إعلان

حين يغني الأمل في قلب المترو.. ذوو الهمم يكتبون سيمفونية العدالة الثقافية في المترو

مصطفى صلاح

كتب - مصطفى صلاح

07:00 م الخميس 23 أبريل 2026

في لحظة تبدو للوهلة الأولى عابرة وسط زحام مدينة لا تهدأ، تحولت محطة مترو جمال عبد الناصر إلى مساحة مختلفة تمامًا عن وظيفتها اليومية. لم تعد مجرد نقطة عبور، بل أصبحت خشبة مسرح مفتوحة على الحياة، حيث امتزج صوت القطارات بإيقاع الفن، وتحول الانتظار إلى حالة من الدهشة الإنسانية النادرة.

جاءت هذه الفعالية في إطار التعاون بين وزارتي الثقافة والنقل، ضمن رؤية تستهدف نقل الفنون إلى الناس في أماكن وجودهم اليومية، وكسر الحواجز التقليدية بين الإبداع والجمهور. لكن ما جرى لم يكن مجرد عرض فني عابر، بل كان رسالة أعمق بكثير: رسالة تقول إن الثقافة ليست رفاهية، بل حق، وإن الجمال لا يُحتجز في القاعات المغلقة.

قدمت فرقة كورال قصر ثقافة روض الفرج التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة عرضًا استثنائيًا داخل المحطة، كان عنوانه الحقيقي هو “الإنسان”. شارك في العرض عدد من ذوي الهمم، ليس كضيوف شرف، بل كأبطال للمشهد، يضعون أصواتهم وخطواتهم ومشاعرهم في قلب التجربة الفنية، ليصنعوا حالة من الانبهار الصادق بين المارة.

في تلك اللحظة، لم يكن أحد يمر سريعًا كما اعتاد. توقفت الوجوه، وتباطأت الخطوات، وكأن المكان نفسه قرر أن يصغي. أصوات الكورال لم تكن مجرد غناء، بل كانت امتدادًا لحكايات إنسانية عميقة، تحمل في نبراتها ما هو أبعد من الكلمات: تحد، وإصرار، وإرادة لا تعرف الانكسار.

كان لافتًا كيف تلاشت الفوارق بين الجمهور والمشاركين. لم يعد هناك “مؤدٍ” و"مشاهد"، بل أصبح الجميع جزءًا من حالة واحدة، تتنفس الفن وتعيش اللحظة. ذوو الهمم الذين شاركوا في العرض لم يظهروا كرمز للمساندة أو الشفقة، بل كقوة إبداعية حقيقية، تعيد تعريف معنى القدرة نفسها.

هذه التجربة لم تأت من فراغ، بل هي امتداد لتوجه واضح لدى وزارة الثقافة نحو توسيع مفهوم العدالة الثقافية، بحيث لا يبقى الفن حبيس المسارح التقليدية، بل يخرج إلى الشارع، إلى المترو، إلى الأماكن التي يعيش فيها الناس يومهم العادي. الفكرة ببساطة أن الثقافة يجب أن تلاحق الإنسان أينما كان، لا أن ينتظرها.

وفي خلفية المشهد، كان التعاون بين وزارتي الثقافة والنقل حاضرًا كعنصر أساسي في نجاح التجربة، إلى جانب الشراكة مع الهيئة القومية للأنفاق وشركات إدارة خطوط المترو. هذا التعاون لم يكن إداريًا فقط، بل كان فلسفة جديدة في التفكير: كيف يمكن للبنية التحتية أن تتحول إلى مساحة حياة، لا مجرد وسيلة انتقال.

اللافت أيضًا هو الدعم والاهتمام الذي أبدته الدكتورة جيهان زكي، التي أشادت بهذا النموذج من التعاون، مؤكدة أهمية استمرار مثل هذه المبادرات التي تعيد للفن حضوره الطبيعي في الشارع المصري، وتمنحه القدرة على الوصول إلى جمهور أوسع وأكثر تنوعًا.

لكن بعيدًا عن البيانات الرسمية والتصريحات، يبقى المشهد الحقيقي هو ما حدث داخل المحطة: طفل يقف مدهوشًا أمام صوت غنائي مختلف، شاب يبتسم دون أن يدرك السبب، سيدة تترك هاتفها جانبًا لتستمع، ورجل أنهكه اليوم يقف للحظة كأنه استعاد شيئًا من طاقته.

هذه ليست مجرد تفاصيل عابرة، بل هي جوهر الفكرة. الفن حين ينجح، لا يطلب تفسيرًا، بل يفرض حضوره على الإحساس مباشرة.

ما حدث في محطة جمال عبد الناصر يفتح سؤالًا أكبر: ماذا لو أصبحت كل محطات الحياة اليومية مساحات للفن؟ ماذا لو لم يعد الإبداع حدثًا نادرًا، بل جزءًا من الروتين اليومي؟ ربما حينها فقط نفهم أن الثقافة ليست حدثًا ننتظره، بل حياة نعيشها.

الأهم من ذلك أن مشاركة ذوي الهمم في هذا السياق لم تكن رسالة إنسانية فقط، بل كانت إعادة تعريف صريحة لمفهوم “القدرة”. لقد أثبتوا أن الإبداع لا يعرف تصنيفات جاهزة، وأن الصوت الحقيقي لا يحتاج إلى شروط مسبقة كي يصل.

في النهاية، يمكن القول إن ما جرى داخل محطة المترو لم يكن عرضًا فنيًا فقط، بل كان لحظة إنسانية كاملة. لحظة أعادت للمدينة شيئًا من روحها، وللناس شيئًا من دهشتهم، وللفن مكانه الطبيعي بين الجميع.

وحين غادر الجمهور المكان، لم يغادره العرض وحده، بل بقيت في الهواء فكرة بسيطة لكنها قوية: أن الجمال حين يُمنح للجميع، يصبح أكثر صدقًا، وأكثر قدرة على تغييرنا دون أن نشعر.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان