دبلوماسية "الوقت الضائع".. هل تنجح طهران في ترميم ما حطمته صواريخها في الخليج؟
كتب : محمد جعفر
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
في ظل دخول المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مرحلة هدنة مؤقتة تمتد لأسبوعين، تتجه الأنظار إلى التحركات الدبلوماسية الجارية لمحاولة تثبيت التهدئة ومنع تجدد التصعيد، وتأتي هذه الهدنة في وقت لا تزال فيه تداعيات المواجهات العسكرية تلقي بظلالها على أمن الملاحة وإمدادات الطاقة في منطقة الخليج، وسط حذر إقليمي ودولي من هشاشة الوضع وإمكانية انهيار التهدئة في أي لحظة.
تحركات دبلوماسية لاحتواء التصعيد
وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية أمس الاثنين، مع نظيريه في السعودية وقطر، لبحث ما وصفته طهران بـ"المخاطر الناجمة عن الإجراءات الأمريكية"، في خطوة تعكس مساعي احتواء التوتر وطرح وجهة النظر الإيرانية خلال فترة التهدئة الحالية، وفق ما أشارت إليه طهران.
خلال حديثه مع الجانب السعودي، شدد عراقجي على "نهج إيران الحسن النية في قبول وقف إطلاق النار" بين الولايات المتحدة وإيران، قائلاً: "للأسف، شهدنا استمرار جشع الجانب الأمريكي في المفاوضات، مما أدى إلى فشل التوصل إلى نتيجة"، مشيرًا إلى المحادثات التي جرت في باكستان خلال عطلة نهاية الأسبوع والتي لم تُسفر عن أي انفراجة.

تأكيد إيراني على المسار الدبلوماسي للحفاظ على أمن المنطقة
وفي مكالمة هاتفية أخرى مع وزير خارجية قطر اليوم، أكد عراقجي أن طهران "دخلت العملية الدبلوماسية بمسؤولية لحماية مصالحها الوطنية والحفاظ على السلام والأمن الإقليميين".
ومن جانبه شدد الوزير القطري على ضرورة فتح الممرات البحرية وضمان حرية الملاحة الدولية، مشددا على رفض الدوحة لاستخدام الممرات المائية كورقة ضغط أو مساومة سياسية، محذرًُا من الآثار السلبية العميقة لأي تعطيل للملاحة على دول المنطقة، وعلى أمن إمدادات الطاقة والغذاء عالميا، مؤكدا أن المساس بهذا القطاع الحيوي ينعكس مباشرة على الأمن والسلم الدوليين.

وتأتي تلك الاتصالات في أعقاب تصعيد لافت شهدته منطقة الخليج، حيث نفذت طهران هجمات استهدفت مواقع عسكرية ومصالح مرتبطة بواشنطن في بعض دول الخليج، وتنوعت هذه الهجمات بين ضربات صاروخية وهجمات بطائرات مسيّرة، ما أسفر عن أضرار في منشآت حيوية ورفع مستوى التأهب الأمني في المنطقة، الأمر الذي فاقم من حدة التوترات في الشرق الأوسط.
إيران تسعى لعلاقات طيبة مع الخليج
من جانبه يرى أفشار سليماني السفير الإيراني السابق لدى أذربيجان"، أنه يمكن النظر في كلا الهدفين، سواءً ترميم العلاقات مع الخليج أو مجرد الاطلاع على المستجدات كأمر بروتوكولي طبيعي، معللًا ذلك بأن إيران لا ترغب في التوتر مع جيرانها، وأنها مهتمة بإقامة علاقات منفعة متبادلة مبنية على الاحترام والثقة المتبادلين.
وأشار السفير الإيراني السابق لدى أذربيجان، في تصريحات خاصة لـ"مصراوي"، إلى أنه بالنظر إلى الأحداث التي وقعت في الفترة الماضية خلال حرب الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران وما تبعها من هجمات إيرانية على الخليج، فإن تحقيق هذا الهدف (ترميم العلاقات) سيستغرق وقتًا.
التعاون المشترك بين إيران والخليج سيدفع العلاقات لمزيد من التحسن
وفيما يتعلق بمستقبل العلاقات الإيرانية الخليجية، يرى "سليماني" أنه مع مرور الوقت وتعزيز الثقة المتبادلة بين الطرفين، وبالاستناد إلى العلاقات التاريخية والقواسم الثقافية والدينية المشتركة ومبدأ حسن الجوار، ستشهد العلاقات بين إيران ودول الخليج تحسنًا في ظل التعاون المشترك.
"ومع إدراك دول الخليج لحقيقة أن الولايات المتحدة وإسرائيل ليستا صديقتين حقيقيتين لها، وأنهما تسعيان فقط إلى توسيع نفوذهما وتحقيق مصالحهما الخاصة، فمن المتوقع أن تتجه هذه الدول، بعد انتهاء الحرب المفروضة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، إلى تعزيز وتطوير علاقاتها مع طهران على أساس من التفاهم المتبادل، في حين ستسلك إيران المسار ذاته بنهج إيجابي"، كما أوضح "سليماني".
دعوة لإنشاء مجلس تعاون اقتصادي خليجي بمشاركة إيران
وأوضح السفير الإيراني السابق لدى أذربيجان، أنه من المرجح أيضًا أن تدخل دول الخليج وإيران في مشاورات بنّاءة بهدف التوصل إلى نموذج أمني مشترك، لافتًا في الوقت ذاته إلى أن أفضل تصور في هذا السياق هو إنشاء منظمة للتعاون الاقتصادي في الخليج بمشاركة جميع دول الخليج وإيران، كبديل لمجلس التعاون الخليجي الذي أُنشئ دون مشاركة إيران وبما يخدم توجهات معاكسة لها بدعم من الولايات المتحدة.
اتصالات إيران مع السعودية وقطر "تحصيل حاصل"
في السياق ذاته، يرى الدكتور جمال سلامة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة السويس، أن الاتصالات الإيرانية مع كل من السعودية وقطر تهدف بالأساس إلى عرض وجهة نظر طهران بشأن الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة، إلى جانب مناقشة مستجدات الأوضاع، وعلى رأسها مسألة مضيق هرمز، موضحًا أن هذه التحركات تندرج في إطار العلاقات العامة ومحاولة تثبيت مواقف معينة، فضلاً عن شرح ما جرى في باكستان من وجهة النظر الإيرانية.
وأضاف أستاذ العلوم السياسية بجامعة السويس في تصريحات لـ"مصراوي"، أن هذه الاتصالات تمثل في جانب منها، تحركاً بروتوكولياً أو "تحصيل حاصل"، لكنها في الوقت ذاته قد تعكس محاولة من طهران لإعادة ترميم علاقاتها مع الرياض والدوحة، باعتبارهما من الدول المتضررة من إغلاق المضيق، وكذلك من الهجمات الإيرانية التي طالت المنطقة بين الحين والآخر.

أمريكا لن تسمح بتقارب إيراني خليجي
وفيما يتعلق بمستقبل العلاقات الإيرانية الخليجية، أكد سلامة أنه رغم الجوار الجغرافي، فإن الولايات المتحدة لن تسمح بعودة العلاقات إلى طبيعتها بشكل كامل في المدى القريب، مشيراً في الوقت ذاته إلى استمرار محاولات واشنطن "تخويف" دول الخليج من إيران.
ولفت إلى أن الضربات التي استهدفت مصالح أمريكية في بعض دول الخليج، وأصابت أحياناً أهدافاً مدنية، أسهمت في زيادة التوتر، ما يجعل ترميم هذه العلاقات عملية طويلة قد تستغرق سنوات، خاصًة أن موقفي السعودية وقطر يميلان إلى دعم الولايات المتحدة أكثر من التقارب مع إيران.
في نهاية المطاف، تظل الأيام القادمة هي الحكم الفصل في تحديد مسار البوصلة بالمنطقة. فبينما تحاول إيران استثمار نافذة الهدنة لإعادة ترتيب أوراقها الإقليمية، يظل شبح "فشل المفاوضات" والرقابة الأمريكية اللصيقة يلقيان بظلالهما على المشهد.