستشفيات".
أشار توفيق، إلى أن الجهاز ساعده على إجراء 1000 عملية جراحية لمصابين فلسطينيين، بينما فقد ما يعادلهم تقريبا بصرها قبل إدخال الجهاز.
يؤكد الطبيب المتخصص في جراحة الشبكية، أن معظم الحالات التي تعامل معها خلال عمله في المستشفى الأوروبي بغزة، كانت إصابات حرب بشظايا داخل العين، انفجارات، وتمزقات، قائلا: "لولا الجهاز ما كناش عرفنا نعمل أي حاجة".
يشير توفيق، إلى أن الجهاز لا يزال موجودا هناك، غير أن المستشفى خرج عن الخدمة منذ نحو 6 أشهر لوقوعه داخل منطقة الخط الأصفر الخاضعة لسيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي، وفقا لاتفاق وقف إطلاق النار.
وفيما يشاهد توفيق "صحاب الأرض"، يتوارد إلى ذهنه ما عاشه من شعور بالعجز خلال تواجده في غزة؛ لعدم قدرته على إسعاف أو مساعدة المصابين في ظل انعدام الإمكانات الطبية اللازمة لذلك.
يشير الطبيب إلى أن المشهد الذي عُرض في "صحاب الأرض"، بشأن الاحتفال بدخول الجهاز أو مستلزمات طبية عبر شاحنات البضائع كان يتكرر في الواقع، مؤكدا أنها لحظات لا تُنسى بالنسبة له.
"التجربة غيرتني تماما"، يقول الطبيب المصري مختصرا أثر التجربة التي قسمت حياته إلى مرحلتين، ما قبل غزة، وما بعدها. وتابع: "أحيانا نعمل بدافع الروتين أو المال، لكن حين تُتاح لك فرصة لتلمس قيمة مهارتك، تدرك أنها نعمة كبيرة من الله".
وفي الوقت الذي يعول فيه توفيق زوجته وأطفاله، يؤكد استعداده للعودة إلى غزة في حال طُلب منه ذلك، مضيفا: "ياريت لأن الإنسان في هذه اللحظات يكون مسيرا لا مخيرا"، وفق تعبيره.
وفي ظل ما التمسه توفيق من واقعية في نقل معاناة الفلسطينيين، عبّر عن امتنانه لصناع "صحاب الأرض" لوصولهم إلى حبكة درامية نقلت ماحدث في غزة، مؤكدا أنه لم يتخيل أن الواقع سيكون أقسى مما تنقله الكاميرات لكن الحقيقة لم تكن مبالغا فيها بل أشد.