إعلان

مُحتال احتال على قصة احتياله

محمد منير

كتب - محمد منير

07:00 م الأربعاء 29 أبريل 2026

في عام 2002، أخرج ستيفن سبيلبرغ فيلما من بطولة ليوناردو دي كابريو مستندا إلى قصة حقيقية تبدو أقرب إلى الخيال. البطل فرانك أباغنالي الابن، مراهق لم يتجاوز التاسعة عشرة، نجح في انتحال صفة طيار وطبيب ومحامٍ، وجمع الملايين وهو يتهرب من مطاردة مكتب التحقيقات الفيدرالي عبر قارات ثلاث.

أداة فرانك الحقيقية لم تكن شهاداته المزورة، بل كانت قدرته على ارتداء الهوية المناسبة أمام الجمهور المناسب في اللحظة المناسبة. لم يكن كاذبا بقدر ما كان مهندس روايات.

والمفارقة الأكثر إدهاشا جاءت لاحقا: حين اكتشف باحثون أن أباغنالي زوّر قصته كلها. السجلات أثبتت أنه كان خلف القضبان في الفترة التي يدّعي فيها أنه كان يجوب العالم. احتال على سبيلبرغ وعلى دي كابريو وعلى العالم أجمع، وجنى منها ثروة ومجدا وفيلما في هوليود. فهو لم يحتال على الجميع فحسب، بل احتال حتى على قصة احتياله، وهنا يكمن الدرس الأهم، وهو أن خطورة المحتال ليست في سرقة المال، بل في سرقة الرواية.

ولعل ما يبدو في الفيلم كحيلة فردية، أصبح اليوم سلوكا سياسيا ممنهجا. فرانك أباغنالي لم يكن في حاجة إلى تزوير الواقع بقدر ما كان يحتاج إلى إدارته، وكذلك إيران لم تعد بحاجة إلى حسم المواقف وإن ادعت ذلك، بقدر ما تتقن إطالة لحظتها. وهنا يتقاطع الفيلم مع الواقع بشكل يكاد يكون حرفيا: فالمسألة لم تعد في ما يقال، بل في ما يؤجل، وفي ما يترك دون حسم، وفي الوقت الذي يستهلك دون أن يتغير شيء.

وهنا لا تعود القصة مجرد تشابه رمزي بين فيلم وواقع، بل تتحول إلى نمط سياسي مكتمل الأركان. فمنذ اللحظة التي أعلن فيها روح الله الخميني عام 1980 ضرورة "تصدير الثورة"، لم يكن المشروع قائما فقط على تغيير الواقع، بل على إعادة صياغته في عقول الآخرين، فالسياسة في جوهرها ليست فقط صراعا على الأرض، بل صراع على تعريف ما يجري فوقها. والفارق الجوهري بين أباغنالي وطهران أن الأول كان يحتال على جمهور واحد في كل مرة، أما إيران، فتفعل ذلك مع جماهير متعددة في الوقت نفسه، بروايات مختلفة، لا تتقاطع.

للشعب الإيراني تقدم نفسها درعا يحميه من أعداء الخارج. للفلسطينيين تقدم نفسها حاملة لواء التحرير. للغرب تقدم نفسها دولة تفاوضية تبحث عن استقرار. وللمنطقة تقدم نفسها قوة محور تقاوم الهيمنة.

أربعة وجوه. أربعة جماهير. ولا أحد منهم يرى الصورة كاملة. في لبنان، أُسِّس حزب الله عام 1982 بدعم مباشر من الحرس الثوري، والرواية المُصدَّرة: مقاومة. في سوريا عام 2011، دخلت طهران تحت عنوان حماية الأضرحة، وتحولت إلى لاعب عسكري مباشر كلّف مليارات الدولارات. في اليمن والعراق وغزة، استمر النمط ذاته، دعم مالي وعسكري لوكلاء محليين، والرواية دائما: دعم لا تدخل، مقاومة لا ميليشيا، رسالة لا نفوذ.

في كل محطة يتغير الزي - ديني أو إنساني أو ثوري - وتبقى الحقيقة ثابتة: توسع عبر وكلاء، يقدّم في صورة رسالة. لكن الرواية لا تنجح من الخارج فحسب، بل تبدأ من الداخل حيث تقف الجمهورية الإسلامية أمام شعبها بوصفها درعا يحميه. لكن هذا الدرع ينقلب في لحظة الاختبار الحقيقية. من احتجاجات 2019 التي قوبلت بالرصاص، إلى انتفاضة 2022 التي اشتعلت بعد مقتل مهسا أميني وأسفرت عن مئات القتلى، يتكرر المشهد ذاته، لا ينهار الخطاب أمام الواقع، بل يلتهمه ويعيد تعريفه وتزييفه. إذ من أخطر أوهام السلطة أن تصدق روايتها عن نفسها، فتتحول من أداة لإدارة الآخرين إلى قفص تسجن فيه قرارها.

وعلى المستوى الإقليمي، يبلغ التناقض ذروته حين توضع الأرقام بجوار الشعارات. تبني إيران هويتها كاملة على عداء إسرائيل، "تحرير القدس" عنوان المشروع، ومحور المقاومة أداته، وكل وكيل من وكلائها يبرر وجوده بهذه المواجهة المعلنة. غير أن الوقائع تكشف أن المدفع كان موجها في اتجاه مختلف تماما.

أثبتت الأرقام أن جارتها الإمارات استقبلت وحدها 48% من إجمالي الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، في حين لم تتلق إسرائيل سوى 12.8% من تلك الضربات، بل وامتدت الضربات لتطال البحرين والأردن والكويت وقطر والمملكة العربية السعودية والعراق في آن واحد.

دول لم تعلن حربا، ولم تطلق طلقة واحدة، لكنها وجدت نفسها في قلب العاصفة. وهنا ينكشف التناقض الأفدح في المنظومة: عدو معلن في الشمال البعيد، ونيران موجهة نحو جار في الجنوب القريب. شعارات تحرير القدس في الخطاب، وصواريخ تتساقط على دبي وأبوظبي والمنامة في الواقع. الرواية تقول إسرائيل، والصاروخ يقول الخليج.

ولعل ما قاله المستشار الألماني فريدريش ميرتس أمس يلخص هذه اللعبة في جملة واحدة: "الإيرانيون بارعون جدا في التفاوض، أو بالأحرى، بارعون جدا في عدم التفاوض، في جعل الأمريكيين يسافرون إلى إسلام آباد ثم يغادرون دون أي نتيجة". وأضاف ما هو أشد وضوحا: "لا أرى في الوقت الراهن أي استراتيجية خروج مقنعة لدى الأمريكيين".

فن إدارة الانتظار، وإبقاء الآخر يدور داخل دائرة مفتوحة دون أن يصل إلى شيء، هو ذاته فن أباغنالي: لا تحسم القضية، بل تطال العملية حتى ينهك الطرف الآخر من طول انتظاره.

ما يقدّم في الرواية دفاعا، هو في الواقع هجوم يعاد تعريفه لغويا، ما يقدّم حماية، هو في الواقع سيطرة تلبس عباءة الرسالة، وما يقدّم مقاومة، هو في الواقع نفوذ منظم، يمول ويدار ويوجه.

التناقض موجود، لكنه موزع بعناية. كل جمهور يرى الوجه الموجّه إليه، ويصدق القصة التي صممت له. والرواية الناجحة ليست تلك التي تغيب عنها التناقضات، بل تلك التي تحجب كل تناقض عن الجمهور الذي سيزعجه.

وهنا يعود فرانك أباغنالي، ليس كشخصية سينمائية، بل كنموذج مكتمل. أباغنالي لم يسقط لأنه كذب، بل لأنه بالغ في إتقان الكذبة حتى صدقها هو نفسه. وهذه هي اللحظة الأخطر في حياة أي رواية، حين ينقلب المحتال من صانع الوهم إلى ضحيته. وفي السياسة، قد تطول حياة الرواية، وقد تجد في كل مرة جمهورا جديدا مستعدا لتصديقها. لذلك لا يسقط المحتال حين يكشف، بل حين يقرر العالم أن يتوقف عن تصديقه.

كلمة أخيرة

وفي النهاية، لعل الجملة الأصدق في فيلم Catch Me If You Can لم تكن عن الاحتيال، بل عن الحقيقة نفسها، حين قال فرانك أباغنالي: الناس لا يعرفون إلا ما تخبرهم به.

وهنا تحديدا تكمن خطورة الروايات التي تبنى بإحكام، فهي لا تعيش لأنها صحيحة، بل لأنها تمنح من يصدقها شعورا زائفا ومريحا في الوقت نفسه بأنه لم يكن مخطئا. وقد أدرك فولتير هذه الخطورة قبل قرون حين قال: من يستطيع أن يقنعك بالهراء، يستطيع أن يدفعك إلى الفظائع.

لكن الحقيقة، مهما تأخرت، لا تهزم، هي فقط تنتظر اللحظة التي يصبح إنكارها مستحيلا. والسؤال الحقيقي اليوم ليس: من يهاجم من؟ بل: من ينجح في تعريف ما يحدث قبل أن يراه أحد.

لأن من يملك السردية، يملك الصراع.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان