الندّاهة.. بين وهم الصوت وحقيقة المصير
في البدء، لم يكن الصوت واضحا… كان أشبه بارتعاشة خفيفة في الروح، كأن أحدا يمر من داخلك دون أن تراه. لا اسم له، ولا ملامح، ولا جهة يأتي منها. ومع ذلك، تعرفه. تعرفه كما تعرف ألما قديما، أو وجها غاب طويلا ثم عاد في الحلم دون استئذان.
يقولون في الحكايات إن “الندّاهة” تظهر عند الحقول، عند أطراف القرى، تنادي العابرين بأسمائهم، بصوت مألوف، فيتبعونها، لا يقاومون، لا يسألون. لكن الحكاية، كما وصلت إلينا، كانت ناقصة… لأن أحدا لم يخبرنا أن الندّاهة الحقيقية لا تقف خارجنا، بل تسكن في أعمق نقطة فينا، حيث نخفي ما لا نجرؤ على قوله.
في القاهرة، حيث تختلط الأصوات حتى تفقد تمييزها، قد تسمع ذلك النداء فجأة. ليس أعلى من الضجيج، بل أدق منه، كخيط رفيع يخترق كل شيء ويصل إليك وحدك. تمشي في الشارع، بين الوجوه التي لا تعرفها، وفجأة تشعر أن أحدا يناديك. تلتفت… لا تجد أحدا. لكنك لا تخطئ الإحساس. هناك شيء بدأ.
الندّاهة ليست دعوة إلى مكان، بل إلى حالة. لا تقول لك: تعال إلى هنا، بل تقول: اخرج مما أنت فيه. اترك هذا الركود الذي ظننته استقرارا، هذا الصمت الذي حسبته راحة. تدعوك إلى كسر شيء ما… ربما في العالم، وربما في داخلك.
والأغرب أنها لا تستخدم كلمات واضحة. أحيانا تأتيك في صورة ذكرى، مشهد قديم لم تفهمه وقتها، ثم يعود الآن بإلحاح. أحيانا في رغبة مفاجئة، لا تعرف مصدرها، لكنها تسيطر عليك. وأحيانا في ضيق غامض، كأن صدرك لم يعد يتسع لما اعتاد عليه.
هنا يبدأ الصراع… ليس بينك وبين الندّاهة، بل بينك وبين نفسك.
هل تستجيب؟ أم تتجاهل؟
هل تثق في هذا النداء، أم تخاف أن يكون وهما يقودك إلى الضياع؟
الناس، في الغالب، يختارون الصمت. يتظاهرون بأن شيئا لم يحدث. يواصلون حياتهم كما هي، بنفس الوجوه، نفس الطرق، نفس العادات. لكن الندّاهة لا ترحل. تختبئ قليلا، ثم تعود. كل مرة أقرب، كل مرة أوضح، كأنها تتعلم كيف تصل إليك.
هي ليست شرا خالصا، ولا خيرا مطلقا. هي اختبار. دعوة إلى مواجهة ما هربت منه طويلا. قد تكون حلما دفنته بيدك، أو حقيقة أنكرتها، أو طريقا خفت أن تسلكه. الندّاهة لا تخلق شيئا جديدا… بل تكشف ما كان موجودا، وكنت تتجاهله.
هناك من استجابوا. تركوا كل شيء ومضوا، لا يعرفون إلى أين. بعضهم عادوا بوجوه أخرى، كأنهم وُلدوا من جديد. وبعضهم لم يعودوا أبدا، كأن النداء ابتلعهم. وبين هؤلاء وهؤلاء، يقف آخرون، عادوا… لكنهم لم يجدوا مكانهم كما كان. صاروا غرباء في حياتهم القديمة، كأنهم عبروا بابا لا يُغلق.
الخوف الحقيقي ليس في الاستجابة… بل في الإنكار. أن تعيش عمرك كله، وأنت تسمع ذلك الصوت، ثم تختار أن تتجاهله، حتى يبهت، حتى يختفي، حتى تصبح أنت نفسك صامتا مثله. عندها، لا يحدث شيء ظاهر، لا خسارة كبيرة، لا انهيار… فقط فراغ يتسع ببطء، حتى يبتلع كل شيء.
الندّاهة، في جوهرها، ليست سوى صوتك الحقيقي. ذلك الصوت الذي لا يجامل، لا يهادن، لا يقبل الحلول الوسط. يناديك باسمك الذي تعرفه وحدك، لا الاسم الذي يناديك به الآخرون. يذكّرك بمن كنت، وبمن كان يمكن أن تكون.
وفي لحظة ما، لا أحد يعرف متى، تقف على الحافة. لا حافة مكان، بل حافة قرار. إما أن تمضي، أو تبقى. إما أن تنصت، أو تُصمّ أذنيك. ولا أحد يستطيع أن يختار عنك. لأن الندّاهة، مهما بدت غامضة، لا تفرض… هي فقط تنادي.
وقد تمضي، فتكتشف أن الطريق لم يكن سهلا كما تخيلت، وأن النداء لم يكن وعدا بالسعادة، بل دعوة إلى الحقيقة. والحقيقة، كما يعرفها من اقترب منها، ليست دائما مريحة. لكنها، رغم ذلك، الشيء الوحيد الذي يمنحك إحساسا أنك حي.
وفي النهاية، حين تهدأ الأصوات كلها، وتبقى وحدك، ستعرف إن كنت قد سمعت الندّاهة فعلا… أم أنك كنت تهرب منها. لأن الفرق بين الاثنين، ليس في الصوت… بل في الشجاعة التي امتلكتها، أو التي خذلتك، حين جاء النداء.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع