ولو كان على ألف جبهة
تبدو الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وكأنها عصا موسى التي ابتلعت كل ما عداها مما كان في أيدي سحرة فرعون.
فلا حديث عن الحرب في السودان رغم أنها مستمرة بوتيرتها الأولى لم تختلف، ورغم أن ضحاياها من السودانيين يتساقطون كل يوم. ولولا أن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي في الخرطوم، توعد جماعة إسلامية سودانية دعت إلى القتال بجوار الإيرانيين، ما كان أحد قد انتبه إلى هذه الحرب التي وصفوها عن حق في مرحلة من مراحلها بأنها الحرب المنسية.
لا تعرف ماذا أصاب العالم هذه الأيام بحيث صارت الحروب فيه هي القاعدة، بينما السلام هو الاستثناء! وإلا، فما معنى أن تشتعل الحرب الروسية الأوكرانية في الرابع والعشرين من فبراير ٢٠٢٢، ثم تظل مشتعلة منذ ذلك الحين، إلى أن دخلت عامها الخامس في الرابع والعشرين من الشهر الماضي؟ كان هناك أمل في أن تكون بداية السنة الخامسة طريقا إلى وقف هذه الحرب، فإذا بالحرب على إيران تغطي عليها، وإذا بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يعلن أن المفاوضات الثلاثية لوقف الحرب قد توقفت إلى أجل غير مسمى.
المفاوضات الثلاثية كانت روسية أوكرانية أمريكية، وليس لوقفها من سبب سوى انشغال الولايات المتحدة بحربها مع إسرائيل على إيران.
وهكذا، فإن الحرب الروسية الأوكرانية مرشحة للتصعيد بعد أن كان المتفائلون قد راهنوا على أنها ستجد نهايتها مع بدء السنة الخامسة. والخوف أن يستغل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انشغال الرئيس الأمريكي بحربه على إيران، فيقوم بالتصعيد أكثر وأكثر على الأوكرانيين، ثم على الأوروبيين في العموم.
وإذا كان بيننا من يظن أن الحرب الإسرائيلية الوحشية على الفلسطينيين في قطاع غزة قد توقفت باتفاق وقفها الذي جرى التوقيع عليه أكتوبر الماضي، فهذا الظن ليس في مكانه، ولا يعبر عن حقيقة الأمر في القطاع. ففي كل يوم يسقط ضحايا لهجمات إسرائيلية متجددة على الفلسطينيين، وفي كل يوم تواصل إسرائيل ما كانت قد بدأته في حربها عليهم. وهي لا تفرق بينهم في غزة وفي الضفة الغربية، وما يتعرضون له لم يتعرض له شعب جرى احتلال أرضه من قبل.
جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتطرد أخبار هذه الحروب الثلاث إلى الصفحات الداخلية في الصحف، أو إلى الخلفية من الأحداث على الشاشات، وانشغل الناس بالحرب على إيران أكثر مما ينشغلون بحروب ثلاث أكلت الأخضر واليابس في مواقعها. بل إن هناك استطلاعات رأي تقول إن الحرب على إيران خطفت اهتمام مشاهدي الدراما في شهر رمضان، ولم تعد تحظى بنسب المشاهدة العالية التي كانت دائما تتمتع بها.
تظن إسرائيل أن حروبها المتتالية على جبهات مختلفة في المنطقة سوف تعفيها من الاستحقاق الفلسطيني، وهذا ما لن يكون. ففي نهاية الحرب على أي جبهة من الجبهات التي وقف بنيامين نتنياهو يحصيها أمام الأمم المتحدة ذات يوم، تفاجأ إسرائيل بأن الاستحقاق الفلسطيني ماثل أمامها لا يتغير ولا يتبدل، وسوف يظل هكذا إلى أن يجد حلا نهائيا، ولن يجدي معه الهروب الإسرائيلي ولو كان على ألف جبهة وجبهة.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع