• مصراوي مع حفيدة ''شيخ المقرئين'''': هنا ''رفعت'' حي يرزق

    04:12 م السبت 26 يوليه 2014
    مصراوي مع حفيدة ''شيخ المقرئين'''': هنا ''رفعت'' حي يرزق

    مصراوي مع حفيدة ''شيخ المقرئين'''': هنا ''رفعت'' ح

    كتب- محمد مهدي وإشراق أحمد:

    صوت خافت لآيات الذكر الحكيم، ينساب في شارع محمد مجدي بمنطقة عابدين، عبر نافذة في الدور الثاني بالعقار رقم ''4 ''، طقس اعتاده لسنوات أهالي المنطقة ليلة الخميس من كل أسبوع؛ يجتمع ''حسين محمد رفعت'' مع محبي ومريدي والده كما كان يفعل، بداخل غرفة صغيرة يتحلقون حول ''الجرامافون''، ينغمسون مع التلاوة في حالة من النشوة، ودفء يسري في قلوبهم، يتذوقون حلاوة الصوت، يصحبهم الشيخ في رحلة إلى السماء، فيما كانت الطفلة ''هناء'' -حفيدة الشيخ- تقف بالقرب من الغرفة تتابع ما يجرى من إنصات وصيحات سعادة، وسرد حكايات شيخ القراء.

    عن خشوع القلب، رهافة الحس، تواضع وحنان وتفرد الجد، احتفظت ''هناء حسين رفعت'' حتى بلوغها سن الستين بتفاصيل ورثتها عن أبيها الابن الأصغر للشيخ ''بابا قال إن جدي كان هادي وصوته زي الحرير.. لما ينده على جدتي مايزعقش رغم إنه كفيف''، لم ترَ الحفيدة ''الشيخ رفعت'' كما تحرص على تسميته لكن والدها كان مرآتها الأولى قبل أن تقرر البحث أكثر عنه، لذا ظلت كلمة ''بابا حكي.. كان بيقول'' الرفيق شبه الدائم في حديثها.

    بالحجرة الصغيرة ذاتها التي طالما شهدت بها والدها برفقة المحبين وقبلهم روح الشيخ رفعت متمثلة في صوته تحتضن المكان، حرصت السيدة الستينية على بقاء رونقها، اللهم دخول بعض اللمسات متممة لحالة الدفء المحتفظة بها الغرفة، في كل جانب شيء من الشيخ، صورة كبيرة مرسومة للجد تتيمن الجالسين، وأخرى صغيرة قديمة على المنضدة، أما الخزانة الخشبية الصغيرة المواجهة للدخول تحوي العديد من أوراقه، ما بين خطابات أُرسلت إليه من محبين، مصحف خاص به، وشرائط حفظتها عن أبيها.
    محمدرفعت
    في ذلك المنزل استهلت معرفتها بقيثارة السماء الذي فَقد بصره في طفولته، واضطر إلى إعالة أسرته بعد وفاة الأب وهو لايزال في سن التاسعة، كان شديد الحرص على توفير معيشة طيبة لزوجته وأبنائه، شديد الإخلاص في علاقته معهم ''لو حد فيهم بيتعب يفضل قاعد جنبه ويبكي''، وفي شهر رمضان كان يتحسس الشيخ خطواته نحو غرفة أبنائه وهم نيام، يوقظهم لشرب المياه قبل آذان الفجر، يحتضنهم ويدعو لهم.

    حنو وتواضع والدها لم يكن واحد على الألف من الشيخ كما قال لها أبيها، فالجانب الأقوى لعائلة ''رفعت'' تمثل في الزوجة ''جدتي كانت شديدة.. كنت بخاف منها''، حينما توفت كانت في العاشرة من عمرها، لكنها قط ما حاولت فتح الحديث معها كطفلة تريد أن تسمع عن الجد من روايات تسر نفسها لكنها علمت السبب ''بابا كان بيقول لي اختاروها ست قوية عشان تخدم راجل كفيف''، فكانت والدتها جانب مكمل لها، فجميع أبناء الشيخ لازموه المنزل حتى بعد زواجهم إلى أن فارق الحياة.

    واضعًا راحتا كفيه على رجليه ''وأيده دي كانت بيضة زي المرمر'' كان يجلس ''رفعت''، هادئ جميل الملامح، عيون واسعة ''لونها عسلي مخضر'' ذو أهداب طويلة ''والده كان بيشيله من كتر ما كان جميل'' عن والدتها أبصرت صورة جدها.

    ومن أبيها تلمست صفاته ''كان صوفي.. بابا حكى لي أنه كان يدخل خلوته يفضل يناجي ربنا ويبكي''، بغرفة مستقلة بالطابق الأول للمنزل، انتبذ الشيخ رفعت من أهله مكان يطيل فيه لقاء ربه، فإذا ما فرغ عاد لأهله وأصحابه، بجسد لا تبتعد روحه عن خالقها.

    أربعة أبناء للشيخ رفعت، كل منهم له سمة ميزته مع أبيه، فالابن الأكبر ''محمد'' كان ''عكازه'' أما ''أحمد'' فأقربهم صوتًا إلى الشيخ، وكانت الرقة من نصيب ''بهية'' الابنة الوحيدة ''والدي كان يقول أبويا لكن هي جميلة لما تقول بابا''، هكذا عرفتها الحفيدة، وأخيرًا ''حسين'' حمل لواء والده، يقرأ له في غياب أخيه الكبير، وعلى عاتقه تقدم أخوته لحماية تراث أبيه.

    ''أبويا كان يقول الشيخ رفعت عشان تسمعه صح ماتسمعهوش في الإذاعة لكن في التسجيلات الخارجية.. كل ما الناس تقول الله هو يبدع'' نصيحة الأب في سماع ''قيثارة السماء'' تتذكرها كلما استمعت إلى جدها، فلا تلبث حتى تذرف الدموع مرددة ''يا حبيبي''، ومعها تلح عليها صورة أبيها وقت إنصاته لأحد التسجيلات كأنما تراه لتوها ''كان ينط من مكانه ويقول الله''.

    الترغيب هو ما كان يسعى إليه دائمًا شيخ القراء في تلاوته التي ابهرت الكثير من كبار ومشايخ الأزهر حينذاك وحتى الآن، ليست فقط في الروحانية التي تشع من صوته لكن طريقته، فتراودها رواية أبيها عن أحد مشايخ الأزهر بعد وفاة الجد متسائلاً عن دراسته، ليجيبه الابن الأصغر ''اتعلم في كتاب بشتاك''، فوجئ الرجل ''يعني ما درسش في الأزهر لا يمكن أبوك الشيخ كان بيلفت انتباهنا لمعاني كانت غايبة عنا''.
    محمدرفعت
    لا زالت كلمة ''رزق خليل حبة'' -شيخ عموم المقارئ- تتردد في أذنيها منذ سمعته في حديث له بإذاعة القرآن الكريم ''أنا كنت جاهل واتعلمت''، إذ عُرض عليه شريط للشيخ رفعت يتلو بعض الآيات، فأصدر حكمه أن ''الشيخ بيلحن.. يعني خرج عن أدبيات القراءة''، فسارع ''حسين'' إليه بكتاب القراءات الذي قرأه لأبيه، ليقول ''رزق'' تلك الكلمات مؤكدًا صحة وعمق دراسة شيخ القراء.

    ''لما طلبوه في الإذاعة خاف وسأل الشيخ السمالوطي، قال له ماتخفش أنا هاشتري الراديو وأسمعك'' ترويها حفيدة الشيخ، عن تلقيه عرض قراءة القرآن الكريم بالإذاعة المصرية، بعد أن سمعه ''البرنس محمد علي'' أحد أقارب الملك فاروق في إحدى الإذاعات الأهلية وهو يبتهل، ليواجه بعدها الشيخ ''رفعت'' قلق البدايات، ومن قبله خشية على القرآن، فلم يخطُ نحو الأثير إلا بفتوى أراحت النفس نحو الفعل، ليأتي النجاح الباهر والقبول عند الناس بعد سماعه عبر المذياع كأن في صوته سحرا ما ''كان يقعد في الاستديو ويبدأ قراءة وفجأة يبكي لحد ما الكاكولة تغرق من دموعه''.

    أسفل طاولة تتوسط الحجرة الصغيرة تحتفظ ''هناء'' بعدد من اسطوانات تلاوة الشيخ، التي حصل عليها أبيها وأعمامها من ''زكريا باشا مهران'' بعد وفاته عن طريق زوجته ''زينب هانم مبارك'' تحفظ اسمها كما قاله والدها، من القوصية بمحافظة أسيوط حيث عزبة ''الباشا'' حصل الأبناء على تراث شيخ القراء ''لولا التسجيلات دي كان زمان بس في 3 تسجيلات'' هي ما تحتفظ بهم الإذاعة، ولم تكن لتلك الاسطوانات أثرها في حياة الشيخ فقط بل ''زكريا باشا'' المحب الذي سجل دون معرفة شخصية أو رؤية بـ''رفعت''، فباتت شهرته بما فعل رغم أنه كان من الاقتصاديين ورجال البرلمان حينذاك.

    لم تخلُ جلسات ابن الشيخ -حسين- من الحديث عن مسجد ''فاضل باشا'' أهم المحطات التي مر عليها ''محمد رفعت'' في تجربته، فبعد أن زادت شهرته عرضوا عليه أن يقرأ في مسجد السيدة زينب، القريب من منزله، والمُحبب إلى قلبه ''لما كان يعدي من جنبها يرفع إيده بالسلام''، ورغم ذلك رفض أن يترك المسجد الذي شهد بدء تجربته، فقد تعلق قلبه به ولم يقدر على فراقه.

    بعد سطوع نِجم ''رفعت''، فُتح منزله للجميع ''السبع أيام الأكل لكل ضيوف بيت الشيخ'' ويوم الخميس لمحبيه ومريديه، تلامذته وزملائه، أصدقائه من شيوخ الأزهر ''يختموا القرآن''، وفي الليل يحضر مشاهير الأدب والفن منهم محمد عبدالوهاب الأقرب إلى الشيخ، زكريا أحمد، أحمد رامي، جورج أبيض، نجيب الريحاني، والدكتور شديد، ثم يبدأ النقاش في أمور الدنيا ''كان يميل إنه يسمع أكتر ما يتكلم''.

    دفء ومحبة فاضت على بيت ''رفعت''، كثرت الأصدقاء عن معروف وليس سمعة، فباتوا يشاركون الشيخ تفاصيل مهمة في حياته وليس فقط صوته ''لما عمتي جابت نادية أول حفيدة للشيخ زكريا أحمد كتب أغنية ولحنها عشانها''.

    لم تكن الحفاوة بشيخ القراء تحيد نفسه عن ما نشأت عليه، فإن كان أحب الأعمال لنفسه هى تلاوة القرآن، فما أطيبها إن كانت في حضرة البسطاء، لم يذكر أن رد ''رفعت'' دعوة أحدهم قط، بل البعض ذكر إقباله هو ذاته على الذهاب، معتذرًا من أجلها عن ليالي الوجهاء وعلية القوم ليروي والد ''هناء'' لها عن استقباله مكالمة اهتزت لها كيانه وهو صغير.

    يقيم الملك فاروق احتفالا ويريد أن يفتتحه ''رفعت'' بصوته، ليكون نصيب ''حسين'' الرد على الملك شخصيا، كان طفلا لا يتجاوز العاشرة من عمره، أراد الملك أن يتأكد من حضور الشيخ، يهرول الابن الصغير تاركًا الهاتف القديم، يخبر أبيه بصوت مبتهج، فيفاجئه رائد التلاوة بهدوء النفس وتأني الكلمات ''قل له سنأتي إن شاء الله''، لكن مشيئة الله له كانت في حضور ليلة مولد طفل لأحد الجيران، فتخلف عن الموعد من أجل الجيرة على حساب جلالة الملك.

    قضاء الواجب صفة رافقت رائد القراء، للجميع يذهب وتلاوة القرآن يبتغي، لا يهتم لمال، فيذهب لعزاء الملك فؤاد يحييه ثلاثة أيام وما دافعه الذي رواه لابنه غير ''ده الواجب لازم نؤديه''.
    محمدرفعت
    ما يقرب من 55 عامًا قضاها ''رفعت'' في كنف القرآن بساحة مسجد ''فاضل باشا'' حتى عام 1942، في إحدى الليالي بينما كان الشيخ يجلس بداخل المسجد منغمسا في القراءة، داهمته ''زغوطة'' كانت تأتيه من آن إلى آخر توقفه عن القراءة ''الدكاترة كتبوا له على علاج بيشربه لما تجيله'' لكن تلك المرة كانت شرسة، توقف واستكمل القراءة لكنها عاودت مهاجمته مرة ثانية وثالثة، حاول الشيخ أن يتماسك وفشل فانهمر بالبكاء بصوت يفطر القلب، فبكى من معه.. كانت الليلة الأخيرة له في القراءة.

    المرض لا يرحم، 8 سنوات قضاها الشيخ في منزله طريح الفراش بسبب ''ورم على الحنجرة'' والأمراض التي تكالبت عليه، تروى ''هناء'' عن والدها أنه كان يرافق الشيخ ويراه يبكي ليل نهار متمنيا الشفاء فقط لكي يعود مرة أخرى للقراءة، لكن رويدا رويدا خفت ذِكره، وقَل السؤال عنه، قبل أن تنقلب الدنيا رأسا على عقب بعد نشر موضوع صحفي في ''المصور'' عن الشيخ وحالته.

    سارت حالة من الغضب بين الناس عن ما آل إليه حال الشيخ، وقاموا بجمع أموال له من المحافظات كافة في اكتتاب عام ''جمعوا فلوس كتيرة جدًا.. كانت تشتري ألف فدان وقتها''، ليلتقي أحمد الصاوي صحفي بجريدة الأهرام بالأبناء معطيًا لهم تلك الأموال، لكن الشيخ رفض قائلاً ''أنا وصل بيا الحال لكدا؟ رجعوا الفلوس دي للي يستحقها''.

    بعد أيام قليلة من تلك الواقعة، في 9 مايو 1950، رحل الشيخ محمد رفعت عن دنيانا ليلقى ربه في اليوم ذاته الذي ولد به، اهتزت القلوب لفراقه، وبقى العزاء المقام أمام منزله لمدة 3 أيام، يأتيه من كل حدب وصوب محبي الشيخ من كبار وصغار، ومشاهير وبسطاء، قرأ فيه كبار الشيوخ، وعند محاولة إنهاء العزاء في اليوم الثالث رفض مريديه كانوا يخشون أن ينتهي ذكره بعد تلك الليلة، لكن الشيخ بقى بتلاوته وسيرته وروحه التي ورثها عنه آل بيته.

    تتذكر ''هناء'''' سيرة جدها ما استطاعت، 20 عامًا أخذت تجمع عن ''الشيخ رفعت'' بعد وفاة أبيها مصابًا بالمرض ذاته الذي لحق بالجد لكن بالرئة ''قعد فترة مابيعرفش يتكلم''، لتجد أن المسؤولية تحتم استكمال مشوار بدأه الأب والأعمام، وأسفر عن ما تبثه الإذاعة من تسجيلات، فباتت مهمة الأحفاد نقل ما تبقى من الاسطوانات إلى ما يواكب العصر، فنجحوا بنقل كل تلاوة إلى ''هارد ديسك''، وإقامة الندوات لإحياء ذكراه، رغم تحملهم تكلفة ذلك دون معاونة.

    ساعات طوال تقضيها الحفيدة مع ابن عمها ''إبراهيم''، أحد المحبين للشيخ ''صفوت عكاشة''، تدقق في مصحف الشيخ الذي كان يستخدمه والدها للوقوف على الآيات المسجلة كاملة، والأخرى المفقودة بفعل التسجيل، كلما تلى الجد آية، انهمرت الدموع من عينيها، تحاول أن تخفيها دون جدوى، داعية الله أن يعينهم للإبقاء على صوت الشيخ جليًا يصدح في كل بيت.

    لمتابعة أهم وأحدث الأخبار اشترك الآن في خدمة مصراوي للرسائل القصيرة.. للاشتراك...اضغط هنا

    إعلان

    إعلان

    إعلان