• بأمر الحكومة.. أهالي أسيوط في انتظار كارثة بيئية وصحية جديدة

    10:41 ص الثلاثاء 19 أبريل 2016

    كتبت - نور عبد القادر:

    أعلن محافظ أسيوط المهندس ياسر الدسوقي، عن مخطط عمراني لتجمع سكاني جديد على مساحة حوالي 773 فدانا بين شركة تكرير بترول أسيوط ومزرعة مصنع الإسمنت، وذلك بزمام منطقة بني غالب بمركز أسيوط بدعوى إقامة تجمعات عمرانية جديدة مكتملة المرافق.

    وأوضح المحافظ أن التجمع الجديد يهدف إلى استيعاب 20 ألف مواطن، وتوفير أكثر من 20 ألف فرصة مؤقتة عمل خلال مراحل الإنشاء، وحوالي 8 آلاف فرصة عمال دائمة، ويعطي سيولة مالية تساهم في تطوير القرى والطرق الاقليمية والرئيسية بداخل المحافظة من خلال حصيلة البيع حيث يبلغ العائد الاستثماري من المشروع حوالي مليار جنيه مصري شاملة تكاليف المرافق، متجاهلا الاثار البيئية والصحية لإقامة مثل هذا التجمع العمراني بجوار المناطق الصناعية.

    أزمات سابقة

    ورغم تعدد الأزمات التي حدثت بسبب وجود سكان بجوار المناطق الصناعية، إلا أنه تم الإعلان عن المخطط السكني، وهو ما ينذر بنفس مصير منطقة "وادى القمر" المجاورة لمصنع الاسمنت "تيتان" بمحافظة الاسكندرية، وغيرها مثل مناطق حلوان فى القاهرة، وأبو زعبل بالقليوبية، والتي انتشر بها العديد من الأمراض، في مقدمتها حساسية الصدر والربو، نتيجة ارتفاع نسبة الأدخنة المنبعثة من المصانع، وانتشارها على المناطق الموجودة، وطالب جميع سكان تلك المناطق بنقل المصانع المجاورة لهم خارج الكتلة العمرانية حفاظاً على صحتهم.

    سكان وادى القمر

    ولعل منطقة سكان "وادى القمر" أبرز نموذج لما قد يحدث بجوار مصانع أسمنت أسيوط، وأعلن "ائتلاف سكان وادى القمر" إنه قدم خطاب استغاثة الى رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي يطالبونه رحمتهم بإغلاق مصنع الموت " تيتان " الذي أنشأ في عهد رئيس الوزراء الأسبق عاطف عبيد، و برم الصفقة مع الشركة اليونانية ووافق على اقامته رغم انه تم رفضه في عدة دول أخرى لأضراره الكثيرة على المواطنين.

    مصريون ضد الفحم

    يقول إسلام قنديل، عضو حملة "مصريون ضد الفحم"، إن الائتلاف تقدم بشكاوي لكل المسئولين وأقام دعوى قضائية بسبب تضرر 60 ألف نسمة من الأمراض بسبب المصنع، وأرسل مذكرة إلى وزارة البيئة تؤكد مخالفة الشركة لقوانين ومعايير البيئة الدولية رقم35 الذى يلزم الشركة بالا تزيد الانبعاثات الملوثة للهواء عن الحد المسموح به، وقد صدر تقرير مؤخراً يفيد أن نسبة الأتربة المتصاعدة بلغت 186ميكروجرام، وهذا أعلى من المسموح به عالميا بمراحل كثيرة، ولهذا طالب الأهالي بوقف استخدام الفحم كوقود في المصنع، على خلفية تبعاته الصحية والبيئية.

    دعاوى قضائية

    وأوضح قنديل أن الأهالي طالبوا في دعواهم والتي أقاموها أمام محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية بتاريخ 3 يناير 2016، بضرورة وقف تنفيذ وإلغاء قرار رئيس الوزراء المعدل للائحة التنفيذية لقانون البيئة، والذي سمح باستخدام الفحم في المناطق السكانية، وجاءت تصريحات وزير البيئة مخيبة لهم، والتي أكد فيها أن أمراض الحساسية التي تصيب سكان المنطقة ناتجة عن كثرة الغبار لكثرة حركة السيارات والنقل الثقيل بالمنطقة وليس بسبب ملوثات مصنع أسمنت "تيتان" كما يعتقد الأهالي، رغم أن هناك تقارير طبية تشير بإصابة السكان بأمراض صدرية مزمنة وربو التهاب رئوي".

    ويكمل إسلام، أن حملة مصريون ضد الفحم تتواصل مع أغلب المتضررين من مصانع الاسمنت سواء بأسيوط أو الإسكندرية أو حلوان، ورصدنا الاف الحالات لسكان مصابون بأمراض الربو الحساسية والسرطان، ورصدنا إصدار التصاريح القانونية لاستخدام الفحم فى المصانع، وللأسف قانون البيئة الحالي ضعيف جدا مقارنة بالاشتراطات العالية ولا تلتزم به المصانع، وحتى مع تشديد الاشتراطات البيئية، فأفضل أنواع الفلاتر عالميا، لا تستطيع أن تمنع سوى %90 فقط من الانبعاثات، وهو الأمر الذى سيتحول إلى كارثة في المناطق التي تقع المصانع وسطها، وهذه المناطق فى الأصل يعانى سكانها من انبعاثات المصانع حينما كانت تستخدم الغاز والذى تصل انبعاثات حرقه إلى 12 عنصرا، وتنتشر بينهم الأمراض والوفيات، فماذا سيحدث فى هذه المناطق إذا علمنا أن العناصر المنبعثة من حرق الفحم تصل إلى 76 عنصرا ساما"

    تفاصيل المشروع

    ورغم معاناة سكان "وادى القمر" ألا إنه بالفعل قد قام محافظ اسيوط باتخاذ خطوات جادة بمشروع المخطط السكنى بجوار مصانع الاسمنت، دون النظر لخطورة ذلك مستقبلا ً واحتمالية التمدد السكاني لتتحول لمناطق تعانى من الامراض، فقد تم تخصيص مساحة 47.4 فدان وسط التجمع الجديد لصالح وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لإقامة منطقة تكنولوجية جديدة وتخصيص مساحة 8.65 فدان لإنشاء فندق كما تم تخصيص مساحة 17 فدانا لصالح جهاز تنمية التجارة الداخلية بوزارة التموين لإقامة منطقة تجارية متكاملة عليها.

    وأكدت المهندسة إيمان علي، مدير عام ادارة التخطيط العمراني بالمحافظة، أن المشروع صدر بقرار رقم 190 لسنة 2015 بتعديل المساحة لتصبح 773.6 فدان لإقامة التجمع العمراني الجديد وتمت الموافقة على تعزيز المشروع من مجلس الوزراء ووزارة الاسكان والمجتمعات العمرانية والهيئة العامة للتخطيط العمراني، وجارٍ موافاة رئاسة مجلس الوزراء لاعتماد المخطط بديلا عن المجالس الشعبية المحلية، على مساحة 773 فدانا يقع بين شركة تكرير بترول أسيوط ومزرعة مصنع الإسمنت بزمام منطقة بني غالب .

    تقارير حكومية

    جدير بالذكر أن هناك تقرير صادر عن جهاز شئون البيئة، أن الشركة لا تلتزم بتدابير تتعلق بالحماية من الغبار، ضمن معايير السلامة المهنية في مرحلتي تجهيز المواد الخام و التعبئة، وان الانبعاثات من هذه الشركة تسبب أضرارًا جسيمة على سكان وادي القمر كما أنها تتسبب في التأثير السلبي والخطير علي الشركات المجاورة ومنتجاتها، كما أصدرت محكمة الإسكندرية حكما لصالح شركة المكس للملاحات في دعوى قضائية أقامتها ضد مصنع "تيتان" في مارس من العام 2010، بسبب تأثير الانبعاثات الصادرة من شركة الإسمنت على النشاط الإنتاجي لشركة المكس للملاحات، وهي الانبعاثات التي تشكل مخاطر على مستهلكي الملح الذي تنتجه شركة المكس، وأثبت تقرير فني أعده استشاري انتدبته المحكمة أن مصنع "تيتان" لم يلتزم بالمعايير الدولية بشأن مستوى الانبعاثات، وتلوث الملح من الإسمنت بنسبة 5%، وأن التلوث قد طال أيضاً بحيرة مريوط، التي تعد مصدراً هاما من مصادر الثروة السمكية، وهو ما يعنى خطورة وجود المصنع بجوار كتل سكنية .
    خطورة الانبعاثات

    يقول دكتور محمد عبد النبي، طبيب الأمراض الصدرية، أن العاملين بمصانع الإسمنت والقاطنين حول المصنع معرضون للإصابة بأمراض عديدة في الجهاز التنفسي كالسعال وضيق في التنفس والربو وانتفاخ في الرئة، لما يحويه الغبار المتصاعد من مركبات مثل الكربون، الهيدروجين، الجزيئات العالقة، الفسفور، الأتربة، كذلك تؤدي لخمول في القدرة على التفكير وانعدام الرؤية وفقدان حاستي التذوق والشم وأمراض الجلد وتورمات خبيثة في أنسجة الرئتين وأمراض الحساسية والإصابة بالسرطان وتشوه الأجنة وأمراض الصداع المزمنة.
    دراسة حول المخاطر

    وحول المخاطر التي يتعرض لها سكان المناطق الصناعية، أوضحت دراسة إسبانية ارتفاع معدل الإصابة بسرطان الرئة والحلق للسكان الذين يقطنون في محيط 50 كيلو مترا من المنشآت الصناعية التي تستخدم الفحم كوقود، بينما أثبتت دراسة أجريت في دولة سلوفاكيا، أن عوادم وقود الفحم، تتسبب فى ارتفاع نسبة أمراض سرطان الجلد، وفقدان الشعر لدى الأطفال، وفى الصين كشفت دراسة أخرى، أن الأطفال المعرضين لعوادم الفحم، يصابون بتأخر ذهني، وصعوبة في التعلم، واكتساب المهارات.


    أوضحت الدراسة أن هناك يقرب من 300 منشأة صناعية، تستخدم الفحم كوقود فى دول الاتحاد الأوروبي، وان المناطق الصناعية تسببت في وفاة أكثر من 22 ألف مواطن فى الدول التابعة للاتحاد الأوروبي، بسبب الفحم، خلال عام 2010، فى حين خسر نحو 5 ملايين مواطن عددا من ساعات العمل، بسبب تعرضهم للتلوث عبر عوادم الفحم، وحاجتهم إلى إجازات مرضية.

    وخلال تصريحات صحفية، أوضح المهندس مدحت اسطفانوس، رئيس شعبة الإسمنت، أن وزارة البيئة لن توافق على استخدام الفحم بمصانع الإسمنت إلا بعد التأكد من اتباعها أحدث المعايير البيئية، والمصانع تتبع أفضل المعايير البيئية الخاصة باستخدامات الفحم، وبالنسبة للمساكن هي التي تم بناؤها بجانب المصانع، وبالتالي يصعب إجبار مصانع الإسمنت على الانتقال.

    "تواجه المصانع تهديدات مستمرة بالنقل بحجة التواجد داخل الكتلة السكنية وتهديد صحة السكان المحيطيين، وهو أمر مستحيل لأن تكلفة نقل المصانع تقدر بمئات الملايين، وهو ما يعد تخريبا لصناعة الإسمنت الوطنية، خاصة وأن المصانع متواجدة قبل الزحف السكاني لها" – يوضح رئيس شعبة الإسمنت .

    وحول مخطط التجمع السكنى بجوار مصانع أسمنت أسيوط، أوضح إنه لا يعلم شئيا عنه.

    تعد صناعة الإسمنت من الصناعات الاستراتيجية القديمة التي تعود لعام 1911، وتلعب دورا محوريا في التنمية وإقامة المشروعات، ومصر المركز الـ14 بقائمة أكبر الدول المنتجة للإسمنت عالمياً بنهاية عام 2014، بحجم إنتاج بلغ 45 مليون طن، من جملة 3400 مليون طن من حجم الإنتاج العالمي، ويتراوح حجم استهلاك السوق المصري من الإسمنت ما بين 52 إلى 54 مليون طن سنوياً، وتقوم صناعة الاسمنت على الطفلة والحجر الجيري وهما متوافران بالمحاجر المصرية.

    الأضرار البيئة والصحية

    ويشرح دكتور عبدالله فرغلي، الخبير بيئي، أن الغبار المنبعث من مداخن المصانع يسبب أضرارا بالأراضي الزراعية والمياه المجاورة لها، وتشكل طبقة تحدث ضررا بالإنسان والثروة البحرية، وتتسبب مرض ضيق التنفس والربو الشعبي وانتفاخ الرئتين.

    "قانون شؤون البيئة رقم 4 لسنة 1994 والمعدل بالقانون رقم 9 لسنة 2009 وضع عددا من الاشتراطات الخاصة لحماية البيئة من تلوث الهواء، منها ألا تقل المساحة بين المنشأة الصناعية وأقرب تواجد سكاني عن 20 كيلو مترا، كما يضع القانون نسبا محددة لأى انبعاثات تخرج من المصنع لا يجب تجاوزها، وقد جاء تعديل القانون ليتساوى مع المعايير الأوروبية الخاصة بنسبة الجسيمات الصلبة الكلية في المصانع الجديدة، على أن يظل الضعف فى المصانع القديمة، ولكن أغلب المصانع يتجاوز معدلات الانبعاثات المحددة، فضلا على استحالة تطبيق شرط المسافة بينها وبين الكتلة السكانية فى عدد من المصانع، بسبب الزحف السكاني مثل مناطق طرة وحلوان ووادي القمر" موضحا القانون المنظم وعدم تطبيقه.


    وتابع " صناعة الإسمنت من الصناعات التنموية والاستراتيجية، وهي من ضمن الصناعات الثقيلة والخطرة والتي تنتج عن تلوث الهواء خصوصا عندما تكون بالقرب من المناطق السكنية، لأنها تمر بمراحل خطيرة تبدأ بنقل الخامات لها والتي تحتوى على مواد قلوية، وتطحن المواد الأولية، وتحرق بعد طحنها في أفران دوارة، ويعبأ بأكياس من الورق أو البلاستيك والغبار عبارة عن جزيئات من مختلف المراجل الانتاجية، وبه غاز ثاني أكسيد الكربون وهو غاز شديد السمية وغاز ثاني أكسيد الكبريت وهو من أخطر ملوثات الهواء وذات تأثير ضار على الجهاز التنفسي، وكذلك أكاسيد النيتروجين".

    وزارة البيئة

    وحول مدى مشروعية المخطط السكاني المزعم إنشائه بجوار مصنع أسمنت أسيوط، صرحت المهندسة ناهد يوسف، مدير إدارة التقييم البيئي، أن لابد من عمل دراسة تقييم بيئي قبل المشروع وقبل التخطيط له وقبل الإعلان عنه، ولكن لم يحصل المشروع على موافقة التقييم البيئي من قبل الوزارة ولم يقدموا دراسة بالمشروع حتى الأصل.

    لا موافقات على إقامة مصانع للإسمنت

    "المفترض ان يتم عمل جلسة استماع قبل أي مشروع للمتضررين والمحيطين بالمشروع، وعلى راغبي المشروع التقدم للتعاقد مع أحد الخبراء والمكاتب الموثقة بالوزارة لدراسة الانبعاثات ومدى إمكانية إقامة تجمع سكنى بجوار المصنع أم لا" - توضح رئيس إدارة التقييم البيئي.

    وطالبت بالتوجه أولا لاحد المكاتب المعتمدة لدراسة الأثر البيئي للمشروع، والدعوة لجلسة استماع، ثم وكان عليهم التوجه لقائمة المكاتب لعمل دارسة وجلسة استماع، وبعدها نقوم بالدراسة لأن الحكم الأساسي لمقدار الانبعاثات وتأثيرها"

    وتابعت " هناك قرابة 20 مصنعا على مستوى المحافظات والقاهرة، ويتم الرقابة عليهم جميعاً وعمل محاضر للمصانع المخالفة والمطالبة بتعديل اوضاعها وفقا للاشتراطات البيئة".

    إعلان

    إعلان

    إعلان