إعلان

جاهزية عسكرية ورسائل متناقضة.. لماذا تؤجل واشنطن معركة الحسم مع إيران؟

كتب : مصراوي

06:08 م 27/01/2026 تعديل في 09:30 م

صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي

تابعنا على

كتب- محمد جعفر:

يبدو أن التوسع البحري الكبير الذي نفذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الشرق الأوسط لم يؤدِّ إلى حسم استراتيجي بقدر ما عمّق حالة عدم اليقين، سواء في طهران أو في واشنطن، فعلى الرغم من الحشود العسكرية التي تمثلت في وصول "يو إس إس أبراهام لينكولن" إلى الشرق الأوسط، وكذلك التحذيرات المتكررة، ما أبقي المشهد مفتوحاً على الاحتمالات دون انتقال فعلي إلى العمل العسكري.

مع مطلع الأسبوع الجاري، وبالتزامن مع اقتراب مجموعة حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس أبراهام لينكولن"، من الشرق الأوسط، زار قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر إسرائيل، في خطوة فُسّرت على نطاق واسع بوصفها مؤشراً على تكثيف التنسيق قبيل تحرك محتمل ضد إيران، غير أن هذه الإشارات القوية لم تُترجم إلى ضربة عسكرية، رغم تصاعد الخطاب والتحركات الميدانية وتباين المؤشرات التي تسبق الضربة.

الرئيس الأمريكي صاغ احتمالية التدخل بعبارات إنسانية واضحة، محذراً طهران من قتل المتظاهرين، ومؤكداً أن الضغوط الأمريكية أوقفت بالفعل مئات عمليات الإعدام التي كانت مخططة، وتشير تقديرات من منظمات حقوقية والأمم المتحدة إلى أن عدد الضحايا المدنيين تجاوز 20 ألفاً، بينما ذكرت افتتاحية لمجلة "إيران إنترناشونال" في 25 يناير الجاري رقماً أعلى بلغ 36 ألف قتيل، ما يجعل هذه الحملة الأكثر دموية في تاريخ الجمهورية الإسلامية.

في المقابل وبحسب تقرير منشور لمجلة "إيران إنترناشونال"، اختارت واشنطن مساراً مختلفاً: خطاب متشدد يقترن بضبط نفس متعمد، فقد وفر نشر حاملات الطائرات أوراق ضغط إضافية، وتوسعت العقوبات والتعريفات الجمركية، وتصاعدت الإشارات الدبلوماسية والعسكرية، لكن الضربات الفعلية لم تُنفذ بعد.

ضبط النفس كخيار سياسي

هذا المشهد دفع المجلة لطرح سؤالاً مركزياً بشأن ما الذي يقيّد ترامب ويمنعه حتى الآن من توجيه ضربة لإيران؟، مشيرًة إلى أن الخطاب العلني للرئيس الأمريكي بشأن إيران تضمن مساحة كبيرة للاهتمام الإنساني، لكنه يتعارض مع العقيدة الاستراتيجية الأوسع لإدارته، فاستراتيجية الأمن القومي الصادرة في نوفمبر 2025 تؤكد نهج "أمريكا أولاً"، وتمنح الأولوية لتجنب الزج بالقوات الأمريكية في صراعات قد تتحول إلى "حروب لا نهاية لها".

وفي الوقت ذاته، تتبنى استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 لهجة أكثر تشدداً تجاه إيران، واصفة إياها بخصم استراتيجي دائم، ومحمّلة إياها مسؤولية "تلطيخ الأيدي بدماء الأمريكيين"، ومع ذلك، وضع ترامب خطوطاً حمراء تتعلق بإعدام المتظاهرين واستخدام القوة المميتة ضدهم، مشيراً إلى أن أي تحرك محتمل سيُقدَّم كعملية إنقاذ لا كغزو أو تغيير نظام.

لكن المعطيات بحسب التقرير، تشير إلى أن الضرورات الإنسانية تُستخدم كخطاب تبريري أكثر من كونها محركاً حاسماً للقرار، فلو كان وقف القتل الجماعي هو العامل الفاصل، لكان التدخل قد جاء عقب ذروة القمع في أوائل يناير، بدلاً من ذلك تذبذب ترامب بين تحذيرات "الجاهزية الكاملة" والتعبير عن أملٍ في عدم الاضطرار لاستخدام القوة.

حسابات استراتيجية معقدة تدفع واشنطن للتأني

القيود الأعمق للمسألة تكمن في حسابات استراتيجية وسياسية لا تكفي اللغة الإنسانية لتجاوزها، أول هذه الحسابات هو خطر التصعيد، فقد أوضحت طهران أن أي ضربة أمريكية ستقابل بردود متعددة الجبهات، تشمل إسرائيل والقواعد الأمريكية وربما طرق الطاقة العالمية، مع احتمالات استخدام الصواريخ الباليستية أو الحروب بالوكالة أو الهجمات السيبرانية أو تعطيل مضيق هرمز.

كما تشير تقارير إلى أن شركاء إقليميين، من بينهم إسرائيل، دعوا إلى توخي الحذر بل والضغط على ترامب لتأجيل الضربة، إدراكاً منهم أن حتى ضربة محدودة قد تتدحرج إلى حرب أوسع تشمل المنطقة بأكملها، في هذا السياق، تبدو الحشود البحرية أداة للضغط والإشارة القسرية أكثر منها تمهيداً مباشراً للحرب، بما يعكس تفضيل ترامب تفادي كلفة تصعيد قد تتجاوز سريعاً أي مكاسب سياسية أو استراتيجية.

بإلإضافة إلى ذلك هناك عامل ثاني يتمثل في الحسابات الداخلية الأمريكية، فالإرهاق من التدخلات العسكرية في الشرق الأوسط لا يزال راسخاً، وتُظهر استطلاعات الرأي معارضة غالبية الأمريكيين لحروب جديدة، حتى لو قُدِّمت في إطار إنساني. ويستند ترامب في هويته السياسية إلى رفض نمط التدخلات الواسعة، مفضلاً الجمع بين الخطاب القوي، والعقوبات، واستعراض القوة، دون الانزلاق إلى صراع مفتوح.

أما العامل الثالث، فهو جاذبية تحقيق مكاسب استراتيجية دون حرب، فالموقف الحالي للداخل الإيراني يضعف طهران بصورة غير مباشرة، ويزيد الضغط على برنامجها النووي، ويعمق عزلتها الاقتصادية عبر العقوبات والتعريفات، مع احتمال اتساع الانقسامات الداخلية دون منح النظام ذريعة هجوم خارجي مباشر.

خيارات مفتوحة بلا حسم

في المحصلة، يخلص التقرير إلى أن سياسة ترامب تعكس إدارة دقيقة للتوازن بين الغضب الأخلاقي والقيود الاستراتيجية والمخاطر السياسية، غير أن ضبط النفس لا يعني الثبات أو إغلاق الخيارات، فالوضع القائم يُبقي جميع السيناريوهات مفتوحة، من ضربة محدودة ودقيقة قد توفّق بين الخطاب الإنساني والردع القسري، إلى حملة أوسع إذا ما طغت الحسابات الاستراتيجية على سياسة التريث.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان