إعلان

شتان بين الاثنتين

سليمان جودة

كتب - سليمان جودة

07:00 م الأحد 19 أبريل 2026

الزيارة التي قام بها الرئيس الأوكراني زيلينسكي إلى عدد من عواصم الخليج مرت على كثيرين باعتبارها زيارة رسمية، شأنها شأن أي زيارة من نوعها يقوم بها رؤساء الدول، وهناك مَنْ راح يقلل من شأنها قائلا ما معناه أن الأجدى للرئيس الأوكراني أن يركز في حرب بلاده مع روسيا.
ولم يكن الفريقان على صواب، فلا الذي تطلع إليها كزيارة رسمية شأنها شأن غيرها كان يراها من زاويتها الحقيقية، ولا الذي دعا الرئيس الأوكراني إلى التركيز أكثر فيما يتصل بحرب أوكرانيا مع الروس كان يتطلع إليها على نحو ما يجب.
ولا بد أن شرح ذلك مسألة أمرها يطول، ولكن هذا لا يمنع من إيجاز الكلام عنها قدر ما هو ممكن لعلنا نتدرب على رؤية الأشياء من زواياها المفترضة.
إننا نعرف بالطبع أن الحرب الروسية الأوكرانية دخلت عامها الخامس في الرابع والعشرين من الشهر قبل الماضي، ونعرف أن الحرب العالمية الأولى دامت أربع سنوات تقريبا، وكذلك الحرب العالمية الثانية، وعلى هذا الأساس تصبح الحرب الروسية الأوكرانية مرشحة لمنافستهما، ليس فقط في طول كل حرب منهما، ولكن في تداعيات الحربين على العالم وقت نشوبهما في النصف الأول من القرن العشرين.
بهذا المفهوم تصبح حرب الروس مع الأوكرانيين حربا عالمية بمعنى من المعاني، سواء من حيث دائرة تأثيرها الممتدة في أرجاء العالم، أو حتى من حيث انقسام العالم حولها فريقين بغير أن يكون هذا الانقسام معلنا في الكثير من الحالات.
إذ ليس سرا أن الصين وكوريا الشمالية وإيران كانت منذ البداية في صف موسكو، وكانت أوروبا والولايات المتحدة في صف كييف، وبقية الدول كانت إما إلى جوار هذا الصف أو ذاك، ولو حتى من غير أن يظهر ذلك بشكل مكتمل، وكانت الدول المحايدة قدر الإمكان قلة قليلة.
فإذا تحدثنا عن الصين وكوريا الشمالية وإيران إلى جانب روسيا، قلنا إنه كان اصطفافا معلنا، وكانت كل دولة من الدول الثلاث تصطف بطريقتها، وبما تملكه أو تستطيع أن تقدمه، فكانت الحكومة الإيرانية مثلا تمد روسيا بطائرات مسيرة إيرانية الصنع، وكان الروس يعودون بالفضل في تقدمهم على الجبهة أحيانا إلى الطائرات المسيرة الإيرانية.
وعلى مدى السنوات الأربع التي دامت خلالها الحرب، وكذلك خلال ما مضى من أيام من السنة الخامسة قبل اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، كانت طهران تواصل إمداد الروس بطائراتها المسيرة، وكانت روسيا تفتح ثغرات بها في حربها مع الأوكرانيين.
ولكن الأهم أن الأوكرانيين كانوا على مدى الحرب يتصدون للطائرات الإيرانية، ولم يكن هذا التصدي يصب في فراغ، ولكنه كان يمنح العسكريين الأوكرانيين خبرة في صد الطائرات المسيرة الإيرانية، وكانت الخبرة تتعمق لديهم يوما بعد يوم، وكانوا يحتفظون بالخبرة المتحققة لهم، وربما كان هذا هو الذي جعلهم صامدين على الحدود الروسية الأوكرانية.
المثل يقول على مستوى الأفراد "اسأل مجربا ولا تسأل طبيبا" ولا يكاد المعنى يختلف على مستوى الدول، فعندما استقبلت عواصم خليجية الرئيس الأوكراني، كانت تستقبله ولسان حالها يقول: اسأل أوكرانيا فهي صاحبة تجربة طويلة في صد كل مسيرة إيرانية.
ولا معنى للمثل في الحالتين، حالة الأفراد وحالة الدول، إلا أن الخبرة العملية تظل تختلف عن الرؤية النظرية، فهذه شيء وتلك شيء آخر، وشتان بين الاثنتين.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان